وفي الليلة الرابعة خرج من بيت أبي بكر ﵁ بعيران أعدا إعدادا جيدا لهذا السفر، فركب النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر على أحدهما، بينما ركب على الآخر عامر بن فهيرة وعبد الله بن الأريقط (الذي استؤجر ليكون دليل السفر)، واتجه الركب إلى المدينة في غرة ربيع الأول، يوم الاثنين (١٦ سبتمبر ٦٢٢ م)
وكانت هجرة النبي - ﷺ - اقتداء بسنة الأنبياء السابقين فقد ورد ذكر هجرة إبراهيم خليل الرحمن، وموسى وداود ﵈ في التوراة، وقد تحقق نصر الله تعالى للنبي الكريم بعد الهجرة، مثلما كان يحدث للأنبياء السابقين.
وترك الدليل الطريق الوسطى واتخذ المضي بمحاذاة ساحل البحر، وحين كان النبي - ﷺ - يمر بالمنطقة التي تتوسط قلعة رابغ الحالية وساحل البحر، خرج سراقة بن جعثم يتعقبه، يقول عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة:
"بينما سراقة يجري بفرسه لابسا البيضة آخذا بالرمح مدججا بالسلاح إذ أبصر
_________________
(١) سيرة ابن هشام المجلد الأول [ص:٧٣].
(٢) قال يوناثان النبي لداود: وفي اليوم الثالث تنزل سريعا تأتي إلى الموضع الذي اختبأت فيه. صموئيل الأول الإصحاح ٢٠/ ١٩ [ص:٤٦٢] الطبعة السابقة.
(٣) سيرة ابن هشام المجلد الأول [ص:١٧٣] والطبري ٢/ ٢٤٧.
(٤) البخاري، باب المغازي عن عائشة.
[ ٨٠ ]
بالنبي - ﷺ -، فظن أنه قد نجح، فإذا به قد عثرت فرسه فخر عنها، فنهض وأقام فرسه، ومضى، والنبي - ﷺ - يمضي وهو يتلو القرآن الكريم يطلب من الله الخير، فإذا بأصحابه يخبرونه بإدراك عدوهم إياهم، فيقول النبي - ﷺ -: "اللهم فقنا شره" ولم تكد كلماته المباركة تخرج من فمه حتى ساخت يدا فرس سراقة في الأرض، فخر عنها سراقة، وعلم أن الرعاية الإلهية لنبيه غالبة لا محالة، فطلب الأمان فأمنه رسول الله - ﷺ -، وتقدم سراقة وقال إني أمنع منك كل طالب يطلبك، وقام عامر بن فهيرة بناء على طلبه وعلى أمر رسول الله - ﷺ - فكتب له خطاب الأمان (١).
وبعد الخروج من الغار مر هذا الركب المبارك في أول يوم بخيمة أم معبد وهي امرأة من خزاعة، اشتهرت بكرمها وحفاوتها بالمسافرين تطعمهم وتسقيهم، وكان المسافرون يستريحون عندها.
وصل الركب عندها فسألها النبي - ﷺ - هل عندها شيء من طعام، فقالت، لا، لو كان عندي شيء لأحضرته لكم.