وفي العام التالي هاجمت قريش من جديد المدينة، وفي هذه المرة قامت قريش بجمع الأموال والتبرعات من عموم الناس، وكان الشاعر أبو عزة الجمحي يجوب تهامة
_________________
(١) وقد أسلم صفوان أيضا بعد عام ٨ للهجرة وقد عرف بعدائه للنبي - ﷺ - وكان من رؤساء مكة المشهورين.
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٤، تاريخ الطبري ٣/ ١٥.
[ ١٠١ ]
يحث بني كنانة على مساعدة قريش، وقد ضم هذا المال خمسين مثقالا من الذهب وألف بعير لم يكن قد تم تقسيمها من تجارة الشام. وهكذا تقدم إلى المدينة جيش مكون من خمسة آلاف (١) مقاتل، منهم ثلاثة آلاف على البعير ومئتان من الخيالة وسبعمائة مقاتل من المشاة المدرعين - وكان رأي النبي - ﷺ - ألا يخرجوا من المدينة وأن يبقوا بداخلها مدافعين عنها، إلا أن الرأي كان للأغلبية وهكذا خرج المسلمون للقتال عند جبل أحد الأحمر والواقع على بعد تسعة آلاف ياردة من المدينة.
وكان جيش المسلمين يتكون من ألف مقاتل، وفي نفس الوقت غدر عبد الله بن أبي بالمسلمين فانسحب بمن معه وكانوا ثلاثمائة مقاتل، وهكذا كانت المواجهة بين خمسة آلاف (امتلأوا حقدا وحنقا) وبين سبعمائة من المسلمين.
وفي بداية المعركة هزم المسلمون الأعداء، وقتل اثنا عشر رجلا من حاملي راياتهم (منهم ثمانين قتلوا بيد علي المرتضى ﵁) ولكن رماة المسلمين تركوا مواقعهم التي أمرهم النبي - ﷺ - بالثبات فيها، وانتهز الكفار اللئام الفرصة فالتفوا حول المسلمين فأحاطوا بهم.
وهكذا أصيب جيش المسلمين بخسارة فادحة وتشتت الجزء الأكبر منه.
وكان قد بقي مع النبي من الصحابة اثنا عشر صحابيا فقط (٢) منهم أبو بكر ﵁، وعمر وعلي، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ وغيرهم. وأخذ الأعداء يرمون نبي الله بالحجارة، فجرحت جبهة النبي - ﷺ - بحجر ابن قمئة، وجرح عضد النبي - ﷺ - بحجر ابن هشام وكسرت أربعة أسنان للنبي - ﷺ - من حجر عتبة، وسقط النبي - ﷺ - في حفرة، وشاع خبر بأن النبي - ﷺ - قد قتل، فأقبلت نسوة من المدينة على عجل، فقامت فاطمة البتول ﵂ فغسلت جراح أبيها، ولما رأت أن الدم ينزف من جبهته وضعت عليها قطعة من حصير أحرقتها. وكان علي المرتضى ﵁ يأتي بالماء بينما حملت عائشة وأم سليم القربة تسقيان الجرحى (٣)، واستشهد في ميدان المعركة
_________________
(١) انظر ناسخ التواريخ. وفي المراجع الأخرى ثلاثة آلاف.
(٢) البخاري في المغازي ٥/ ٣٨، وابن هشام ٢/ ٨٣.
(٣) مسلم في الجهاد ١٤١٦ عن أنس.
[ ١٠٢ ]
سبعون صحابيا (١).
ومن أعظم خسائر الحرب، شهادة مصعب بن عمير (٢) الذي قدم المدينة للدعوة وأسلمت بدعوته قبيلتا الأوس والخزرج وكانت زوجة حمنة بنت جحش قد استشهد أخوها وخالها في نفس اليوم، وحين علمت بخبر شهادة أخيها قالت إنا لله وإنا إليه راجعون ودعت له، وحين أخبرت بشهادة زوجها مصعب بن عمير صاحت وولولت، فقال النبي - ﷺ - إن زوج المرأة منها بمكان.
وفي هذه المعركة استشهد حمزة (أسد الله ورسوله) عم النبي - ﷺ - وقد مثل به الأعداء، وأقبلت صفية أم الزبير بعد المعركة لترى جسد أخيها حمزة، فأوقف الزبير أمه، فقالت صفية ﵂: قد بلغني أنه مثل بأخي، ولكن هذا مدعاة لفخرنا يا بني، لأحتسبن ولأصبرن، سأدعو له الله ثم أعود (٣).