لم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله
_________________
(١) تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٧].
(٢) أحمد، ١/ ٢٠٥، وأبو داود، برقم ٢٥٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١١٠.
[ ٨٢ ]
تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (١).
ومن الحالات التي بكى فيها النبي ﷺ ما يأتي:
١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل، فقال بلال: «يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (٢)
٢ - بكاء النبي ﷺ في الصلاة من خشية الله تعالى،
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ١٨٣.
(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد».
[ ٨٣ ]
فعن عبد الله بن الشخِّير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المِرجل من البكاءِ» (١).
٣ - بكاء النبي ﷺ عند سماع القرآن، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قال لي رسول الله ﷺ: "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: "نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري" قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فإذا عيناه تذرفان» (٢).
٤ - بكاء النبي ﷺ عند فقد الأحبة، «بكى النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له
_________________
(١) أبو داود، برقم ٩٠٤، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم ٢٧٦.
(٢) البخاري، برقم ٤٥٨٢، ومسلم، برقم ٨٠٠.
[ ٨٤ ]
عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة. . . إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (١).
٥ - بكاء النبي ﷺ عند وفاة إحدى بناته، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس ﵁ قال: «شهدنا بنتًا للنبي ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "هل فيكم أحد لم يُقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها" قال: فنزل في قبرها فقَبَرها» (٢).
٦ - وبكى ﷺ عند موت ابنة له أيضًا، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أخذ رسول الله ﷺ ابنة له تقضي (٣)
_________________
(١) البخاري، برقم ١٣٠٣، ومسلم، برقم ٢٣١٥.
(٢) البخاري، برقم ١٢٨٥، ورقم ١٣٤٢.
(٣) تقضي: تشرف على الموت.
[ ٨٥ ]
فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله ﷺ: "أتبكين عند رسول الله؟ " فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله ﷿» (١).
٧ - وبكى ﷺ عند وفاة أحد أحفاده، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: «أرسلَتْ بنتُ النبيِّ ﷺ (٢) إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: "إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرُفِعَ إلى النبي ﷺ الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع،
_________________
(١) أحمد، ١/ ٢٦٨، والترمذي في الشمائل، برقم ٣٢٤، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم ٢٧٩.
(٢) قيل: إنها زينب ﵂؛ بنت رسول الله - ﷺ -.
[ ٨٦ ]
قال: كأنها شَنٌّ، وفي رواية: تقعقع (١) كأنها في شنٍّ (٢) ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وفي رواية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ» (٣).
٨ - بكى النبي ﷺ عند موت عثمان بن مظعون، فعن عائشة ﵂ قالت: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل». ولفظ الترمذي: «أن النبي ﷺ قَبَّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان» (٤).
٩ - بكى ﷺ على شهداء مؤتة، فعن أنسٍ ﵁ «أن النبي
_________________
(١) تقعقع: تضطرب وتتحرك.
(٢) الشن: القربة البالية.
(٣) البخاري، برقم ١٢٨٤، ومسلم، برقم ٩٢٣.
(٤) أبو داود، برقم ٣١٦٣، والترمذي برقم ٩٨٩، وابن ماجه برقم ١٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٩.
[ ٨٧ ]
ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الرَّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم» (١).
١٠ - بكى عند زيارة قبر أمه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها تذكركم الموت» (٢).
١١ - بكى ﷺ عند سعد بن عبادة وهو مريض، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي
_________________
(١) البخاري، برقم ٤٢٦٢.
(٢) مسلم، برقم ١٠٨ - (٩٧٦).
[ ٨٨ ]
الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (١) فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا (٢) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم. . .» (٣) الحديث (٤).
١٢ - بكى ﷺ عند القبر، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: «كُنَّا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى ثم قال: يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا» (٥).
١٣ - بكى ﷺ في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه
_________________
(١) غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥].
(٢) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال: سوءًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].
(٣) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].
(٤) البخاري، برقم ١٣٠٤، ومسلم، برقم ٩٢٤.
(٥) ابن ماجه، برقم ٤١٩٥، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٧٥١. وكذلك أخرجه أحمد، ٤/ ٢٩٤.
[ ٨٩ ]
ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: «ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ يُصلِّي ويبكي حتى أصبح» (١).
١٤ - بكى ﷺ في صلاة الكسوف، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول الله ﷺ، فقام رسول الله ﷺ يُصلِّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم" وفيه: ربِّ ألم تعدني ألا تُعذَّبهم» (٢).
١٥ - بكى ﷺ لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر،
_________________
(١) ابن خزيمة، برقم ٨٩٩، ٢/ ٥٣، وأحمد ١/ ١٢٥، ٢/ ٢٢٢، وصحح إسناده الألباني والأعظمي في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٢.
(٢) ابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٠١، وقال الألباني والأعظمي: إسناده صحيح، انظر: صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٣، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي برقم ٢٧٨.
[ ٩٠ ]
ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃: «. . . فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنوا العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًا من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيبًا لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمَّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ:
[ ٩١ ]
"أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله ﷺ، وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فأحلَّ الله الغنيمة لهم» (٢).
١٦ - بكى النبيُّ ﷺ شفقة على أمته، فعن عبد الله بن عمرو ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وقال عيسى ﵇:
_________________
(١) يثخن في الأرض: يُكثر القتل والقهر في العدوِّ. شرح النووي ١٢/ ٨٧.
(٢) مسلم، برقم ١٧٦٣.
[ ٩٢ ]
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية، فرفع يديه وقال: "اللهم أُمَّتي أُمَّتي" وبكى، فقال الله ﷿: "يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوءك» (١).
_________________
(١) مسلم، برقم ٢٠٢.
[ ٩٣ ]