حفظ الله ﷿ عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال عزوجل: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا﴾ (١) واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (٢) .
ولا شك أن أنبياء الله ﷿ ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم ﷺ على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده.
والمراد بعصمة رسول الله ﷺ من الشيطان قال فيها القاضى عياض: "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى ﷺ من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى - كالجنون والإغماء - ولا على خاطره بالوساوس" (٣) .
ولا عبرة بمن خرج عن المفهوم السابق لعصمة رسول ﷺ من أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة.
وقد دل على المفهوم السابق القرآن الكريم والسنة المطهرة.
_________________
(١) الآية ٦٥ الإسراء.
(٢) الآيتان ٨٢، ٨٣ ص.
(٣) الشفا ٢/١١٧، وشرحه للملاعلى ٢/٢١٣.
[ ٨٣ ]
.. أما القرآن الكريم: فقد ورد فيه تعرض الشيطان لبعض الأنبياء فى أجسامهم ببعض الأذى، وعلى خاطرهم بالوسوسة، مع عصمة الله ﷿ لهم بعدم تمكن الشيطان من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين. قال تعالى: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ (٣) وقال ﷻ: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٤) .
وليس فى هذه الآيات الكريمات ونحوها ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ (٥) .
أما السنة المطهرة: فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد فى القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله ﷺ فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله ﷿ له حائلة دون تمكن الشياطين من إغواءه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث التى تدل على ما سبق، وأنكرها أعداء السيرة العطرة (٦) ما يلى:
_________________
(١) الآية ٤١ ص.
(٢) الآية ٣٦ البقرة.
(٣) الآية ١٥ القصص.
(٤) الآية ٢٠٠ الأعراف.
(٥) الآية ٤٣ الحجر، وسيأتى الرد بالتفصيل على دعوى التعارض ص١٣٩ – ١٤٥، ١٩٤.
(٦) وزعموا أنها موضوعة، دون أن يبينوا لنا بالدليل العلمى علامات وضعها فى السند أو فى المتن، أو حتى وجه التشكيك بها فى النبوة والإسلام؟! ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ٢/٣٠٥، وأضواء على السنة لمحمود أبو ريه ص١٨١، والأضواء القرآنية لصالح أبو بكر ٢/١٤٤، وأبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص١٠٨، والأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى ص٣٣، ١٢٦ ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٨٣، ودفع الشبهات عن الشيخ الغزالى لأحمد حجازى السقا ص١١٩.
[ ٨٤ ]
عن عبد الله بن مسعود ﵁ (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياى. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير" (٢) .
وقوله: "فأسلم" برفع الميم وفتحها، روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه: أَسْلَم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمنًا لا يأمرنى إلا بخير.
وصحح الخطابى وغيره رواية الرفع، ورجح عياض والنووى والزرقانى الفتح، لأنه ظاهر الحديث فى قوله ﷺ: "فلا يأمرنى إلا بخير" ولقوله ﷺ: "فضلت على الأنبياء بخصلتين. كان شيطانى كافرًا فأعاننى الله عليه حتى أسلم، قال أبو هريرة راوى الحديث، ونسيت الخصلة الأخرى" (٣) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١٦ رقم ٢١، وتذكرة الحفاظ ١/١٣ رقم ٥، وأسد الغابة ٣/٣٨١ رقم ٣١٨٢، والاستيعاب ٣/٩٨٧ رقم ١٦٥٩، والإصابة ٢/٣٦٠ رقم ٤٩٦٩.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سرياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا ٩/١٧٢ رقم ٢٨١٤، وروى نحوه من حديث عائشة ﵂ فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٨١٥.
(٣) رواه البزار، وفيه إبراهيم ابن صِرمَة، وهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، ٢٦٩، ولكن يعضده رواية مسلم السابقة، ينظر: الشفا ٢/١١٨، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/٢٦٠، ٢٦١، وشرح الشفا للملاعلى ٢/٢١٤، والمنهاج شرح مسلم ٩/١٧٣ رقم ٢٨١٤.
[ ٨٥ ]
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن عفريتًا من الجن جعل يفتك (١) علىَّ البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته (٢) . فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوارى المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، أو كلكم، ثم ذكرت قول أخى سليمان: رب اغفر لى وهب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى. فرده الله خاسئًا" (٣) .
وعن أبى الدرداء ﵁ (٤) قال: قام رسول الله ﷺ. فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" ثلاثًا. وبسط يده كأنه يتناول شيئًا. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال: "إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار، ليجعله فى وجهى، فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة" (٥) .
_________________
(١) "يفتك) وفى رواية "يفلت" وهما صحيحان. والفتك: الأخذ فى غفلة وخديعة.
(٢) بذال معجمة، أى خنقته، وفى رواية صحيحة بدال مهملة، أى: دفعته دفعًا شديدًا.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان فى أثناء الصلاة والتعوذ منه؛ وجواز العمل القليل فيه ٣/٣٢، ٣٣ رقم ٥٤١، والبخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الصلاة، باب الأسير أو الغريم يربط فى المسجد ١/٦٦٠ رقم ٤٦١.
(٤) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٩٤ رقم ٥٨٦٥، ومشاهير علماء الأمصار ص٦٤ رقم ٣٢٢، وتجريد أسماء الصحابة ٢/١٦٣، والاستيعاب ٤/١٦٤٦ رقم ٢٩٤٠.
(٥) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان ٣/٣٣ رقم ٥٤٢.
[ ٨٦ ]
وعن عبد الرحمن بن خنبش ﵁ (١) لما سئل كيف صنع رسول الله ﷺ حين كادته الشياطين. قال: تحدرت عليه الشياطين من الجبال والأودية، يريدون رسول الله ﷺ، قال: وفيهم شيطان وبيده شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول الله ﷺ، فلما رآهم رسول الله ﷺ فزع منهم، فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد قل، فقال: ما أقول؟ قال: قل: "أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" قال: فقالهن، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله ﷿" (٢) .
بالتأمل فى الروايات السابقة تجد أن الله ﷿ عصم رسوله ﷺ من قرينه الجنى بإسلامه، فلا يأمر رسول الله ﷺ إلا بخير.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٤٣٩ رقم ٣٢٩٩، والاستيعاب ٢/٨٣١ رقم ١٤٠٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/٣٤٦.
(٢) أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٩١ رقم ١٣٧، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧/٩٥، وأحمد فى مسنده ٣/٤١٩، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/١٢٧ إلى أحمد وأبو يعلى والطبرانى بنحوه، وقال رجال أحد إسنادي أحمد، وأبى يعلى، وبعض أسانيد الطبرانى رجال الصحيح، وعزاه المنذرى فى الترغيب والترهيب ٢/٤٥٧ إلى أحمد وأبى يعلى، وقال لكل منهما إسناد جيد محتج به.
[ ٨٧ ]
وكذلك عصمه الله ﷿ من سائر شياطين الجن عندما تعرضوا له فى غير موطن. منها فى الصلاة عندما تعرض له عفريت من الجن، وفى رواية إبليس، وأراد إدخال شغل عليه فى الصلاة، فتمكن منه رسول الله ﷺ بخنقه، وهمَّ بربطة فى ساريه من سوارى المسجد، حتى يراه أهل المدينة إلا أنه ﷺ تركه، ودفعه دفعًا شديدًا، وترك ما هَّم به عندما تذكر دعوة سيدنا سليمان ﴿رب هب لى ملكًا لا ينبغى لأحد من بعدى﴾ (١) والنتيجة كما جاء فى روايات الحديث: عصمة رسول الله ﷺ من هذا العاتى المارد من الجن أو إبليس كما جاء فى رواية أبى الدرداء، ورده الله خاسئًا.
وكذلك تبين رواية عبد الرحمن بن خنبش عصمة رب العزة لرسوله ﷺ من الشياطين لما تحدرت عليه من الجبال والأودية، يريدون حرقه وقتله، حيث نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يعلمه كلمات إذا قالهن نجا من كيدهم، فقالهن ﷺ، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله ﷿.
_________________
(١) جزء من الآية ٣٥ ص.
[ ٨٨ ]
وهكذا كانت عصمة المولى ﷿ لرسوله ﷺ من الشياطين حتى مرض وفاته الذى لده فيه (١) بعض الحاضرين عنده بغير إذنه، ولما سألهم ﷺ عن ذلك قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب (٢) فبين لهم رسول الله ﷺ أن ذات الجنب من الشيطان وهو معصوم منه. قائلًا: "إنها
من الشيطان، ولم يكن الله ﷿ ليسلطه علىَّ" (٣) .