رغم فقد الرسول لنصرة عمه أبي طالب، ورغم فقدان الرسول لخديجة ﵂ زوجته التي شاركته مصائبه ومتاعبه، رغم هذا بدأ النبي - ﷺ - في الدعوة إلى الله بحماس أكبر ونشاط أعظم، وهكذا حج نبي الله بعد أيام قليلة من مكة واتجه للدعوة في خارج مكة، وكان معه في سفره هذا زيد بن حارثة ﵁، عرض النبي - ﷺ - الدعوة على القبائل التي كانت تسكن بين مكة والطائف، ووصل إلى الطائف راجلا يدعو إلي التوحيد. وكانت تسكنها بنو ثقيف وقد حملها خصوبة أراضيها وبرد روابيها على الغرور الذي فاق الحد، التقى النبي - ﷺ - بقادتها وكانوا ثلاثة أخوة هم عبد ياليل، ومسعود وحبيب، ودعاهم إلى الإسلام.
فقال أحدهم: إني أمرط أمام الكعبة إن كان الله أرسلك.
وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك، لا يجد حتى دابة يركبها. إن كان الله مرسل رسولا، أرسله من بين الحكام أو الرؤساء.
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا. فلئن كنت رسول الله كما تقول فمن الخطر أن أرد كلامك ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك.
فقال النبي - ﷺ -: لا أريد منكم سوى أن تكتموا ما لديكم حتى لا يبلغ بقية القوم فيكون سببا في زللهم.
واستمر النبي - ﷺ - في الدعوة إلى الإسلام، وأبلغ هؤلاء عبيدهم وسفهاءهم بما دار بينهم، فراح هؤلاء يلقون الحجارة على النبي - ﷺ - حتى سالت الدماء وتجمدت في خفه حتى صعب عليه خلعه من قدميه للوضوء.
ومرة اجتمع عليه السفهاء والأوباش يسبونه ويصيحون به حتى التجأ نبي الله - ﷺ - إلى حائط لعتبة وشيبة بن ربيعة، ورأوه على هذا الحال فأمرا غلاما لهما يدعى عداس أن
[ ٦١ ]
يحمل طبقا به عنب إلى رسول الله، فوضع الغلام العنب أمام النبي - ﷺ -، فمد النبي يده إلى العنب وهو يقول: "بسم الله" ثم أكل.
فنظر عداس (وكان نصرانيا) إلى النبي - ﷺ - وهو في حيرة ثم قال: "هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلدة - فقال النبي - ﷺ -: "من أي بلاد أنت وما دينك؟ " فقال عداس: "أنا نصراني من سكان نينوى" فقال النبي - ﷺ -: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ " - فقال عداس: "وما يدريك عن يونس بن متى؟ - قال النبي - ﷺ -: "ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبي" فانتفض عداس وراح يقبل رأسه ويديه ورجليه، فرأى عقبة بن شيبة غلامه من بعيد يفعل ما يفعله فقال لأخيه: "لقد فسد الغلام" وحين رجع إليهما عداس، قالا له: ماذا أصابك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟
قال عداس: يا سيدي لا يوجد على وجه الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي" - فقالا: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه" (١).
وقد واجه الرسول - ﷺ - ضربات في هذه المنطقة وهو يعظ الناس حتى أنه أغمي عليه وسقط على الأرض فحمله زيد على ظهره، وذهب به خارج العمران، فأفاق - ﷺ - بعد أن نضح عليه الماء.
ومع ما كابده الرسول - ﷺ - في هذا السفر من أذى وألم، فقد كان ما آلمه أكثر هو ألا يسلم أحد ممن دعاهم، ولكن قلب النبي - ﷺ - كان مملوءا بحب الله وعظمته، فدعا الله بالكلمات التالية:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد (٢) يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» (٣).
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري مجلد ٢ [ص:٢٢٩].
(٢) الطبري ٢/ ٢٣٠. هكذا ذكر الطبري كلمة بعيد ومعناها غريب وذكر ابن هشام وابن الأثير لفظ محمد ولعلها تعني صديق.
(٣) نفس المصدر.
[ ٦٢ ]
وقال النبي - ﷺ - وهو عائد من الطائف: "لماذا أدعو هؤلاء الناس، ماذا لو لم يؤمنوا بالله؟ وإني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله الواحد".