وفي تلك الأيام قدم إلى مكة أبو الحيسر أنس بن رافع وكان برفقته بعض شباب بني عبد الأشهل، ومن بينهم إياس بن معاذ، جاءوا يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم النبي - ﷺ - وقال لهم:
_________________
(١) صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين (رقم ٧٩٥).
(٢) انظر الطبري ٢/ ٢٣٢.
[ ٦٣ ]
"هل لكم رغبة في شيء يكون فيه خيركم" قالوا: "وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به، أنزل الله علي الكتاب).
ثم أوضح لهم أصول الإسلام وتلا عليهم القرآن الكريم، فقال إياس بن معاذ وكان لا يزال شابا صغيرا: "يا قومي! هذا والله خير مما جئتم له".
عندئذ أخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من التراب فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: "اسكت، ما جئنا لهذا"، فنهض رسول الله - ﷺ - وانصرف. كان هذا قبل حرب بعاث بين الأوس والخزرج، ورجع إياس ومات بعدها بعدة أيام. وعند موته ظل يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه. فقد غرست في قلبه بذرة الإسلام حين سمع كلام رسول الله - ﷺ - (١) وأثمرت حين مات.
وفي تلك الأيام أيضا قدم مكة ضماد وكان من أهل اليمن، واشتهر بين العرب برقياه لمن مسه الجن، فسمع أن محمدا - ﷺ - به أثر من جن، فقال لقريش: يمكنني أن أعالج محمدا، فحضر إلى النبي - ﷺ - وقال: يا محمد، سمعت أن بك مس، فقال له النبي - ﷺ - اسمعني أولا:
"الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد .. "
وحين سمع ضماد ما قاله النبي - ﷺ - انطلق قائلا أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادها عليه رسول الله - ﷺ - مرتين أو ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة والسحرة والشعراء، فما سمعت مثل هذه الكلمات، ولقد بلغن ناعوس البحر، يا محمد، هات يدك أبايعك على الإسلام" (٢).