العصمة وردت فى اللغة لعدة معان منها:
١- المنع. ٢- الحفظ.
٣- القلادة. ٤- الحبل.
قال صاحب اللسان: "العصمة فى كلام العرب المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، يقال عصمه، يعصمه، عصمًا: منعه ووقاه.
وبهذا المعنى جاءت الكلمة فى القرآن الكريم والسنة المطهرة.
[ ١٦ ]
قال تعالى على لسان سيدنا نوح ﵇ وابنه: ﴿يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ (١) وقال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ (٢) وقال سبحانه فى حق سيدنا محمد ﷺ: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة﴾ (٤) وفى الحديث قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله" (٥) والعصمة القلادة، وفى اللسان أيضًا أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه" (٦) .
وبالإمعان فى هذه المعانى جميعها ترى أنها ترجع إلى المعنى الأول الذى هو "المنع" فالحفظ منع للشئ من الوقوع فى المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردى.
_________________
(١) الآيتان ٤٢، ٤٣ هود.
(٢) جزء من الآية ٣٢ يوسف.
(٣) الآية ٦٧ المائدة.
(٤) الآية ١٧ الأحزاب.
(٥) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله الخ ١/٢٣٣ رقم ٢٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد، باب دعاء النبى ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة الخ ٦/١٣٠ رقم٢٩٤٦ من حديث أبى هريرة ﵁.
(٦) لسان العرب لابن منظور ١٢/ ٤٠٣ – ٤٠٥، وينظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/٣٣٢، ومختار الصحاح للرازى ص٤٣٧، والقاموس المحيط للفيروز آبادى ٤/١٤٨، ١٤٩، والمصباح المنير لأحمد الفيومى ٢/٥٦٦.
[ ١٧ ]
.. وعلى المعنى الأول دار كلام حُذَاق المفسرين والأثريين، قال الإمام الطبرى (١) فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾ (٢) قال: "وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئًا فهو عاصمه. والممتنع به معتصم به" (٣) وقال تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله﴾ (٤): يقول سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء فيمنعنى منه أن يغرقنى. ويعنى بقوله (يعصمنى) يمنعنى، مثل عصام القربة الذى يشد به رأسهما فيمنع الماء أن يسيل منها (٥) وفى قوله تعالى: ﴿قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة﴾ (٦) قال: من ذا الذى يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءًا فى أنفسكم (٧) .
_________________
(١) هو محمد بن جرير بن يزيد الطبرى، صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير، كان من الأئمة المجتهدين، ولم يقلد أحدًا، وكان إمامًا فى فنون كثيرة منها: التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وغير ذلك، توفى سنة ٣١٠هـ له ترجمة فى: تاريخ بغداد للخطيب البغدادى ٢/١٦٢ رقم ٥٨٩، وطبقات المفسرين للداودى ٢/١١٠ – ١١٨ رقم ٤٦٨، وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير ١/٢٢٢ رقم ٢٢.
(٢) الآية ١٠١ آل عمران.
(٣) جامع البيان عن تأويل آى القرآن ٤/٢٦.
(٤) الآية ٤٣ هود.
(٥) جامع البيان ٦/٣٠٩
(٦) الآية ١٧ الأحزاب.
(٧) جامع البيان ٢١/ ١٣٨.
[ ١٨ ]
.. فكلام هذا الإمام - رحمه الله تعالى - يدل على أن مادة (عصم) فى القرآن الكريم حيثما وردت بشتى تصريفاتها تدور على المنع والامتناع، وهو أصلها فى الوضع اللغوى. وقال ابن الأثير (١): العصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامى، والاعتصام الامتساك بالشئ افتعال منه. ومنه شعر أبى طالب (٢) يمدح النبى ﷺ:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال (٣) اليتامى عصمة للأرامل
أى يمنعهم من الضياع والحاجة (٤) .