كان ملك الحبشة نصرانيا، ذهب إليه كفار مكة محملين بالهدايا وطلبوا منه أن يسلمهم "المسلمين" الذين فروا من ديارهم، فأحضر المسلمون إلى البلاط، وقام جعفر طيار ابن عم النبي - ﷺ - فألقى خطبة في بلاط الملك قائلا:
"أيها الملك! كنا قد ابتلينا بالجاهلية، نعبد الأصنام، نغط في النجاسة، ونأكل
_________________
(١) زاد المعاد، المجلد الأول [ص:٢٤].
(٢) رواه الحاكم.
[ ٥٣ ]
الميتة، نأتي الفواحش، نقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، لم يكن عندنا قانون ولا نظام، فكنا على ذلك حتى بعث الله فينا رسولا منا، نعرف جيدا حسبه ونسبه وصدقه وأمانته، وتقواه وعفافه، فدعانا إلى التوحيد، وأفهمنا ألا نشرك بالله الواحد الأحد، ومنعنا من عبادة الأحجار والأوثان، وأمرنا أن نصدق الحديث، وأن نفي بالوعد، ونبتعد عن المعاصي، ونهانا عن الفواحش، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصوم، فعادانا قومنا لما نحن عليه، وراحوا يعذبوننا بكل ما استطاعوا ليردونا عن عبادة الله وحده لا شريك له إلى عبادة الأوثان، وذقنا على أيديهم الأذى والظلم، وحين أردنا الهجرة اخترنا أن نهاجر إلى بلدك" (١).
فقال النجاشي بعد أن سمع الخطبة: أسمعني القرآن، فأسمعه جعفر ﵁ سورة مريم، فتأثر النجاشي وبكى، وقال: "محمد هو الرسول الذي أخبر به يسوع المسيح، الحمد لله على أنني عاصرت زمان هذا الرسول" وأمر النجاشي بإخراج كفار مكة من البلاط -.
ولما رأى كفار مكة أن الذهاب حتى إلى الحبشة لم يعد عليهم بفائدة. قالوا: تعالوا نغري محمدا أولا وبعدها نهدده فسوف يوافقنا بشكل ما.
بعد هذه المشورة قدم أحد رؤساء مكة من الأغنياء الموسرين ويدعى عتبة بن ربيعة إلى النبي - ﷺ -، وقال له:
"يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا وثروة، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا، جعلناك ملكا على العرب أجمعين، نحن على استعداد أن نلبي لك كل ما تريد على أن تترك هذا الطريق، وإن كان بعقلك مس، فأخبرنا حتى نطلب علاجك".
قال النبي - ﷺ -: "ما قلته عني ليس فيه شيء من الصواب، لاحاجة لي بالمال أو الشرف أو الثروة أو الملك، وليس بعقلي مس، ويمكنك أن تعرف حقيقة دعوتي من آيات القرآن الكريم التالية: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون
_________________
(١) انظر النص في سيرة ابن هشام ج ١ [ص:١١٦].
[ ٥٤ ]
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾ (فصلت ١ - ٨).
وطرأ على عتبة ذهول وشغف من سماعه لآيات الذكر الحكيم، فألقى بيديه خلف ظهره مستندا عليهما وهو يسمع، وفي النهاية نهض لا ينطق بشيء ومضى إلى قريش التي كانت تنتظر بشوق متلهفة لمعرفة نتيجة اللقاء، والتف الجميع حول عتبة يسألونه ماذا رأى وماذا سمع؟ (١).
ولما فشلت حيلة الإغراء، اجتمع رؤساء جميع القبائل وذهبوا إلى عم الرسول - ﷺ - أبي طالب - وقالوا له:
"لقد وقرناك واحترمناك، وها هو ابن أخيك يعيب آلهتنا التي ظل آباؤنا يعبدونها، ونحن لا نستطيع الصبر على هذا، فلتنصحه حتى يسكت وإلا قضينا عليه وأنت وحدك لا يمكنك أن تواجهنا جميعنا".
وبعد أن رأى العم الرحيم عداوة قريش كلها لابن أخيه رق له قلبه فبعث إلى النبي وطلب منه ألا يسيئ إلى أوثان قريش، لأنه بذلك لا يستطيع أن يدافع عنه.
قال النبي - ﷺ -: يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته (٢).
بعد هذا الفشل تشاور قريش مكة، ورأوا أن يبعثوا للنبي ليجتمعوا به ويكلموه، وهكذا اجتمعوا داخل الكعبة، فجاءهم النبي - ﷺ - مسرورا فقد تمنى أن يكونوا قد فكروا في دعوته لهم للإيمان بالله الواحد، وحين وصل النبي - ﷺ - جلس إليهم فقالوا له:
"يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه (من المشكلات) مثل ما أدخلت على قومك، فإن كنت تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى لا يبقى لدينا منها شيئا، وإن كنت تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام مجلد ١ ص. ١٠.
(٢) نفسه، مجلد ١ [ص:٨٩].
[ ٥٥ ]
تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك جنا غلب عليك بذلنا لك من أموالنا حتى نبرئك منه أو نعذر فيك".
فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحتكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم".
قالت قريش: يا محمد! إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك تعلم أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك أن يسير عنا هذه الجبال حتى يبسط لنا بلدنا (١)، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا وأجدادنا على أن يكون فيمن يبعث لنا منهم قصي (٢) بن كلاب، لأنه كان شيخنا وكان صادقا، فنسأله عما تقول، فإن صدقك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول".
قال رسول الله - ﷺ -: "ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم رسالات الله، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم"
قالت قريش: "فإن لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، وسل ربك:
١ - أن يبعث معك ملكا، كي يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك.
٢ - وأن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس الرزق، وذلك حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا" (٣).
_________________
(١) كان مشركو مكة يريدون تسيير الجبال فقط ليتسع فناء دارهم أما أهل الإيمان فلم تقف الجبال أمامهم وأصبح وجه الأرض كلها فناء لدارهم.
(٢) هو اسم والد عبد مناف جد النبي - ﷺ -، وهو الذي أخرج بني جرهم من مكة، وجمع قبائل قريش وأسكنهم مكة ثانية، ووزع الوفادة والدية والسقاية واللواء والسفارة والحجابة والأزلام.
(٣) إن الثروة والإمارة الدنيوية والقصور والجنان التي اعتبرها أهل مكة إمارة للصدق، قد أتمها الله =
[ ٥٦ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، فقد بعثني الله بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
قالت قريش: "إذن اسقط علينا كسفا من السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل" (١).
قال رسول الله - ﷺ -: "ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل".
قالت قريش: "يا محمد. أما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيعلمك ما تراجعنا به، إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له "الرحمن" (٢) وإنا لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا (والله) لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلك أو تهلكنا" ووصل الحديث إلى أن قال أحدهم: "لن نؤمن لك يا محمد حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا".
فلما سمع النبي هذا الكلام تركهم ومضى وكان معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وهو ابن عمته (ابن عاتكة بنت عبد المطلب) ققال له: يا محمد! عرض عليك قومك ما عوضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، فلم تفعل ثم سألوك أن تجعل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، وهكذا فأنا لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك .. لو فعلت ذلك ما ظننت أني مصدقك (٣).
_________________
(١) = تعالى للمؤمنين، وعرف الجميع أن رسالة النبي - ﷺ - كانت في الحقيقة مصدر خير في الدنيا كما تضمنت بالتأكيد سعادة الآخرة.
(٢) والعذاب الذي طلبه هؤلاء الكفار حاق بهم يوم بدر، فلم ينج أحد من المنكرين والمستهزئين.
(٣) الإسلام بين أسماء الله الحسنى ومنها الرحمن، وهو الاسم الذي لم يعرفه العرب على الإطلاق قبل الإسلام ولذا كانوا يكرهونه ويغضبون منه أشد الغضب ويقولون إنه اسم رجل مجهول والرحمن صيغة مبالغة من رحمة.
(٤) سيرة ابن هشام ج ١ [ص:١٠١] والقارئ يلمس مدى عداء عبد الله للإسلام، ولكن لم تمض سنوات حتى أسلم وكان ذلك قبل فتح مكة بتوفيق من الله حين قدم عبد الله نفسه إلى النبي - ﷺ - معلنا إسلامه، ويمكن لأهل المعرفة أن يدركوا أن قبول مثل هذا الشخص للإسلام هو معجزة أكبر من اتخاذ سلم =
[ ٥٧ ]
استمر النبي - ﷺ - في دعوته لقريش حتى بعد هذا الرفض والإنكار وكان يقول: إن في دعوتي كل ما تريدون، والعقلاء الذين آمنوا والتزموا بالتربية النبوية نالوا من المعارف والفوائد أكثر من تلك التي كان سألها كفار قريش.
وبهذه المناسبة نذكر ما ورد في الإنجيل من أن الشيطان سأل المسيح عدة أسئلة ليختبره، فأجاب عنها المسيح بالنفي (١). والحقيقة أن رسل الله المصطفين يقدمون تعاليمهم إثباتا لصدقهم ولم يكونوا يقدمون المعجزات أو الخوارق لأن صفة الإيمان بالغيب تفقد بعدها ميزتها. هذا رغم أن المعجزات تتوالى منهم بعد ذلك وبكثرة في أوقات أخرى وطبقا للضرورة أو الحاجة.