حين رأى الكفار أن النبي - ﷺ - ثابت على دعوته، وأن نشاطه مستمر بشجاعة لا نظير لها وعزيمة لا تلين، اتفقوا في السنة السابعة من البعثة النبوية على أن يقاطعوا بني هاشم قبيلة النبي - ﷺ - رغم أنها لم تسلم، ولم تساند النبي - ﷺ - على ألا يناكحوهم ولا يبيعوهم ولا يشتروا منهم شيئا (٣).
وعقدت معاهدة بذلك وعلقت على الكعبة.
وبقى النبي - ﷺ - وعشيرته محاصرين محبوسين في الشعب وقطعت عنهم قريش إمدادات الغذاء، ووصل الجوع بأطفال بني هاشم لدرجة أن صوت بكائهم سمع من وراء الشعب (٤).
_________________
(١) أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد.
(٢) صدر سورة طه.
(٣) زاد المعاد. المجلد الأول [ص:٢٩٩].
(٤) زاد المعاد. المجلد الأول [ص:٢٩٩].
[ ٥٩ ]
عاش النبي - ﷺ - وعشيرته هكذا لثلاث سنوات وظل من أسلم محبوسا في بيته، وفي موسم الحج حين كاد الكفار يحرمون القتال، كان النبي - ﷺ - يخرج من الشعب يدعو الناس إلى الإيمان بالله، وكان الشقي التعس أبو لهب يمضي خلف النبي - ﷺ - ويقول: أيها الناس، هذا مجنون لا تسمعوا لحديثه، ومن يسمع له ويصدقه يهلك.
وتحمل النبي - ﷺ - هذه الشدة بصبر لا ينفذ لثلاث سنوات، وحين أنزلت قريش الصحيفة التي كتبت فيها المعاهدة سابقة الذكر وجدوا الأرضة قد أتت عليها - إلا ذكر الله ﷿ - وبعدها خرج النبي - ﷺ - من الشعب وبدأ يباشر دعوته.
وذات يوم دخل النبي - ﷺ - المسجد الحرام حيث كان يجلس رؤساء المشركين، فلما رأى أبو جهل النبي - ﷺ - قال ساخرا "ها هو نبيكم قد جاء يا بني عبد مناف".
قال عتبة بن ربيعة: وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك؟
فسمع النبي - ﷺ - بذلك فأتاهم، وخاطب في البداية عقبة فقال:
"عقبة! ما حميت لله ورسوله، ولكن حميت لأنفك".
ثم قال لأبي جهل:
"والله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا"
ثم قال لقريش: "والله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون" (١).
وسوف يرى القراء كيف تحقق قول الرسول - ﷺ -.