يجب أن نتذكر أن الزمان الذي بعث فيه النبي - ﷺ - بدعوته إلى العالم، كان زمانا خيمت فيه ظلمات الجهل على العالم كله. كما سادت الهمجية والوحشية الدنيا كلها وربما شوهدت كلمات الإنسانية والحضارة والأخلاق على صفحات الكتب، إلا أنه لم يكن لها أي أثر على القلوب.
أ - كان بنو إسرائيل قبل المسيح قد استحقوا بأن يسموا بالحيات وأولاد الحيات، وبلعنة المسيح لهم لم يبق فيهم من الإنسانية أثرا إلا شكلها وصورتها الخارجية ودخلت فيهم الوثنية من تأثير الأمم المجاورة لهم.
ب - كانت أوربا تشهد عصر الجهل والبربرية.
وفي إنجلترا كانت تسكن أمم البرتون والسكسون الوحشية، وفي أقاليم إنجلترا المختلفة مثل ناربترلاند، ومدلاند، وكونتيز ونارفوك وساسيكس راجت عبادة الأوثان.
وفي مناطق فرنسا وما حولها سادت الخرافات بينما كان القساوسة يدعون الناس إلى الإتيان بأنواع مختلفة من الفحش والوقاحات.
وظلت فرنسا في حرب دائمة مع أمة السكسون على نهر الألب استمرت إلى ما بعد عام ٧٨٢ م حين قتل من أسرى السكسون حوالي ٤٥٠٠ أسيرا بلا رحمة في مدينة وردن، أما المجر في تلك الفترة فقد وقعت فريسة في يد أمة وصلت في وحشيتها درجة فظيعة، أمة بعيدة تماما عن كل معاني الحضارة والمدنية قامت بإدخالها في عقيدتها (النصرانية) بوسائل وحشية إرهابية ظالمة (١).
ج - كانت المزدكية تسيطر على إيران، دعت إلى الشيوعية في النساء والمال والأرض
_________________
(١) Civil and Military Gazette، éditorial Note ١٢ October ١٩٠٧
[ ٤٥ ]
فدمرت الأخلاق وأعاقت التقدم الإنساني.
د - وفي الهند كان عصر "بران" (١) قد بدأ، وسيطرت طائفة "بام مارك" التي كانت تدعو النالس إلى مبادئها القذرة، فكانت تماثيل النساء والرجال العارية توضع في المنادر ()، ليعبدها الناس.
هذا بالإضافة إلى أن جدران دور العبادة وأبوابها كانت مزخرفة بصور فاحشة لا يملك أمامها الإنسان المهذب إلا الشعور بالاشمئزاز والنفور.
هـ - أما سكان الصين فاعتبروا بلدهم مملكة للابن السماوي وهكذا أعرضوا عن الله، وجعلوا لكل أمر من أمور الحياة صنما ووثنا: صنم المطر، صنم الإنجاب، صنم الحرب، صنم السلم، وكان عقاب هذه الأصنام من سلطة الملك، ولم يكن كونفوشيوس، الذي يعد مصلح الصين، قد ظهر بعد.
و- وفي مصر سيطرت النصرانية بقوة، ويوما بعد يوم كانت تظهر معتقدات جديدة فيما يتعلق بالتعريف بشخصية المسيح ﵇ وأبنيته وتحديدهما، وفيما يتعلق بأشكال التوحد والتفرق، وهكذا ظهرت فرق جديدة، تكفر كل واحدة منها الأخرى، ولا تتورع عن قتل أو تحريق معارضيها.
هذا موجز مختصر عن أحوال البلاد التي خضعت لحكومات عظيمة وشرائع، وكانت كل واحدة منها تفخر بعلمها وحضارتها على الأخرى.
ز - وهكذا كان حال الجزيرة العربية كحال البلاد سابقة الذكر، مع ملاحظة أنها لم تخضع لقرون لحكم أي ملك، ولم تتأثر بأي قانون، كما لم يصلها هاد يرشدها إلى الطريق القويم، وبالإضافة إلى الحرية البهيمية (٢) فإن الجهل والانعزال والبعد عن الأمم المتحضرة قد زاد من تدهور الأحوال أكثر فأكثر، وهذه الحالة السيئة للغاية هي التي جعلتهم جديرين بالرحمة، فشاءت إرادة الله تعالى أن تكون الجزيرة العربية هي منطلق الدعوة لإصلاح العالم وهدايته.
_________________
(١) ر. س، دت. اردو تهذيب قديم هندوستان [ص:٣٧]. () جمع مندر والمندر هو مكان العبادة عند الهنادكة.
(٢) الحرية الإنسانية هي الحرية التي ينالها كل فرد ضمن الالتزام بالقانون والدين، والحرية البهيمية هي التي ينالها الفرد في ظل إلغاء القانون والدين.
[ ٤٦ ]