وهنا يأتي دور التدبير الإلهي والحماية الربانية في مواجهة التدبير الإنساني، فحين أحاط أولئك الناس ليلا ببيت النبي - ﷺ -، في ذلك الوقت طلب نبي الله من أخيه علي ﵁ أن ينام في فراشه وأن يتسج ببردته، وألا يقلق أبدا، فلن يخلص إليه شيء يكرهه من هؤلاء، فنام علي ﵁ نوما هادئا تحت ظلال السيوف وخرج رسول الله في حفظ الله، ونثر التراب على رؤوس هؤلاء الناس الذين عمت قلوبهم. وهو يتلو سورة يس، وخرج سالما فلم يره أحد وهو يمضي حيث أراد (١) وكانت هذه الواقعة يوم الخميس السابع والعشرين من صفر عام ١٣ من البعثة الموافق للثاني عشر من سبتمبر ٦٦٢م.
أتى نبي الله - ﷺ - بيت صديقه ورفيقه أبي بكر، فأعد متاع السفر اللازم على عجل،
_________________
(١) ما حدث للنبي - ﷺ - يشبه ما حدث لصفي الله داود، فقد هرب داود من الكوة، وكان شاول قد أرسل رسلا إلى بيت داود ليراقبوه ويقتلوه في الصباح، وحين أرسل شاول رسله لأخذ داود، وجدوا في فراشه التراقيم ولبدة المعزى. فقالت هو مريض .. الخ انظر النص في العهد القديم صموئيل الأول الإصحاح التاسع عشر ١٢ - ١٣ - ١٤ - ١٩ [ص:٤٦٠] ط جمعيات الكتاب المقدس المتحدة ط، بريطانيا. University Press Cambridge
[ ٧٨ ]
وحلت أسماء بنت أبي بكر نطاقها فجعلته عصاما للسفرة، وفي ظلمة تلك الليلة انطلقا حتى وصلا غار ثور على بعد حوالي أربعة أميال من مكة وكانت الطريق وعرة حتى أدمى قدمي رسول الله - ﷺ - وأصابه الألم من الركض، فحمله أبو بكر ﵁ على كتفه. حتى وصلا في النهاية إلى غار، فدخل أبو بكر أولا فنظفه وسد جحوره بمخاريق من ثوب جسده وبعدها طلب من النبي - ﷺ - أن يدخل.
وطلع الصبح واستيقظ علي ﵁ كعادته كل يوم وجاءته قريش وسألته عن محمد فأجاب علي وما أدراني أكنت عليه رقيبا، أمرتموه بالخروج فخرج، فانتهروا عليا وعنفوه من غضبهم وضربوه وأخذوه إلى الجعبة وحبسوه لفترة ثم تركوه (١).
وقدم هؤلاء إلى بيت أبي بكر، فدقوا بابه، فخرجت أسماء بنت أبي بكر إليهم، فسألها أبو جهل: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ فقالت والله لا أعلم. فرفع أبو جهل - وكان فاحشا خبيثا - يده ولطم خدها لطمة طرحت منها قرطها (٢).