•---------------------------------•
سيدنا محمد (١) بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي نبينا، سماه جده محمدا، وسمته أمه أحمد (٢)، ببشارة ملك في المنام (٣).
والنبي - ﷺ - من أولاد إبراهيم (٤) (خليل الرحمن وأبي الأنبياء ﵇)، وهم من بطن السيدة هاجرة، بنت "رقيون" ملك مصر، وكانت لها مكانة عند الله حتى إن ملائكة الله كانت تأتيها، وكانت تبلغها رسالات الله (٥). واسم ولد هاجر إسماعيل وهو الابن الأول لإبراهيم ﵇ وكان قد أسكنه في الوادي الذي تقع فيه مكة المكرمة الآن، وقد فجر الله تعالى لإسماعيل بئر زمزم (٦).
وهب الله إسماعيل اثنا عشر ولدا، اشتهر من بينهم ولده "قيدار"، وقد كثر ذكره
_________________
(١) لفظ محمد اسم مفعول من حمد والمضاعف للمبالغة وأحمد أيضا من حمد، وهو واقع على المفعول، ويظهر من اسم محمد كثرة الحمد وكميته ومن اسم أحمد صفة الحمد وكيفيته، يقول حسان ابن ثابت: وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ويفهم أن للنبي - ﷺ - نسبة خاصة بالحمد، فاسمه محمد وأحمد واسم مقام شفاعته محمود واسم الأمة المحمدية (الحمادون) واسم لوائه - ﷺ - لواء محمد - والحمد لله على ذلك حمدا كثيرا.
(٢) ورد في الحديث: "اسمي في الأرض محمد وفي السماء أحمد" وقد ورد اسمه المبارك في التوراة "محمد" وفي الانجيل "أحمد".
(٣) بشر الملك السيدة آمنة ببشارة التسمية، كما سمت السيدة هاجرة ابنها إسماعيل ببشارة ملك (سفر التكوين ١٦/ ١١) وسمت مريم ابنها يسوع (إنجيل لوقا ١/ ٣٠).
(٤) كان اسم إبراهيم في البداية "ابرام" فسماه الله إبراهيم، ومعناه أبو الأمم (سفر التكوين ١٧/ ٥) ومن ولده بنو إسماعيل وبنو إسرائيل وبنو عيصو وبنو قيطورة، وعلى القساوسة الذين يذكرون اسم بني إسرائيل أن يفكروا كيف يمكنهم أن يثبتوا قولهم بأن إبراهيم أبو الأمم.
(٥) سفر التكوين ٧ حتى ١١/ ١٦ و١٧/ ٢١.
(٦) سفر زبور (٨٤/ ٤ / ٦) والتكوين ١٩/ ٢، وصحيح البخاري برواية ابن عباس (٦/ ٣٩٦).
[ ٣٣ ]
في التوراة (١) واشتهر عدنان من بين أبناء قيدار، كما اشتهر قصي من بين أبناء عدنان وقصي هو الجد الرابع للنبي - ﷺ -.
وأم النبي - ﷺ - هي آمنة بنت وهب رئيس قبيلة بني زهرة ونسبه يتصل بفهر الملقب بقريش، وهكذا كان النبي - ﷺ - من خير بطون العرب ومن أحسن قبائلهم وفروعهم من جهة أبيه وأمه.
ولد نبينا - ﷺ - في فصل الربيع (٢) يوم الاثنين (٣) في التاسع من ربيع الأول (٤) السنة الأولى من عام الفيل (٥) الموافق للثاني والعشرين من أبريل (٦) سنة ٥٧١ م والأول من جيته سنة ٦٢٨ بكرمى وذلك في مكة المكرمة بعد الفجر الصادق (٧) وقبل شروق الشمس. وكان - ﷺ - وحيد أبويه (٨) وقد توفي والده قبل ولادته.
عاش عبد المطلب جد النبي - ﷺ - حياة اليتم، وهكذا سمع خبر مولد من يذكره بابنه عبد الله الذي توفي عن ٢٤ سنة، فقدم إلى البيت وحمل المولود إلى الكعبة ودعا له ثم رجع به، وفي اليوم السابع قدم قربانا ودعا قريش كلهم، وبعد الوليمة سألوه عن اسم
_________________
(١) يسعياه ١٦/ ١، زبور ٥/ ١٢٠، يسعياه ٧/ ٦٠ ويرمياه ٢٨/ ٤٩ وغيرهم.
(٢) ولد يحيى وداود ﵉ في فصل الربيع أيضا.
(٣) يوم الاثنين له خصوصية في حياة الرسول، ففيه ولد، وفيه بعث، وفيه هاجر، وفيه توفي، وهذا يساعد في تصحيح مختلف التواريخ.
(٤) اختلف المؤرخون في تاريخ ولادته، فذكر الطبري وابن خلدون أنه ولد يوم الثاني عشر من ربيع الأول، وذكر أبو الفداء أنه ولد في العاشر منه. ولكنهم جميعا اتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين، ولما كان الاثنين لا يوافق إلا التاسع من ربيع الأول، فيرجح أنه يكون مولده في التاسع، وقد رجح هذا التاريخ محمد طلعت بك عرب في كتابه " تاريخ دول العرب والإسلام ".
(٥) أي بعد حادث عام الفيل بخمسة وخمسين يوما.
(٦) هذا طبقا لقاعدة التقويم الإفرنجي، وطبقا لحساب التقويم الإنجليزي القديم يوافق سبتمبر سنة ١٧٥٢. ولكن طبقا للقاعدة القديمة فإن ٩ ربيع الثاني يوافق ٢٢ أبريل بالتقويم الأفرنجي. ويجعل التقويم الإفرنجي يوم ١٩ أبريل هو يوم ٢٢ أابريل سنة ٥٧١ م طبقا للحساب القديم.
(٧) حين ولد رسول الله - ﷺ - كان طلوع الصبح الصادق على مكة في ثمام الساعة الرابعة وعشرين دقيقة (بحساب الظل) وكانت الشمس يوم ذاك في برج الحمل (٣١ درجة: ٢٠ دقيقة) ومضى على أول جيته (عام ٦٢٨ بكرمية) ١٣ ساعة و١٦ دقيقة.
(٨) جاء في يسعياه (٩/ ٦) أنه قد وهبنا ابنا، وهذه بشارة في حق النبي - ﷺ - لا في حق المسيح لأنه يظهر من إنجيل متى أن المسيح كان له أخوة وأخوات، فلم يكن وحيد مريم.
[ ٣٤ ]
المولود، فقال عبد المطلب: "محمد" فسألوه متعجبين: لم تركت جميع أسماء أسرتك المألوفة وفضلت هذا الاسم؟ فقال: أريد أن يكون ابني جديرا بثناء الدنيا كلها (١).
وكان من عادة أشراف مكة أن يرسلوا أطفالهم إذا ما بلغوا ثمانية أيام إلى مرضعات في مكان يتوفر فيه الجو النقي والهواء العليل، واتباعا لهذه العادة أودع محمد - ﷺ - لدى حليمة السعدية، وكان يؤتى به بعد كل ستة أشهر لتراه أمه وأقاربه، وبعد عامين كان فطامه، فحملته حليمة إلى أمه آمنة ﵂، ولكن آمنة ﵂ سلمته ثانية إلى حليمة معتقدة أن جو البادية أنسب لطفلها من جو مكة.
وحين بلغ الرسول - ﷺ - الرابعة من عمره، أخذته أمه إلى حضنها، وحين بلغ السادسة انتقلت أمه إلى الرفيق الأعلى، فكفله جده (٢).
وحين بلغ الرسول - ﷺ - ثمانية أعوام وعشرة أيام توفي عنه جده عبد المطلب، عن عمر يناهز الثانية والثمانين فكفله عمه أبو طالب، شقيق والده عبد الله، وتذكر معظم الكتب (٣) أن النبي - ﷺ - سافر إلى الشام مع عمه أبي طالب حين كان في الثانية عشرة من عمره، وكان عمه يذهب إلى الشام للتجارة، وفي بصرى تعرف بحيرى الراهب (٤) على رسول الله - ﷺ - وعرف أنه النبي الموعود، فقال لعمه: لا تذهب به إلى بلاد اليهود لئلا يعرفوه فيؤذوه، فعاد به العم الشفيق من بصرى؟
ومما جاء في حديث الترمذي عن هذا الأمر أن أبا طالب بعث معه بلال في أثناء عودته، ويقول ابن القيم: هذا خطأ واضح، لأن بلالا ﵁ لم يكن آنذاك عند أبي طالب، ولا عند أبي بكر، بل يمكن ألا يكون موجودا في تلك الأيام (٥).
ويثبت من الآية الكريمة:
_________________
(١) أبو الفداء [ص:١١٠]، وانظر أيضا يسعياه (٩/ ٦)، كانت تسميته بهذا الاسم عجبا.
(٢) نقلا عن خطبات أحمدية، لمؤلفه سيد أحمد خان (م هـ ١٣١ هـ) وزاد المعاد.
(٣) زاد المعاد، للعلامة ابن القيم م ٢٣ رجب ٧٥١ هـ.
(٤) وقد كثر تعليق القساوسة على قصة لقاء بحيرى النصراني فقالوا إن ما قاله النبي - ﷺ - بعد أربعين عاما كان من تأثير تعاليم هذا الراهب وأقول: لو أن ما قاله النبي - ﷺ - عن بطلان نظرية التثليث والكفارة والصلب من تأثير هذا الراهب فلماذا لا يقبل النصارى اليوم تعاليم كبيرهم هذا؟ المؤلف.
(٥) زاد المعاد لابن القيم [ص:١٧].
[ ٣٥ ]
﴿وكانوا من قبل يسفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ (البقرة: ٨٩).
إن اليهود كانوا في انتظار الرسول الموعود، وكانوا يعتقدون أنهم سينتصرون على الكفار بعد مجيئه، وظل هذا الاعتقاد سائدا حتى بعثة الرسول، وثبت أيضا من هذه الآية خطأ قول بحيرى الراهب، لأن اليهود لو عرفوا النبي - ﷺ - في صباه لاحترموه وقدروه فهو طبقا لاعتقادهم بشير انتصارهم وفوزهم، ومن هنا يفهم أن حكاية الراهب حكاية غير موثوق بها.