ذكر غير واحد من علماء هذا الشأن أن أصل الوحي فى الأسلوب العربى، معناه: الخفاء، والسرعة، والإشارة.
فالواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم فى خفاء إلى غيرك، فكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه، فهو وحى كيف كان. وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة، والرسالة والإلهام.
وأوحى ووحى لغتان يقال: وحيث إليه الكلام، وأوحيت، ووحى، وحيًا وأوحى. لكن أوحى بالهمزة أفصح من - وحى - بدونها. ولذلك جرى استعمال القرآن على ما هو الأفصح فى الفعلين أهـ بتصرف (١) .
_________________
(١) ينظر: لسان العرب ٦/٤١٢، والقاموس المحيط ٤/٣٩١، ومعجم مقاييس اللغة ص١٠٨٥، وتاج العروس ١٠/٣٨٤ - ٣٨٦، ومختار الصحاح ص٧١٣، والأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل سليمان ص١٦٨، ١٦٩، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص٥٨٦ - ٥٨٨.
[ ٣٧٧ ]
.. وقد استعمل القرآن الكريم الوحي بمعناه اللغوى، وهو: الإعلام الخفى السريع، ويتناول الوحي بهذا المعنى عدة أنواع كما جاءت فى القرآن الكريم:
الإشارة السريعة على سبيل الرمز كما فى قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾ (١) وكما فى قوله تعالى: ﴿قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ (٢) .
الإلهام الغريزى للإنسان (٣) ومنه ما يطلق عليه إلهام الخواطر، وهو ما يلقيه الله تعالى فى روع الإنسان
_________________
(١) الآية ١١ مريم.
(٢) الآية ٤١ آل عمران.
(٣) اشتهر لدى الكثيرين أن الوحي إلى أم موسى ﵉ الوارد فى قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ آية ٧٠ القصص، هو من هذا القبيل – أعنى الإلهام. أى من قبيل الحقيقة اللغوية. وعللوا قولهم هذا، بأنه لو قلنا إن الوحي إليها كان من قبيل الحقيقة الشرعية – أى كان بواسطة ملك – يلزم عليه أن تكون نبيًا. والمقطوع به أنه لم تكن كذلك. أهـ كلامهم والحق: أن هذا الكلام خلاف التحقيق حسبما صرح بذلك الإمام القرطبى فى تفسيره ١٣/٢٥٠، والشيخ أبو حيان فى تفسيره ٧/١٠٥ – ١٠٨، وشيخنا الدكتور إبراهيم خليفة فى منة المنان ٢/١٥٢، وحجتهم فى ذلك، أن ما جاء فى الآية من الأمر بالإلقاء والوعد بأنه سيرجع إليها وسيكون من المرسلين، لا يأتى ذلك من قبل الإلهام، كما أنه لا يلزم من إرسال الملك إلى أحد، ضرورة كونه نبيًا، فقد جاء الملك إلى السيدة مريم، وإلى الأقرع، والأبرص، والأعمى، وقصتهم فى الصحاح، ولم يقل أحد بنبوة هؤلاء، وفوق ذلك كله، فإن المجمع عليه أن النبى لا يكون إلا ذكرًا قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحى إليهم﴾ آية ٤٣ النحل، وعليه فالراجح أن الوحي إليها لم يكن إلهامًا، وإنما كان بواسطة ملك. أهـ.
[ ٣٧٨ ]
السليم الفطرة، الطاهر الروح، كما فى قوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ (١) .
الإلهام الغريزى للحيوان أو ما يطلق عليه بعض العلماء الأمر الكونى كالوحي إلى النحل، وذلك كما فى قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون﴾ (٢) .
ومما يشير إلى هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها﴾ (٣) ويدخل تحت ذلك كل الأوامر الكونية للجمادات وغيرها.
وسوسة الشياطين كما فى قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ (٤) .
وهذه الأقسام كلها ليست هى المرادة من اصطلاح الوحي فى علوم القرآن والسنة إذ المراد: الوحي الشرعى الذى جاء إلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.