وعليه شمرت قريش عن ساعد الجد لمعارضة دعوة النبي - ﷺ - وصممت على القضاء على أي بادرة للإسلام واتبعت في ذلك عدة أساليب:
أولا: أسلوب إيذاء المسلمين إيذاء شديدا حتى يرتد من دخل الإسلام، ولا يدخله أحد من جديد. ويصعب هنا تفصيل الحديث عن تلك المظالم التي ألحقتها قريش بالمسلمين، وما أوقعته بهم من صنوف الإيذاء، ونذكر هنا باختصار طرق التعذيب وأحوال بعض المسلمين ممن عذبوا.
١ - كان بلال ﵁ حبشيا وعبدا لأمية بن خلف فلما سمع أمية أن بلالا ﵁ أسلم، اخترع له صنوفا متنوعة من العذاب، كأن يربط حبلا في عنقه ويتركه للصبيان يطوفون به جبال مكة، فكان تأثير الحبل على رقبته ﵁ ظاهرا، كما كان يلقيه على رمل مكة المحرق، ثم يضع حجرا ساخنا على صدره، كما كان يشد يديه ثم يضرب بعد ذلك بالعصيان، وكثيرا ما أجلس تحت أشعة الشمس المحرقة، أو ترك جوعانا بلا طعام، وكان بلال ﵁ في كل هذه الأحوال لا ينطق إلا بعبارة "أحد أحد" وقد اشتراه أبو بكر الصديق ﵁ وأعتقه لله (١).
٢ - أسلم عمار (٢) ووالده ياسر ﵁ ووالدته سمية ﵂ فأذاقهم أبو جهل صنوف العذاب، ورآهم النبي - ﷺ - وهم يعذبون ذات يوم فقال: "اصبروا ياآل ياسر فإن موعدكم الجنة"، وطعن أبو جهل التعس سمية ﵂ في موضع العفة
_________________
(١) توفي في دمشق عام ٢٠ هـ وهو في الثالثة والستين.
(٢) استشهد في غزوة صفين وعمره ٩١ أو ٩٢ سنة.
[ ٤٩ ]
فيها بحربة فقتلها (١).
٣ - أما أبو فكيهة واسمه أفلح فقد ربطت قدماه بالحبال وراحوا يجرونه على أرض صخرية (٢).
٤ - وخباب بن أرت ﵁ كان شعر رأسه ينتف وعنقه يلوى، وجسده يكوى بالجمرات الملتهبة (٣).
٥ - أما يعينة وزنيرة ونهدية وأم عبيس فكن جوار مسكينات تعرضن للتعذيب الوحشي الشديد على أيدي مواليهن قساة القلوب.
ولم يكن سلوك قريش هذا مع العبيد والضعفاء فقط، بل اتبعوا هذا السلوك الوحشي مع أبنائهم وأقاربهم المسلمين أيضا (٤).
٦ - ولما بلغ خبر إسلام عثمان بن عفان ﵁ عمه، كان هذا التعس يلف عثمان ﵁ بقعف النخل ويحمى النار من تحته.
٧ - أما مصعب (٥) بن عمير فقد أخرجته أمه من البيت وجريمته في ذلك أنه أسلم.
٨ - وكانت قريش تلف بعض الصحابة رضوان الله عليهم في جلود البقر والإبل، وتلقي بهم تحت وهج الشمس، كما كانت تلبس بعضهم درعا من الحديد ثم تلقى بهم فوق جمرات ملتهبة.
وجملة القول أنهم كانوا يذيقونهم عذابا وحشيا لا يصمد أمامه إلا من آمن بمصداقية الإسلام، فالأمم السابقة قد حبست وقتلت الأنبياء بالدراهم المزيفة (٦).