ثانيًا: أهمية السيرة الشريفة فى فهم السنة النبوية.
ثالثًا: أهمية السيرة النبوية فى إثبات أن للمسلمين تاريخًا وحضارةً.
أولًا: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم:
إن فى دراسة السيرة النبوية الشريفة ما يعين كل مسلم على فهم قوى ودقيق لكتاب الله ﷿، إذ أن كثيرًا من آيات القرآن الكريم إنما تفسرها وتجليها الأحداث التى مرت برسول الله ﷺ، ومواقفه منها فهناك من الآيات القرآنية ما نزلت إثر حوادث طرأت أو مشاكل وقعت أو أسئلة وجهت إلى النبى ﷺ، فجاءت هذه الآيات تحمل الحل أو تبين الحكم، أو تجيب على الأسئلة.
ومما لا يخفى مدى أهمية الوقوف على هذه الأسباب فى التعرف على المعنى الأصوب والأدق للآية، هذا إن لم يتوقف فهم مثل هذه الآيات على معرفة أسبابها، الأمر الذى يترتب على غياب هذه المعرفة وقوع فى الإشكال والتعارض مع غيرها، وقد حصل هذا بالفعل مع بعض الصحابة والتابعين وسواهم كثيرًا ممن جاء بعدهم، ومن أمثلة ذلك ما يلى:
ما أشكل على عروة بن الزبير ﵁ (١) أن يفهم فرضية السعى بين الصفا والمروة مع قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٢) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة: فى تاريخ الصحابة ص١٥٤ رقم ٧٣٨، وأسد الغابة ٣/٢٣٥ رقم ٢٩٤٣، والاستيعاب ٣/٨٩٨ رقم ١٥٣٠، والإصابة ٢/٣٠٦ رقم ٤٦٩٤.
(٢) الآية ١٥٨ البقرة.
[ ٤٨ ]
ففى الصحيح عن عروة قال: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قال: فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابن أختى؛ إن هذه الآية لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه ألا يتطوف بهما. ولكنها أنزلت فى الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون (١) لمناة الطاغية (٢) التى كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل (٣) فكان من أَهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قالت عائشة: "وقد سن (٤) رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" (٥) .
_________________
(١) أى يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الحج. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/٢٣٤.
(٢) اسم صنم، كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، ينظر: المصدر السابق ٤/٣١٣.
(٣) بضم الميم، وفتح الشين، وتشديد اللام الأولى، وفتحها، موضع بين مكة والمدين٧ة. ينظر: المصدر نفسه ٤/٢٨٥.
(٤) أى فرض ﷺ بالسنة، وليس مرادها نفى فرضيتها، ويؤيده قولها: "ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته، لم يطوف بين الصفا والمروة" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب ما يفعل بالعمرة، ما يفعل بالحج ٣/٧١٩ رقم ١٧٩٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به ٥/٢٥ رقم ١٢٧٧.
(٥) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر الله ٣/٥٨١ رقم ١٦٤٣، ومسلم فى الأماكن السابقة نفسها فى الحديث السابق.
[ ٤٩ ]
وهذه الرواية – كما ترى – تدل على أن عروة مع جلالة قدره وفهمه، فهم من جملة ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أن الجناح منفى أيضًا عن عدم الطواف بهما، وعلى ذلك تنتفى الفريضة، وكأنه اعتمد فى فهمه هذا على أن نفى الجناح، أكثر ما يستعمل فى الأمر المباح.
أما عائشة ﵂ فقد فهمت أن فريضة السعى بين الصفا والمروة، مستفادة من السنة المطهرة، ومن سيرته ﷺ العملية، وأن جملة: ﴿فلا جناح عليه ألا يطوف بهما﴾ لا تنافى تلك الفريضة كما فهم عروة، إنما الذى ينفيها أن يقال: "فلا جناح عليه ألا يتطوف بهما".
وإنما توجه نفى الحرج فى الآية عن الطواف بين الصفا والمروة، لأن هذا الحرج هو الذى كان وافرًا فى أذهان الأنصار، كما يدل عليه سبب نزول الآية الذى ذكرته السيدة عائشة ﵂، فتدبر (١) .
_________________
(١) مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ الزرقانى ١/١١٢.
[ ٥٠ ]
ومن ذلك أيضًا ما تأوله قدامه بن مظعون ﵁ (١) وأشكل عليه أنه لا حرج على كل من آمن واتقى وأحسن إذا ما شرب الخمر، وكان والى عمر بن الخطاب على البحرين، وبعد أن استقدمه عمر ﵁ ليقيم عليه الحد لسكره، قال له: يا قدامه إنى جالدك، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان الأمر كما يقولون ما كان لك أن تجلدنى. فقال: لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (٢) فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذرًا للماضين، وحجة على الباقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (٣) قال عمر: صدقت (٤) .
_________________
(١) هو: قدامه بن مظعون القرشى، أخو عثمان بن مظعون، وخال حفصة، وعبد الله، ابنى عمر بن الخطاب، وهو من السابقين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ مات سنة ٣٦هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٣٧٥ رقم ٤٢٨٣، والاستيعاب ٣/١٢٧٧ رقم ٢١٠٨، والإصابة ٣/٢٢٨ رقم ٧٠٨٨.
(٢) الآية ٩٣ المائدة.
(٣) الآية ٩٠ المائدة.
(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٤١٧ رقم ٨١٣٢ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٩/٢٤٠ رقم ١٧٠٧٦.
[ ٥١ ]
ويلاحظ هنا أن الوقوف على سبب النزول هو الذى جلى الموقف لابن عباس، ورفع الإشكال عنها، وسبب نزولها على ما روى عن البراء بن عازب ﵁ (١) أنه قال: "مات رجل من أصحاب النبى ﷺ قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (٢) فالآية ترفع الجناح عمن شربها قبل التحريم. فلا إشكال ولا تعارض.
من أجل ذلك فقد أكد العلماء على الأهمية البالغة لسبب النزول وأنه طريق قوى فى فهم معانى القرآن الكريم (٣) .
وإذا رجعت إلى السيرة النبوية لتفهم منها التجسيد الحى للقضية الأولى التى ابتدأ بها أمر الدين، وهى الوحي الإلهى، لرأيت أن السيرة العطرة كانت أقرب وأقوى فى تفسير آيات الوحي من بعض التفاسير التى اتخذت الجانب اللغوى، أو التصوير البيانى، أو التأويل التكليفى.
قال تعالى: ﴿إن سنلقى عليك قولًا ثقيلًا﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ (٥) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٥٥ رقم ٢٧٢، والرياض المستطابة ص٣٧، وتاريخ الصحابة ص٤٢ رقم ١٠٣، وأسد الغابة ١/٣٦٢ رقم ٣٨٩.
(٢) الآية ٩٣ المائدة، والحديث أخرجه الترمذى فى سننه كتاب تفسير القرآن، باب سورة المائدة ٥/٢٣٧ رقم ٣٠٥٠ وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ١/٩٧ رقم ٧١٥، وللحديث شاهد من رواية ابن عباس فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٠٥٢ وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) ينظر: التفسير والمفسرون للدكتور محمد الذهبى ١/٥٨، ومناهل العرفان فى علوم القرآن ١/١١٠.
(٤) الآية ٥ المزمل.
(٥) الآية ٢١ الحشر.
[ ٥٢ ]
فإن الذى يخلو ذهنه من السيرة النبوية التى تصور الواقع الذى عاشه رسول الله ﷺ فى التنزيل القرآنى لا يستطيع أن يتصور واقع ما تشير إليه تلك الآيات وغيرها المتكلمة عن الوحي وما فيه، وما يتطلبه تصور ذلك من صفاء وطهر واستعداد وأهلية تجعله على مستوى ما لدى هذه الآيات ليتفاعل معها، وتتفاعل معه فى إطار ما تضمنته من هبات ربانية.
ومما روته كتب السنة النبوية كاشفة عن أحواله ﷺ فى التنزيل القرآنى ما يلى:
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة" (١) .
وعن عبادة بن الصامت ﵁ (٢) قال: "كان نبى الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك وَتَرَبَّدَ له وَجْهُهُ" (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٩ رقم ٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة ٢/٤٠٢ رقم ٤٤٨.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١٩٠ رقم ١٠٠٤، والرياض المستطابة ص٢٠٧، وأسد الغابة ٣/١٥٨ رقم ٢٧٩١، والاستيعاب ٢/٨٠٧ رقم ١٣٧٢.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب عرق النبى ﷺ فى البرد، وحين يأتيه الوحي ٨/٩٧ رقم ٢٣٣٤.
[ ٥٣ ]
وعن يعلى بن أمية ﵁ (١) قال: "وددت أنى قد رأيت رسول الله ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبى ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم. فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط (٢) وأحسبه قال: كغطيط البكر" (٣) .
وعن عائشة ﵂ قالت: "ولقد رأيته "أى النبى ﷺ" ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم "أى يقلع" عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا" (٤) .
وفى رواية عنها قالت: "إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها" (٥) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٤٠ رقم ١٦٧، والاستيعاب ٤/١٥٨٥ رقم ٢٨١٥، وأسد الغابة ٥/٤٨٦ رقم ٥٦٤٧، والإصابة ٣/٦٦٨.
(٢) هو الصوت الذى يخرج مع نفس النائم، وهو ترديده حيث لا يجد مساغًا. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٥.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب ما يفعل بالعمرة ٣/٧١٨ رقم ١٧٨٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب ما يباح للحرم بحج أو عمرة ٤/٣٣٢ رقم ١١٨٠.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٢٥، ٢٦ رقم ٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب عرق النبى ﷺ فى البرد، وحين يأتيه الوحي ٨/٩٧ رقم ٢٣٣٣.
(٥) أى تبرك وتلصق عنقها بالأرض. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٢٥٥، والحديث رواه أحمد فى مسنده ٦/١١٨، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٧.
[ ٥٤ ]
وعن زيد بن ثابت ﵁ (١) قال: "كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحاء (٢) شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجُمان (٣) ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبدًا" (٤) .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان النبى ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوى (٥) النحل، فأنزل عليه يومًا فمكثنا ساعة فسرى عنه فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا" (٦) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١٦ رقم ٢٢، وتجريد أسماء الصحابة ٦/١٩٧، والرياض المستطابة ص٨٤، وأسد الغابة ٢/٣٤٦ رقم ١٨٢٤.
(٢) بضم الباء، وفتح الراء، شدة أذى الحمى وغيرها. ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٤٢٨، والنهاية ١/١١٣.
(٣) بضم الجيم وهو اللؤلؤ الصغار، وقيل: خرز يتخذ من الفضة مثل اللؤلؤ. النهاية ١/٢٩١.
(٤) أخرجه الطبرانى بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات عما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٧.
(٥) صوت ليس بالعالى، كصوت النحل ونحوه. النهاية فى غريب الحديث ٢/١٣٣.
(٦) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنون ٥/٣٠٥ رقم ٣١٧٣، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب الوتر، باب رفع اليدين فى الدعاء ١/٤٥٠ رقم ١٤٣٩، وأحمد فى مسنده ١/٣٤، وصححه العلامة أحمد شاكر رقم ٢٢٣.
[ ٥٥ ]
وعن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام ﵄ (١) سُأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: "أحيانًا يأتينى مثل صلصلة (٢) الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لى الملك رجلًا فيكلمنى فأعى ما يقول" (٣) وهذه الصلصلة أو الدوى هو صوت الملك بالوحي، ولا تعارض بينهما.
قال ابن حجر (٤): "فدوى النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدوى بالنسبة إلى الحاضرين، كما قال عمر: يسمع عنده كدوى النحل، والصلصلة بالنسبة للنبى ﷺ، فشبهه عمر بدوى النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو ﷺ بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه" (٥) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٦٩ رقم ٢٣٩، وأسد الغابة ١/٦٤٣ رقم ٩٧٩، والاستيعاب ١/٣٠١ رقم ٤٤٠.
(٢) هى صوت الحديد إذا حرك، ثم أطلق على كل صوت له طنين. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٣/٤٣، وفتح البارى ١/٢٧ رقم ٢.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٢٥، ٢٦ رقم ٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب عرق النبى ﷺ فى البرد، وحين يأتيه الوحي ٨/٩٧ رقم ٢٣٣٣.
(٤) هو: أحمد بن على بن محمد العسقلانى، أبو الفضل، أصله من عسقلان بفلسطين، ولكنه ولد بالقاهرة، حافظ أهل زمانه، وواحد وقته وأوانه، من مصنفاته النفيسة التى عم النفع بها "فتح البارى بشرح صحيح البخارى" و"الإصابة فى معرفة الصحابة" وغير ذلك مات سنة ٨٥٢هـ له ترجمة فى: الضوء اللامع للسخاوى ٢/٣٦ رقم ١٠٤، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص٥٥٢ رقم ١١٩٠، وشذرات الذهب لابن العماد ٧/٢٧٠، والبدر الطالع للشوكانى ١/٨٧ رقم ٥١.
(٥) فتح البارى ١/٢٧ رقم ٢.
[ ٥٦ ]
٩- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ (١) قال: سألت رسول الله ﷺ؛ هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىَّ إلا ظننت أن نفسى تقبض" (٢) .
فهذه الروايات تبين لك إلى أى مدى يستلزم الوحي الإلهى من استعداد خاص، وتجرد عن عالم البشر، وإلى ما لاقى النبى ﷺ من معاناة أثناء تنزيل الوحي عليه، حتى أن الملامس لجسده الشريف، كان يشعر به كما مر من حديث زيد بن ثابت ﵁.
فإذا رجعت للآيات الكريمة والتى تتكلم عن الوحي، تستطيع الآن أن تتفقهها؛ لا فى إعجازها المجرد، وإنما فى هيئة وقعها الحى على صاحب الرسالة ﷺ، ومن عايشه بها من صاحبته رضوان الله عليهم أجمعين.
ولتنظر الان كيف تتناول كتب التفسير للقرآن الكريم آية من تلك الآيات وهى قوله تعالى: ﴿إنا سنلقى عليك قولًا ثقيلا﴾ (٣) بالتفسير والشرح لنرى أى التفاسير أقرب فى تيسير فهم الآية؛ التفسير اللغوى، أو التصوير البيانى، أو التأويل التكليفى، أو التفسير بالمأثور من السنة النبوية، والسيرة العطرة؟.
جاء فى تفسير الألوسى: "قولًا ثقيلًا": هو القرآن العظيم، فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة، ثقيل على المكلفين، سيما على رسول الله ﷺ، فإنه مأمور بتحملها وتحميلها للأمة. ونحو هذا جاء فى تفسير الكشاف (٤) .
وقيل: ثقيل فى الميزان، وهو اختيار ابن جرير الطبرى (٥) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص١٥٠ رقم ٧٢١، والاستيعاب ٣/٢٥٦ رقم ١٦٣٦، وأسد الغابة ٣/٣٤٥ رقم ٣٠٩٢، والإصابة ٢/٣٥١ رقم ٤٨٦٥.
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/٢٢٢، وعزاه إليه، وإلى الطبرانى بإسناد حسن الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٦.
(٣) الآية ٥ المزمل.
(٤) ٤/١٧٥.
(٥) ينظر: جامع البيان عن تأويل آى القرآن ٢٩/٨٠.
[ ٥٧ ]
وقيل: ثقله على الكافرين والمنافقين بإعجازه ووعيده، وقيل غير ذلك (١) .
وفى تفسير القرطبى: قولًا ثقيلًا: صلاة الليل! أى سنلقى عليك بافتراض صلاة الليل قولًا ثقيلًا يثقل حمله، لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل شديد على النفس، ومجاهدة للشيطان فهو أمر يثقل على العبد" (٢) .
وفى تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ثقيلًا: أى ثقيل وقت نزوله من عظمته، ثم ساق الروايات السابقة التى تبين أحوال النبى ﷺ وقت نزول الوحي عليه" (٣) .
ومن كل ما سبق من أوجه التفسير، يتبين لك كيف أن التفسير الذى اعتمد على المأثور من سنة النبى ﷺ، وسيرته العطرة، كان من أقرب وأقوى التفاسير فى تيسير فهم الآية، مع صحة بقية الأوجه الأخرى فى تفسيرها.
وتبدو أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها فى تقييد مطلق الآيات القرآنية، أو تخصيص عامها؛ وهذه ناحية هامة جدًا يترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية.
أ- فمثال تخصيص السيرة العطرة لعام القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (٤) فالظاهر من قوله تعالى: "وأرجلكم" الأمر بغسل الرجلين على قراءة النصب عطفًا على قوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" وهو الواجب أيضًا على قراءة الخفض عطفًا على قوله ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ فالمراد بمسح الرجلين غسلهما (٥) .
_________________
(١) روح المعانى ٢٩/١٠٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٩/٣٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٨/٢٧٧.
(٤) اٍلآية ٦ المائدة.
(٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٥٤، ٤٩.
[ ٥٨ ]
.. وقد توهم بعض السلف (١) كما توهم الخوارج والروافض أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روى ذلك عن على بن أبى طالب ﵁ (٢) ولكنه لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه (٣) .
ودعوى النسخ مردودة بما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ بالمسح على الخفين بعد نزول آية المائدة، ويدل على ذلك ما روى عن جرير بن عبد الله البجلى ﵁ (٤) حيث بال ثم توطأ، ومسح على خفيه. فقيل: أتفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال: إبراهيم (٥)
_________________
(١) ذهب إلى ذلك ابن شاهين فى كتابه الناسخ والمنسوخ من الحديث ص١٤٩ – ١٥٤.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص١١ رقم٥، وأسد الغابة ٤/٨٧ رقم ٣٧٨٩ والاستيعاب ٣/١٠٨٩ رقم ١٨٥٥، والإصابة ٢/٥٠٧ رقم ٥٧٠٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣/٥٤، وينظر: تلخيص الحبير لابن حجر ١/٤١٥، ٤١٦.
(٤) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٥٦ رقم ٢٧٥، وٍأسد الغابة ١/٥٢٩ رقم ٧٣٠، والاستيعاب ١/٢٣٦ رقم ٣٢٢، وتجريد أسماء الصحابة ١/٨٢.
(٥) هو إبراهيم بن سويد النخعى، ثقة، لم يثبت أن النسائى ضعفه. له ترجمة فى: تقريب التهذيب ١/٥٧ رقم ١٨٤، والثقات للعجلى ص٥٢ رقم ٢٦، ومشاهير علماء الأمصار ص١٩٤ رقم ١٢٩٠.
[ ٥٩ ]
: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة" (١) وهو ما صرح به جرير ﵁ ردًا على من تأول أن مسح النبى ﷺ على الخفين قبل نزول المائدة، فأجاب قائلًا: "ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة" (٢) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٢/١٦٦، ١٦٧ رقم ٢٧٢، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب الصلاة فى الخفاف ١/٥٨٩ رقم ٣٨٧.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/٣٩ رقم ١٥٤، والترمذى فى سننه كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/١٥٦ رقم ٩٤، وقال الترمذى: وهذا حديث مفسر، لأن بعض من أنكر المسح على الخفين، تأول أن مسح النبى ﷺ كان قبل نزول آية الوضوء التى فى المائدة، فيكون منسوخًا، فذكر جرير فى حديثه أنه رآه يمسح بعد نزول المائدة، فكان أصحاب ابن مسعود يعجبهم حديث جرير لأن فيه ردًا على أصحاب التأويل المذكور أهـ وينظر: فتح البارى ١/٥٩٠ رقم ٣٨٧.
[ ٦٠ ]
.. فإذا كانت آية المائدة نزلت فى غزو المريسيع سنة خمس، وقيل سنة ست هجرية، ومسحه ﷺ كان فى غزوة تبوك سنة تسع هجرية على ما جاء فى رواية المغيرة بن شعبة (١) فإن هذا يدل على أن فعله ﷺ محكم وأنه مع الآية الكريمة يخصص عمومها.
قال الإمام النووى (٢): "فلو كان إسلام جرير متقدمًا على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه فى مسح الخفين منسوخًا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرًا علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة المطهرة مخصصة لعموم الآية" (٣) .
_________________
(١) فعنه قال: "إن رسول الله ﷺ ذهب لحاجته فى غزوة تبوك، قال المغيرة: فذهبت معه بماء، فجاء رسول الله ﷺ، فسكبت عليه الماء، فغسل وجهه، ثم ذهب يخرج يديه من كمى جبته، فلم يستطع من ضيق كمى الجبة، فأخرجهما من تحت الجبة، فغسل يديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين" أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/٥٩ رقم ٤١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، ٧/ ٧٣١ رقم ٤٤٢١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ٢/١٦٨ رقم ٢٧٤، وينظر: فتح البارى ١/٣٦٨ رقم ٢٠٣، وشرح الزرقانى على الموطأ ١/٩٦ رقم ٧٠.
(٢) هو أبو زكريا، يحيى بن شرف الحوارنى، الشافعى، كان إمامًا حافظًا متفنًا، صاحب تصانيف نافعة فى الحديث، والفقه، وغيرها "كشرح مسلم" و"شرح المهذب" و"المبهمات" وغير ذلك مات سنة ٦٧٦هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٠ رقم ١١٦٢، وشذرات الذهب ٥/٣٤٥، وطبقات الشافعية لابن كثير ٢/٩٠٩.
(٣) المنهاج شرح مسلم ٢/١٧٠ رقم ٢٧٢.
[ ٦١ ]
.. على أنه قد يقال: قد ثبت فى آية المائدة القراءة بالجر "وأرجلكم" عطفًا على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين كما بينته السيرة النبوية، ويتم ثبوت المسح بالكتاب والسيرة، وهو أحسن الوجوه التى توجه بها قراءة الجر.
وعلى جواز المسح على الخفين فى السفر والحضر، سواء كان لحاجة أو لغيرها إجماع من يعتد به فى الإجماع، ولا يعتد بإنكار الشيعة والخوارج لتلك الرخصة، ولا بخلافهم فى ذلك (١) .
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق فى الأماكن السابقة نفسها.
[ ٦٢ ]
.. قال الحافظ ابن كثير (١): "وقد ثبت بالتواتر (٢) عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولًا منه وعملًا (٣) وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند، بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت فى صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علىَّ بن أبى طالب ﵁ (٤)
_________________
(١) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء، الدمشقى، الشافعى، كان عالمًا حافظًا فقيهًا، ومفسرًا نقادًا، ومؤرخًا كبيرًا، من مصنفاته: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، مات سنة ٧٧٤هـ. له ترجمة فى: الدرر الكامنة لابن حجر ١/٣٧٣ رقم ٩٤٤، وطبقات المفسرين للداودى ١/١١١ رقم ١٠٣، وشذرات الذهب ٦/٢٣١، والبدر الطالع للشوكانى ١/١٥٣ رقم ٩٥.
(٢) قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٢/٢٣٩ رقم ٢١٩٠ "روى عن النبى ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة، ونقل ابن المنذر، والنووى، عن الحسن البصرى قال: حدثنى سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه كان يمسح على الخفين، كما نقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: ليس فى المسح على الخفين عن الصحابة ﵃ اختلاف، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته" أهـ ينظر: المنهاج شرح مسلم ٢/١٧٠ رقم ٢٧٢، والروضة الندية شرح الدرر البهية للقنوجى ١/٤١، ٤٢، وتلخيص الحبير ١/٤١٥، وفتح البارى ١/٣٦٥ رقم ٢٠٢، وشرح الزرقانى على الموطأ ١/٩٥ رقم ٧٠.
(٣) ينظر تفصيل أحكام المسح على الخفين فى: نيل الأوطار ١/١٧٦، وسبل السلام ١/٨٦، وفقه السنة للشيخ السيد سابق ١/٥٧.
(٤) يشير إلى ما رواه مسلم عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبى طالب، فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر؛ ويوما وليلة للمقيم" أهـ أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الطهارة، باب التوقيت فى المسح على الخفين ٢/١٧٨ رقم ٢٧٦، وروى عن على بن أبى طالب ﵁ قال: "لو كان الدين بالرأى، لكان أسفل الخف أولى من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظهر خفيه" أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب كيف المسح ١/٤٢ رقم ١٦٢ وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر فى تلخيص الحبير ١/٤١٨، وأخرجه البيهقى فى معرفة السنن والآثار كتاب الطهارة، باب كيف المسح على الخفين ١/٣٥٢ رقم ٤٤٤.
[ ٦٣ ]
مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه آية المائدة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح فى نفس الأمر" (١) .
فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها فى تخصيص عام غسل الرجلين فى قوله تعالى "وأرجلكم" بما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ بالمسح على الخفين، ورد دعوى نسخ آية المائدة لتلك الرخصة النبوية.
ب- ومثال تقييد السيرة العطرة لمطلق القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾ (٢) وهذه الآية الكريمة مطلقة لم تقيد قطع اليد بموضع محدد، لأن اليد تطلق على الأصابع، والكف، والرسغ، والساعد، والمرفق، والعضد. ولكن السيرة العطرة بينت ذلك، وقيدت القطع بمقدار الكف فقط من يد واحدة. وذلك حينما أتى بسارق إلى النبى ﷺ فقطع يده من مفصل الكف (٣) .
فلولا السيرة العطرة لما استطعنا فهم المراد من الآية الكريمة، ولما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح.
والذى أخلص إليه من كل ما تقدم، التأكيد على أن أهمية السيرة النبوية فى تفسير القرآن الكريم، والوقوف من خلالها على فهم أدق وأقرب لآيات القرآن هو أمر فى غاية الجلاء.
وهو وإن كان لا يخلو من الاعتماد عليه كتاب تفسير، إلا أن المطلوب إنما هو التركيز عليه، بحيث لا يطغى الاهتمام بالشكل، والأمور الجانبية على هذا الفحوى والمضمون؛ وهو ما يشاهد فى غالبية كتب التفسير، الأمر الذى أصبح يشكل عبئًا ظاهرًا فى تناول أمر هداية القرآن حتى على طلبة العلم والمتخصصين منهم.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/٥٤ بتصرف يسير.
(٢) الآية ٣٨ المائدة.
(٣) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى كتاب السرقة، باب السارق يسرق أولًا فتقطع يده اليمنى من مفصل الكف ٨/٢٧٠، ٢٧١.
[ ٦٤ ]
فإن هذه العلوم مِنْ لغوية - نحوية، وبلاغية - وغيرها وإن كانت وسائل يستعان بها على فهم القرآن، والوقوف على أسرار بيانه، إلا أنه لا ينبغى أن تكون هى الشغل الشاغل عن الهداية العملية للقرآن، هذه التى سرت روحها فى الرعيل الأول، فتفجرت منها ينابيع العلم والمعارف، ودانت لهم الدنيا بأسرها.
فكيف إذا جاوز الأمر الوقوف على الوسائل إلى قضايا جانبية من القضايا الفلسفية، والأهواء الشخصية، فإنه عند ذلك يبعد كثيرًا عن القصد ولا يحقق المطلوب (١) . أهـ