علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا)» (١).
فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي ﷺ مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر (٢).
فقد أقام محمد ﷺ براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.
المثال السادس: مع زعيم المنافقين: قدم النبي ﷺ المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على
_________________
(١) ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة هذه القصة وعزاها إلى الطبراني، والحاكم، وأبي الشيخ في كتابه أخلاق النبي - ﷺ -، وابن سعد، وغيرهم، ثم قال ابن حجر: ورجال إسناده موثّقون ومحمد بن أبي السري وثّقه ابن معين والوليد قد صرح بالتحديث ١/ ٥٦٦. وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وعزاه إلى أبي نعيم في الدلائل. البداية والنهاية ٢/ ٣١٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٤٠: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٥٦٦.
[ ١٥٣ ]
تمليك عبد الله بن أُبيٍّ، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوةً وبغضًا، ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإسلام، دخل فيه كارهًا مصرًا على النفاق والحقد والعداوة (١) ولم يأل جهدًا في الصَّدِّ عن الإسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذَّبِّ عن اليهود ومساعدتهم.
وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي ﷺ يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإسلام؛ ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٦، والبداية والنهاية ٤/ ١٥٧.
[ ١٥٤ ]
تَبَعٌ له، فكان ﷺ يحسن إليه بالمقال والفعل، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي:
١ - شفاعته لليهود - بنو قينقاع - عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (١) فسار إليهم رسول الله ﷺ يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي ﷺ عبد الله بن أُبيٍّ حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليَّ، فأبطأ عليه رسول الله
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٧، والبداية والنهاية ٤/ ٤، والرحيق المختوم ص٢٢٨، وهذا الحبيب ص٢٤٦.
[ ١٥٥ ]
ﷺ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يديه في جيب درع النبي ﷺ، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاث مائة دارع (١) قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي ﷺ له (٢) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (٣).
فلم يعاقبه رسول الله ﷺ، على هذه الشفاعة وعلى شدته القبيحة، بل عفى عنه ﷺ.
_________________
(١) الحاسر: هو الذي لا درع له، والدارع: هو لابس الدرع. انظر: المعجم الوسيط، مادة "حسر" ١/ ١٧٢، ومادة "درع" ١/ ٢٨٠.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٤.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٢٦، ١٩٠.
[ ١٥٦ ]
٢ - ما فعله مع النبي ﷺ يوم أُحُد: خرج النبي ﷺ إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد الله بن أُبيٍّ بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر - ﵄ - فوبَّخهم، وحضَّهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (١).
فلم يعاقبه رسول الله ﷺ على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين.
٣ - صدُّه الرسولَ ﷺ عن الدعوة إلى الله تعالى: ركب النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة، فمر بعدو الله عبد
_________________
(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/ ١٩٤، وسيرة ابن هشام ٣/ ٨، ٣/ ٥٧، والبداية والنهاية ٤/ ٥١.
[ ١٥٧ ]
الله بن أُبَيٍّ وحوله رجال من قومه، فنزل ﷺ فسلم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله - ﷿ -، وذكَّر بالله، وحذَّر وبشَّر وأنذر، وعندما فرغ النبي ﷺ من مقالته، قال له عبد الله بن أُبيٍّ: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًّا فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدِّثْهُ إيَّاه، ومن لم يأتك فلا تغته (١) ولا تأته في مجلسه بما يكره منه (٢) فلم يؤاخذه النبي ﷺ، وعفا عنه وصفح.
٤ - تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي ﷺ، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيٍّ - أن اثبتوا وتمنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن
_________________
(١) أي: لا تكثر عليه به وتتردد به عليه، أو لا تعذبه به. انظر: القاموس المحيط، باب التاء، فصل الغين ص٢٠٠، والمعجم الوسيط مادة "غتَّ" ٢/ ٦٤٤.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٨، ٢١٩.
[ ١٥٨ ]
قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله ﷺ بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي ﷺ وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (١).
وترك النبي ﷺ عبد الله بن أُبيٍّ فلم يُعاقبه على ذلك الفعل القبيح!
٥ - كيدُهُ وغدره للنبي ﷺ ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبيٍّ بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، ومنها:
دَبَّر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإفك، وتولى كبره عبد الله بن أُبيٍّ بن سلول (٢).
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٩٢، والبداية والنهاية ٤/ ٧٥، وزاد المعاد ٣/ ١٢٧.
(٢) انظر قصة الإفك في البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حديث الإفك ٧/ ٤٣١، برقم ٤١٤١، وكتاب التفسير، سورة النور، باب: = = ﴿««««إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا «««««(هَذَا ««««عَظِيمٌ﴾ ٨/ ٤٥٢، برقم ٤٧٥٠، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث الإفك ٤/ ٢١٢٩، برقم ٢٧٧٠، وزاد المعاد ٣/ ٢٥٦ - ٢٦٨. وانظر: البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ ««««اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا «««(الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٨/ ٦٤٨، ٦٥٢، برقم ٤٩٠٥، وفي كتاب المناقب، باب ما ينهى عنه من دعوى الجاهلية ٦/ ٥٤٦، برقم ٣٥١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨، برقم ٢٥٨٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٣٣٤. والحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٨/ ٦٤٨، برقم ٤٩٠٤، = = ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤/ ٢١٤٠، برقم ٢٧٧٢.
[ ١٥٩ ]
وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبيٍّ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (١).
وفي هذه الغزوة قال عدو الله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] (٢).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ٨/ ٦٤٨، ٨/ ٦٥٢، ٦/ ٥٤٦، برقم ٤٩٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨، برقم ٦٣ - (٢٥٨٤).
(٢) والحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) ٨، برقم ٤٩٠٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤، برقم ٢٧٧٢.
[ ١٦٠ ]
وقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي ﷺ نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله بن أُبيٍّ، وتَحمُّله له، والإحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأنه هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا «قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (١).
فلو قتله رسول الله ﷺ لكان ذلك منفِّرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبيٍّ
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) ٨، ٨، ٦، برقم ٤٩٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤، برقم ٦٣ - (٢٥٨٤).
[ ١٦١ ]