في تلك الأيام أثرت مثل هذه الأعمال الصالحة على قلوب الناس حتى إنهم لم يكونوا ينادونه باسمه بل كانوا ينادونه بـ "الصادق" أو "الأمن".
وكان عمر النبي - ﷺ - خمسة وثلاثون سنة حين جددت قريش عمارة الكعبة (التي تصدعت جدرانها من أثر السيل) (٢).
وبينما كان الجميع مشغولون في إعادة إعمار الكعبة حدث خلاف يتعلق بوضع الحجر الأسود (٣)، فكان كل واحد يرغب في أن يتم ذلك على يديه، واستمر هذا
_________________
(١) صدر في إنجلترا قرار نايتهد الذي أقر أعضاؤه بمثل قرارات الحلف المذكور وكان ذلك بعد هذا الحلف بعدة قرون.
(٢) أول بناء للكعبة كان على يد إبراهيم ﵇ مع ابنه إسماعيل ﵇، وقام بتجديد عمارتها بنو جرهم، وبنو العمالقة وقصي وقريش، وكان ذلك يتم نظرا للتقادم أو تأثير السيل أو غير ذلك، ولم يحدث أن استولى على الكعبة أجنبي وهدمها وذلك لمدة خمسة آلاف سنة مثلما حدث لهيكل أورشليم وهذا شرف لم ينله أي معبد في الدنيا.
(٣) كان من عادة إبراهيم ﵇ وأولاده أن يضعوا حجرا طويلا قائما على هيئة عمود، في المكان الذي يجعلونه للعبادة، مثلما يضع المسلمون اليوم وقت الصلاة في مكان واسع قصبة يقال لها سترة - وهذا ثابت من كتاب التكوين (١٢/ ٧ - ٨) (١٣/ ١٨)، (٢٦/ ٢٥)، (٢٨/ ١٨ - ١٩ - ٢٣) وكتاب الخروج (٢٥/ ٢٤ - ٤) =
[ ٣٧ ]
الخلاف لأربعة أيام، وفي النهاية اقترح أبو أمية بن المغيرة، وكان أكبر قريش سنا أن يرتضوا شخصا يحكمونه بينهم واتفقوا على أن يحكموا أول من يدخل الحرم، واتفق أن دخل النبي - ﷺ -، فرأوه وصاحوا: هذا الأمين (١) رضيناه.
_________________
(١) = والحجر الأسود نوع من هذا الحجر، وهو شهادة على أن الكعبة على بناء إبراهيم ﵇، ووضعه في ركن الكعبة الآن يستفاد منه في معرفة بداية الطواف ونهايته، ومنزلته عند المسلمين تفهم من اسمه (الحجر الأسود) ومرة قال عمر بن الخطاب مخاطبا الحجر ليسمع الناس: إنك حجر لا يمكن أن تنفع أو تضر - انظر ما ورد في صحيح البخاري باب ما ذكر في الحجر الأسود.
(٢) ذكرنا قبلا أن العرب كانت تلقب النبي - ﷺ - قبل النبوة بالصادق والأمين، وهكذا دعوه في هذه المناسبة بالأمين وتثبت صحف الأنبياء السابقين هذا - في نهاية الكتاب المقدس وفي سفر رؤيا (مكاشفات) يوحنا، جاء في بدايته الدرس التالي: "رؤيا يسوع المسيح التي أعطاها الله إياه حتى يري عباده الأمور التي تقع قريبا" وهذا يدل على أن هذه الرؤيا تذكر الأمور التي تحدث في العالم بعد يوحنا، ويذكر أيضا أن القس يوحنا كان من حواري المسيح وقد رأى هذه الرؤيا بعد رفع المسيح من هذه الدنيا. يقول يوحنا: "ثم رأيت السماء مفتوحة، وانظروا: (أ) فرسا فضيا وراكبه. (ب) يسمى الأمين الصادق (ج) يعدل بصدق (د) ويقاتل (هـ) عيناه مثل شعلة من نار (و) على رأسه أكاليل كثيرة (ز) وله اسم مكتوب لم يعلمه أحد غيره (ح) لبس ملابس ملطخة بالدم (ط) اسمه كلام الله (ي) والجنود التي في السماء ركبت الفرس الفضي وكانت ترتدي الملابس الكتانية البيضاء النظيفة (ك) يخرج من فمه سيف قاطع يضرب به الأمم. (ل) يحكمهم بعصا حديدية وأنه بنفسه قلق مكتئب داخل غضب الله وسخطه (م) مكتوب على فخذه وعلى ردائه هذا الاسم: ملك الملوك وإله الآلهة [الرؤيا باب ١٩]. وأود الآن أن أشرح هذا باختصار شديد: (أ) ورد ذكر الفرس الفضي وراكبه في "الرؤيا ٦/ ٢" أيضا بالألفاظ التالية: "انظروا الفرس الفضي وكان راكبه يحمل قوسا وأعطى إكليلا، وقد خرج فاتحا وهو منتصر". ويتبن من ل [رؤيا ١٩/ ١١] إماراته أنه راكب الفرس الفضي [ومن رؤيا ٦/ ٢] وأنه يحمل القوس ويفتح البلاد. وهذه العلامات تصدق على النبي - ﷺ -
(٣) فقد كان من بين ما ركب - ﷺ - فرس فضي يسمى "بحرا" انظر سفر السعادة.
(٤) وكان - ﷺ - يمسك بيده قوسا، وكان كثيرا ما يمسكه في يده وهو يخطب، وقد ورد في الحديث أنه أمر المسلمين بالرمي بالقوس فقال: "ارموا فإن أباكم [أي إسماعيل] كان راميا =
[ ٣٨ ]
_________________
(١) = ٣ - أثبت القرآن الكريم أيضا النصر المبين للنبي - ﷺ -، وأعظم الفتوح أنه - ﷺ - لم يرحل عن هذه الدنيا إلا بعد أن بلغ الرسالة التي بعث من أجلها على أكمل وجه وحين نرى أن موسى كليم الله رحل عن الدنيا قبل أن يصل أمته إلى أرض الميعاد، وأن المسيح روح الله رحل عن الدنيا قبل أن يبلغ الكثير من الأمور، وأن النبي - ﷺ - رحل عن الدنيا بعد أن أكمل رسالته، لم يعد هناك أدنى شك في أن النبي - ﷺ - كان هو الفاتح صاحب الفتح المبين. ب - يقال له الصادق الأمين، أي أن الناس ينادونه بهذا الاسم - وكان هذا هو شأن النبي - ﷺ -. ج - يعدل بالحق - ورد في يسعياه باب ١١ أيضا أنه سوف ينصف المساكين بصدق. وينتصف للمستضعفين في الأرض، ويبين تكرار يوحنا لذلك أن هذا سيكون بعد زمان المسيح، ورد في القرآن الكريم: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾. وتصرف النبي - ﷺ - بذكائه وتفهمه للأمور فأرضى الجميع بتصرفه الحكيم، إذ بسط رداءه ووضع عليه الحجر وطلب من رئيس كل قبيلة أن يقبض على طرف ردائه، ولما انتهوا إلى موضع الحجر، رفعه رسول الله - ﷺ - ووضعه في ركن الكعبة حيث يكون بدء الطواف حولها -. هـ - "عيناه مثل شعلة من نار" ما ورد من كتابات في صفات الرسول ورد فيها جميعا صفة الحمرة في عيني الرسول - ﷺ -، وقد كان الأمر كذلك فقد كانت هناك خطوط حمراء حول إنسان عينه - ﷺ -. و- "على رأسه أكاليل كثيرة " انظروا إلى جماعة الأنبياء: بينهم واعظ كسليمان ومبشر كعيسى، ومنذر كنوح ومنقذ كموسى ومناظر كإبراهيم، ومجاهد كداود، ولكن انظروا: هذه الصفات كلها قد اجتمعت في ذات النبي - ﷺ -، ولهذا يقول ﵎: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ وهذا هو معنى على رأسه أكاليل كثيرة أي أنه نبي جامع للصفات التي سبق ذكرها. ز - "له اسم مكتوب لا يعلمه أحد سواه" لم يسبق لأحد أن سمي قبل النبي - ﷺ - باسمه المبارك "أحمد ومحمد" ولكن عشرات من الناس قد سموا بالمسيح ويسوع قبل عيسى. ح - " لبس الملابس الملطخة بالدم" حين ذهب النبي - ﷺ - لتبليغ الدعوة في الطائف، ألقوا عليه الحجارة فسال دمه المبارك وتبلل لباسه بالدم وغطى جسده المبارك وتجمد الدم حتى تعذر عليه خلع نعليه للوضوء، ولما كان النبي - ﷺ - وحيدا في ذلك السفر، فإن ما ورد في يسعياه ٦٣/ ١، ٢، ٣ يصدق عليه - ﷺ -. ط - "كلام الله" بين موسى ﵇ في موعظته الأخيرة (سفر ٥ باب ٣) أيضا وبين عيسى ﵇ في موعظته الأخيرة (يوحنا ١٣/ ١٦) علامة رسول الله - ﷺ - هذه، كما بينها أيضا يوحنا الحواري فيفهم أن هذه العلامة أي "كلام الله" لم تكن قد تحققت حتى دنت رؤيا يوحنا، وهكذا فالعلامة هنا هي القرآن الكريم الذي قال عنه رب العزة: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. ي - "جنود السماء" ورد في القرآن الكريم أيضا وجود الملائكة والقوى الملكوتية مع النبي - ﷺ -: =
[ ٣٩ ]
وتصرف النبي - ﷺ - بذكائه وتفهمه للأمور فأرضى الجميع بتصرفه الحكيم، إذ بسط رداءه ووضع عليه الحجر وطلب من رئيس كل قبيلة أن يقبض على طرف ردائه، ولما انتهوا إلى موضع الحجر، رفعه رسول الله - ﷺ - ووضعه في ركن الكعبة حيث يكون بدء الطواف حولها -.
وهكذا قضى النبي - ﷺ - بتصرفه الحكيم والبسيط على حرب دامية، فقد كان العرب في تلك الأيام يتقاتلون على أتفه الأسباب كسقي الإبل، وسباق الفرس، وتفضيل قوم على قوم في الشعر، وقد لا تنتهي مثل هذه الحروب طوال عشرات السنن.