وقد حماه الله تعالى من صغره من دنس الجاهلية، ومن كلِّ عيب، فلم يُعظِّم لهم صنمًا في عمره قط، ولم يحضر مشهدا ًمن مشاهد كفرهم، وكانوا يطلبونه بذلك فيمتنع، ويعصمه الله من ذلك، وما شرب خمرًا قط، وما عمل فاحشة قط، وكان يعلم بأنهم على باطل، ولم يشرك بالله قطٌّ، ولم يحضر مجلس لهوٍ (٢) ولم
_________________
(١) قاله ابن القيم في زاد المعاد، ١/ ١٠٥، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٤٦٦: «وكان عمرها آنذاك خمسًا وثلاثين وقيل: خمسًا وعشرين».
(٢) الفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، لابن كثير، ص٩١ - ٩٥، والبداية والنهاية، ٣/ ٤٠٦ - ٤٥١، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٢٤.
[ ٢٣ ]
يعمل شيئًا مما كان يعمله قومه من الفواحش والمنكرات، فقد نشأ في مجتمعٍ كَثُرت فيه المفاسد وعمت فيه الرذائل، فالشرك بالله تعالى، ودعاء غيره معه، وقتل الأنفس بغير حق، والظلم، والبغاء، والاستبضاع، والزنى الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض، والأموال، والدماء، كل ذلك كان شائعًا في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، بالإضافة إلى وَأْدِ البناتِ، وقتل الأولاد خشية الفقر، أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعدُّ في الجاهلية من المفاخر، والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كلُّه يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضى بها، والنبي ﷺ لم يعمل أي عمل أو يباشر أيَّ خُلقٍ من هذه الأخلاق الرذيلة، وقد أدَّبه ربُّهُ فأحسن تأديبه (١) وهذه الأخلاق
_________________
(١) لم يثبت «أدّبني ربي فأحسن تأديبي» لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في = = مجموع الرسائل الكبرى، ٢/ ٣٣٦: «معناه صحيح ولكن لا يعرف له إسناد ثابت»، وأيده السخاوي والسيوطي، فراجع كشف الخفاء ١/ ٧٠. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني برقم ٧٢.
[ ٢٤ ]
التي اتصف بها قد عرفها قومه منه؛ ولهذا لُقِّب بين قومه " بمحمدٍ الأمين" (١).
وقد بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمر النبي ﷺ، وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا، واشتجروا فيمن يضع الحجر الأسود موضعه، فقالت كلُّ قبيلةٍ: نحن نضعه، ثم اتفقوا على أن يضعه أَوَّلُ داخلٍ عليهم، فكان أول من دخل عليهم رسول الله ﷺ، ففرِحوا به كثيرًا، فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به أن يكون حكمًا بينهم؛ ليحلَّ النزاع ويقف القتال الذي كاد أن يحصل، فأمر ﷺ بثوبٍ فَوُضِعَ الحجر في وسطه، وأمر كلَّ قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ
_________________
(١) أحمد في المسند، ٣/ ٤٢٥، وحسنه الألباني في تخريج فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص٨٤.
[ ٢٥ ]
الحجر فوضعه بيديه في موضعه ﷺ (١).