في السابع والعشرين من شهر رجب من السنة العاشرة من البعثة أسرى الله تعالى بالنبي - ﷺ - وأراه ملكوت السماوات والأرض، فذهب أولا من المسجد الحرام إلى بيت المقدس وهناك صلى بالأنبياء إماما ثم عرج به إلى السماوات والتقى بالأنبياء كل في مقامه
_________________
(١) الطبري ٢/ ٢٣٤.
(٢) صحيح مسلم (رقم ٨٦٨).
[ ٦٤ ]
إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى والبيت المعمور، ثم نال شرف القرب من الحضرة الإلهية فأوحى الله إلى عبده ما أوحى (١).
كتب شاه ولي الله في كتابه حجة الله البالغة: (٢)
وأسرى به إلى المسجد الأقصى ثم إلى سدرة المنتهى وإلى ما شاء الله، وكل ذلك بجسده - ﷺ - في اليقظة، ولكن ذلك كان في موطن هو برزخ بين المثال والشهادة جامع لأحكامهما، فظهر على الجسد أحكام الروح، وتمثل الروح والمعاني الروحية أجسادا ولذلك فإن كل واقعة من تلك الوقائع تعبير.
١ - أما شق الصدر وملؤه إيمانا فحقيقته غلبة أنوار المليكة وانطفاء لهب الطبيعة وخضوعها لما يفيض عليها من حظيرة القدس.
٢ - وأما ركوبه على البراق فحقيقته استواء نفسه النطفية على السمة التي هي الكمال الحيواني، فاستوى راكبا على البراق كما غلبت أحكام نفسه النطفية على البهيمية وتسلطت عليها.
٣ - وأما إسراؤه إلى المسجد الأقصى فلأنه محل ظهور شعائر الله ومتعلق همم الملإ الأعلى ومطمح أنظار الأنبياء ﵈ فكأنه كوة إلى الملكوت.
٤ - وأما ملاقاته مع الأنبياء صلوات الله عليهم ومفاخرته معهم فحقيقتها اجتماعهم من حيث ارتباطهم بحظيرة القدس وظهور ما اختص به من بينهم من وجوه الكمال.
_________________
(١) كتب العلامة ابن القيم "روى عن عائشة ﵂ ومعاوية والإمام حسن البصري أن الإسراء كان بروحه المباركة، وأن جسده لم يفارق مكانه، ويقول العلامة سابق الذكر أنه بين الإسراء بالروح وبين المنام فرق كبير فالمراد بالإسراء الروحي أن الروح المباركة قد عرج بها إلى المقامات التي ذكرت، وذلك لا يكون في المنام وهذه منزلة أتم وأكمل وأشرف وأعلى وجمهور العلماء على أن الإسراء كان بالجسد والروح (زاد المعاد [ص:٣٠٠]) ومن الواضح إن إنكار العروج بالجسد إنما هو نتيجة للفلسفة المعاصرة الجافة، ذلك لأن القادر المطلق الذي أمسك الأجرام السماوية الثقيلة في الفضاء قادر على أن يعرج بجسم الإنسان الصغير إلى الفضاء واليوم تطير الطائرات بالإنسان بقوة النايتروجن، فكيف يستبعد أن يعرج الله نبيه الكريم ليريه ملكوت السماوات والأرض بالبراق (وهو مشتق من البرق وفيه إشارة إلى قوة الكهرباء) وأنا أعتقد أن المعراج كان بالجسد وفي حالة اليقظة (المؤلف).
(٢) حجة الله البالغة ([ص:٣٨٧]).
[ ٦٥ ]
٥ - وأما رقيه إلى السماوات سماء بعد سماء فحقيقته الانسلاخ إلى مستوى الرحمن منزلة لعد منزلة، ومعرفة حال الملائكة الموكلة بها ومن لحق بهم من أفاضل البشر والتدبير الذي أوحاه الله فيها والاختصام الذي يحصل في ملأها.
٦ - وأما بكاء موسى فليس بجسد ولكن مثال لفقده عموم الدعوة وبقاء كمال لم يحصل مما هو في وجهه.
٧ - وأما سدرة المنتهى فشجرة الكون وترتب بعضها على بعض وانجماعها في تدبير واحد، كانجماع الشجر في الغاذية والنامية ونحوهما، ولم تتمثل حيوانا لأن التدبير الجملي الاجمالي الشبيه للسياسة الكلي أفراده ()، وإنما أشبه الأشياء به الشجرة دون الحيوان فإن الحيوان قوى تفصيلية والإرادة فيه أصرح من سنن الطبيعة.
٨ - وأما الأنهار في أصلها رحمة فائضة في الملكوت حذو الشهادة وحياة وإنماء فلذلك تعين هنالك بعض الأمور النافعة في الشهادة كالنيل والفرات.
٩ - وأما الأنوار التي غشيتها فتدليات إلهية وتدبيرات رحمانية تلعلعت في الشهادة حيثما استعدت لها.
١٠ - وأما البيت المعمور فحقيقته التجلي الإلهي الذي يتوجه إليه سجدات البشر وتضرعاتها يتمثل بيتا على حذو ما عندهم في الكعبة وبيت المقدس.
١١ - ثم أتى بإناء من لبن وإناء من خمر فاختار اللبن، فقال جبريل هديت للفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك. فكان هو - ﷺ - جامع أمته ومنشأ ظهورهم، وكأن اللبن اختيارهم الفطرة والخمر اختيارهم لذات الدنيا.
١٢ - وأمر بخمس صلوات بلسان التجوز، لأنها خمسون باعتبار الثواب ثم أوضح الله مراده تدريجا ليعلم أن الحرج مرفوع وأن النعمة كاملة، وتمثل هذا المعنى مستندا إلى موسى ﵇. فإنه أكثر الأنبياء معالجة للأمة ومعرفة بسياستها (١).
_________________
(١) (*) أي مشابه للسياسة الكلية وهو أيضا مفرد.
(٢) ذكر أكثر المؤلفين أن المعراج كان بعد العودة من الطائف، ولكن الإمام الطبري كتب في كتابه "تاريخ الأمم والملوك" أن المعراج وقع في اليوم الثاني بعد البعثة ويؤيده بدليل قوي وهو أن الصلاة فرضت ليلة المعراج وصل النبي - ﷺ - والمسلمون منذ ذلك الوقت، فكيف يمكن أن يكون الحكم بفرضية الصلاة قد تأخر إحدى عشرة سنة، ولكن لو صح ما قاله "شاه عبد الحق محدث الدهلوي" =
[ ٦٦ ]