كانت السيادة في مكة لقريش دون غيرها، وكانت في معظمها، إن لم تكن كلها على الوثنية، أما في المدينة فقد وجدت قبائل مختلفة وأديان متنوعة، وجدت فيها الوثنية، واليهودية وقلة من النصارى، ومن قبائل اليهود القوية بنو النضير، وبنو قينقاع، وبنو قريظة، وكانت تسكن في قلاع منفصلة خاصة بها، وكانت تمتلك مالا وافرا نتيجة لعملها بالتجارة وكذا التعامل بالربا.
ومنذ أن بشر (١) نبي الله موسى ﵇ اليهود في وعظه بأن الله تعالى يخلق من
_________________
(١) = ١٥ - فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف السلول ومن أمام القوس المشدود ومن أمام شدة الحرب.
(٢) فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار له.
(٣) وبقية عدد قسي أبطال بني قيدار تقل لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم. [ص:١٠١٥] / ١٥١٦ الطبعة العربية. والآية ١٣ و١٤ تأمران الدوانيين باستقبالهم وتقديم الخبز والماء لهم ومن المعروف أن دوان اسم حفيد إبراهيم وولد لينسان وشقيق سبا، وقد سكنت ذريته في اليمن ثم تفرقت هذه القبائل بعد سيل عرم، وقبيلتا الأوس والخزرج (وهما الأنصار) من هؤلاء وقد صرح ابن خلدون بذلك، وفي هذه الآية بيان لما سيحدث من أن الهجرة تقع بسبب سيوف قريش وقسيهم وأيضا أن الأنصار من نسل دوان وتيما اسم ولد إسماعيل الثامن وقد سكن أولاده من بعده في عقب المدينه، وبعد أمر أهل المدينة وحواليها بالنصر والتأييد تبين الآيتان ١٦، ١٧ مصير الظالمين أي مصير قريش، وأن قريش أهل قيدار، وسوف تقل شوكتهم. وهكذا وبعد الهجرة بسنة كانت غزوة بدر، التي قتل فيها رؤساء قريش الكبار فتدهورت مكانتهم وقلت شوكتهم كثيرا ونقصت عزتهم، فالآيات السابقة في جملتها تنبئ عن ذلك بعد ذكر الأسماء بوضوح.
(٤) في سفر التثنية (الإصحاح ١٨: ١٥) جاء ما يلي: =
[ ٨٨ ]
بين إخوة موسى نبيا مثل موسى، واليهود تأمل في أن يكون هذا منهم وعلى هذا الأمل أقاموا في المدينة فلعل نبي بني إسرائيل القادم يزيل عنهم تدهورهم القومي ويحيي لهم مجدهم الضائع وبأسهم وسلطتهم التي زالت، ومنذ إخراج اليهود من الشام، ضربت عليهم الذلة والعبودية، ومنذ ذلك الوقت واليهود ينتظرون بأمل أكبر ظهور النبي الموعود.
_________________
(١) = "يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي" ووردت عبارات أوضح في نفس الاصحاح (١٨، ١٩) "أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه". ويستدل المسلمون - بالنظر إلى هذه الآيات - على ما يلي: أ - أن بني إسماعيل أخوة لبني إسرائيل (انظر سفر التكوين الاصحاح ١٦ - ١٢ و٢٥ - ١٨) ب - لم يكن في بني إسرائيل نبي مثل موسى (سفر التثنية باب ٣٤: ١٠) ومن هنا يتضح أن هذه النبوءة خاصة بالنبي - ﷺ -، فقد ورد في وصفه - ﷺ - أن الله تعالى يجعل كلامه في فمه، وهذه صفة خاصة بالنبي - ﷺ - لأنه لا يوجد غير القرآن الكريم كتابا حفظت فيه آيات "كلام الله" أو وصل وحيه لفظا ومعنى، فاليهود والنصارى يقرون ولا ينكرون أنه لا يحفظ في التوراة من كلام الله سوى الوصايا العشر، وفي صحف الأنبياء الآخرين من غير موسى وبخاصة في الإنجيل، لم تحفظ كلمات الله التي نزلت بالوحي السماوي. وبعد هذا الرأي القاطع يبقى موسى ﵇ من بين الأنبياء كلهم الذي يتماثل مع النبي - ﷺ - فيما يتعلق بالكلام، وبينهما مماثلة قوية في عدة أمور منها أنهما صاحبا هجرة، وصاحبا شريعة وصاحبا جهاد، وكلاهما أوحى إليه في بداية الحادية والأربعين، وهذه الأمور لم توجد مجتمعة بعد موسى في نبي من أنبياء بني إسرائيل، ولكنها توجد في نبينا - ﷺ -، ولكن ينبغي أن نفكر جيدا ونتدبر في هذه المماثلة التي أوضحها سفر التثنية، وصدقها القرآن الكريم بقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وانظروا في جميع أسفار العهد القديم والعهد الجديد، فسنجد أن أي كتاب لم يشر إلى هذه النبوءة أي الصفة ولم يستدل بها سوى القرآن الكريم، ولا شك أن هذه الصفة خاصة خصوصية كاملة بالنبي - ﷺ - ويجب أن نتذكر أن كلمة "من وسطك" التي وردت في التثنية (الاصحاح ١٨: ١٥) هي كلمة ملحقة على النص وليست بأصل فيه وهناك ثلاثة دلائل على ذلك: الأول: أن هذه الكلمة لا توجد في التوراة اليونانية. والثاني: أن نفس الاصحاح (١٨: ١٩) أعاد هذا التنبؤ بكامله دون ذكر هذه الكلمة. والثالث: أن لوقا ذكر هذه الآية في أعمال الرسل الاصحاح الثالث (آية ٢٢، ٢٣) [[ص:١٩٤] ط العربية، ولم يذكر فيها كلمة "من وسطك"] [وقد وردت هكذا فإن موسى قال للآباء إن نبيا مثل سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به].
[ ٨٩ ]
والآن فرحت اليهود بصفة خاصة بعد أن سمعوا بمقدم نبي إسماعيلي إلى المدينة، ولكن حين رأوا أنه يصدق المسيح ﵇، ويصدق تعاليمه، ويجعل الإيمان بالمسيح ﵇ جزءا لا يتجزأ للإيمان بالإسلام ويخطئ اليهود بتمجيده إياه (١). عندئذ صار اليهود كلهم أعداء لنبينا - ﷺ -.