منذ أن بشر عيسى المسيح عبد الله المختار في آخر موعظة له بمجيء نبي آخر يبقى مع الدنيا دائما، ويعلم الدنيا كل شيء، وأوصى النصارى باتباعه، منذ ذلك الوقت والنصارى في انتظار هذا النبي، الذي سيقتص لهم من اليهود، ويمنح النصارى الجلال والعظمة، ويظهر صدق المسيح، ولكن حين رأوا النبي - ﷺ - يرد على النصارى القضايا التي اصطنعوها (٢).
_________________
(١) جاء في إنجيل يوحنا (اصحاح ١٦) ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيه وعلى بر وعلى دينونة (٨) "ذاك يمجدني هو يرشدكم إلى الحق" . وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم [١٢/ ١٤، [ص:١٧٨] إنجيل يوحنا اصحاح ١٦.
(٢) كتب د. دريبر في كتابه المسمى "الدين والعلم" (وقد ترجمه إلى الأردية مولوي ظفر علي خان الشاعر والصحفي الشهير) أن الدين النصراني في بدايته كان يقوم بتلقين ثلاثة مبادئ لسنوات عديدة أولها: حق الله أي يجب على الإنسان أن يعظم الله ويمجده، وثانيها: حق الذات أي يجب على الإنسان أن يكون خيرا بذاته، وثالثها: حق العباد أي يجب عليه أن يحسن إلى أبناء جنسه. وبعدها كتب الدكتور سابق الذكر أن الوقوف جيدا على الإصلاحات والتعديلات التي طرأت على الدين النصراني من جراء التأثيرات الخارجية ولا تزال فيه حتى اليوم، يستلزم مطالعة ما كتبه تريلتين سنة ٢٠٠ م، في روما حين كان النصارى يتعرضون لشتى أنواع الاضطهاد في عهد سيويرس. ولم يرد ذكر التثليث فيما كتبه تريلتين، وهناك رد على مسألة الكفارة، لأنه كتب يقول: إن الله قرر الثواب والعقاب طبقا لأعمال الإنسان خيرها وشرها، فهو يهب اللذة السرمدية للصالحين، ويدخل السيئين في النار الأبدية. ثم يكتب الدكتور المذكور أن الوثنية دخلت النصرانية في عهد الملك قسطنطين، وتأسس المجلس الأول للأساقفة تحت رئاسته عام ٣٢٥ م، وبعدها جرت عادة انعقاد المجالس، وبدأ كل مجلس يدخل إصلاحات وتعديلات جديدة في الدين والعقيدة. وعلى هذا فإن ما ذكرناه صفة للقضايا (التي اصطنعوها) هو تعبير دقيق ويجب أن نتذكر أن الإصلاح الذي قام به النبي - ﷺ - في قضايا النصارى، قد قبلته فرق النصارى المختلفة تدريجيا
[ ٩٠ ]
مثل البنوة والتثليث والكفارة والرهبانية والسلطة الإلهية (المطلقة) للبابا، صاروا أيضا أعداء للنبي - ﷺ -.
وللاطلاع على أحوال المدينة ينبغي أن نلقي نظرة موجزة على أحوال عبد الله بن أبي ابن سلول، كان هذا الشخص - بالإضافة إلى اليهود - رجلا ممتازا ذا تأثير في أهل المدينة، كان يخشى تماما قبيلتي الأوس والخزرج وكان يتوقع أن يصبح أكبر قوة وسلطة في المدينة بمساعدة هاتين القبيلتن القويتين، وحين رأى أن الأوس والخزرج دخلتا في الإسلام، قام - في الظاهر - (بعد غزوة بدر) بالانضمام إلى المسلمين، ولكن حين رأى أن اليهود خالفوا النبي - ﷺ -، أراد أن يبقي على أثره السابق على اليهود، وأن تبقى له السيطرة على القبائل التي أسلمت، فاتبع أسلوب التودد إلى المسلمين والجلوس إليهم ومصاحبتهم، ثم يدعى أمام الأمم الأخرى أنه معهم وأنه حليفهم.
ولما كان يرى أن الإسلام - في الحقيقة - قد خيب آماله فقد كان لا يتورع عن إيذاء المسلمين وإلحاق الضرر بهم - وقد سمى المسلمون هذه الطائفة "بالمنافقين".
وحالة المدينة تلك توضح مدى الصعوبات والعراقيل التي واجهت الدعوة الإسلامية وواجهت صاحب الدعوة والإنسان المنصف يستطيع أن يحكم ويقرر كيف كان تخطى هذه العراقيل والمصاعب أكبر دليل على صدق الإسلام والنجاح الذي تحقق للنبي - ﷺ - في نشر الإسلام في المدينة المنورة مقارنة بما تحقق في مكة المكرمة مما قد ورد ذكره قبلا في القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾.
_________________
(١) = وجزئيا بطريقة أو بأخرى، وجعلته ضمن ديانتها، ومع ذلك فهم لا يشكرون إلى الآن محمدا رسول الله الذي أحسن إليهم بصدق وإخلاص ولننظر مثلا إلى فرقة يونيترين التي لا تعترف بأن المسيح ابن الله، والبروتستانت فرقة ظهرت بعد الإسلام وهي ترفض الرهبانية والسلطة المطلقة (الإلهية) للبابا رفضا تاما.
[ ٩١ ]