وخرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام في تجارةٍ، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفه به؛ لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة، فَرَأَى عبد المطلب وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه ﷺ ما زاد عمَّه في الوصاة بِهِ، والحرص عليه، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الراهب هبطُوا فحلُّوا
_________________
(١) البخاري، برقم ٣٨٨٣، ٣٨٨٤، و٣٨٨٥، ٦٢٠٨، ٦٥٧٢، ومسلم، برقم ٢٠٩. وانظر: الفصول لابن كثير، ص٩٣، والبداية والنهاية، ٥/ ٤٣١ - ٤٣٤.
[ ٢١ ]
رحالهم، فخرج إليهم الرَّاهبُ، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفتُ، قال: فهم يحلُّون رِحالهم فجعل يتخلَّلهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ، قال: "هذا سيدُ العالَمِين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقال له أشياخٌ من قريش ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنِّي أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفِ كتفهِ مثل التُّفَّاحة. . .» الحديث، وفيه: «أن النبي ﷺ أظلته غمامةٌ ومالت الشجرة بظلها عليه» (١)
وأمر الراهب أبا طالب بالرجوع به إلى مكة؛ لئلا يراه اليهود؛ فيحصل له منهم سوء، فأرسل به عمه إلى مكة، ثم أرسلت به خديجة بنت
_________________
(١) الترمذي برقم ٣٦٢٠، وقال عنه ابن كثير في الفصول في سيرة الرسول - ﷺ - ص٩٤: «بإسناد رجاله كلهم ثقات» وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٦٢٠، وفي فقه السيرة للغزالي ص٦٨ وقال: «إسناده صحيح» وقال: لكن ذِكر بلال فيه منكر كما قيل قال: «قلت: وقد رواه البزار فقال: وأرسل معه عمه رجلًا» ..
[ ٢٢ ]
خويلد في تجارةٍ لها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فربحت تجارة خديجة ﵂، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، فرجع فأخبر سيدته بما رأى، فرغبت إلى النبي ﷺ أن يتزوجها، لِمَا رجَتْ في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها، وفوق ما يخطر بِبَالِ بشر، فتزوجها رسول الله ﷺ، وله من العمر خمس وعشرون سنة، وكان عمرُ خديجة أربعون سنة (١).