وقال قاسم أحمد (١): "يبدو جليًا أن طاعة الرسول تعنى طاعة الله، لأن الرسول ليس سلطة مستقلة، فهو كرسول له حق التبليغ، تبليغ الرسالة، وطاعته من طاعة الله، وكما ذكر فى القرآن فى مرات عديدة ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (٢) يعنى: ملاحظة أن القرآن استخدم كلمة الرسول، ولم يقل "محمد" إذن فالطاعة للرسول أى الرسالة التى أرسل بها من قبل الله فمثل هذه الآيات التى تتضمن أن طاعة الله مقترن بها طاعة الرسول، تفسرها آيات أخرى تتضمن أن الطاعة واجبة فقط لله" (٣) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولًا: تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة "الرسول" فى كتاب الله ﷿ بأنها القرآن الكريم، دون شخص النبى محمد ﷺ، أمر برفضه القرآن الكريم، وتأمل معى الآيات التالية:
١- قال تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ (٤) فهل يصح من عاقل؛ أن يفسر كلمة الرسول فى الآية بأنها القرآن؟! ويكون المعنى: وما محمد إلا قرآن قد خلت من قبله القرآن أو الرسل؟!.
_________________
(١) كاتب ماليزى معاصر، ورئيس الحزب الاشتراكى الماليزى - سابقًا - من مؤلفاته: إعادة تقييم الحديث، أنكر فيه حجية السنة النبوية، وحجية السيرة العطرة الواردة فى السنة.
(٢) الآية ٩٩ المائدة.
(٣) إعادة تقييم الحديث ص٨٠، وينظر: الإمام الشافعى وتأسيس الأيدلوجية الوسطية لنصر حامد أبو زيد ص٨٣، ٨٤، والدولة والمجتمع لمحمد شحرور ص١٥٥، والحقيقة من الحقائق المسكوت عنها لنيازى عز الدين ص٣٤٨، وغيرهم ممن زعم أن مهمة الرسول فى رسالته قاصرة على بلاغ القرآن فقط. يراجع: ص٣٢٧، ٣٢٨.
(٤) الآية ١٤٤ آل عمران.
[ ٥٣١ ]
٢- وقال ﷿ ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ (١) فهل يصح من أعداء الإسلام تأويل "ورسوله" بمعنى "وقرآنه" وبالتالى ينكرون ما هو ثابت بالتواتر من هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة؟! تلك الهجرة التى كانت واجبة قبل فتح مكة، حتى أن الله ﷾ نهى عن اتخاذ من لم يهاجر وليًا حتى يهاجر، كما قال ﷿: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا﴾ (٢) فهل حديث القرآن عن الهجرة فى هذه الاية وغيرها، يعنى: الهجرة إلى القرآن؟!.
كيف وقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا﴾ صريح فى أنها هجرة حقيقية، من مكان إلى مكان، وهو الثابت تاريخيًا؛ من هجرة رسول الله من مكة إلى المدينة، وهجرة الصحابة بعد ذلك إليه ﷺ وهو ما يؤكد أن قوله "ورسوله" تعنى شخص النبى محمد ﷺ.
٣- وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ (٣) فهل يصح أو يعقل أن يكون المراد بالآية: آمنوا بالله وكتابه – والكتاب الذى نزل على قرآنه؟!.
_________________
(١) الآية ١٠٠ النساء.
(٢) الآية ٧٢ الأنفال.
(٣) الآية ١٣٦ النساء.
[ ٥٣٢ ]
٤- وقال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون. قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (١) .
إن هاتين الآيتين تفيدان مع سابقتهما، أن كلمة "الرسول" مرادًا بها شخص رسول الله ﷺ، ولا يصح بحال أن تفسر كلمة "الرسول، بأنها القرآن، كما يزعم الأدعياء. فتكون الآية هكذا: "الذين يتبعون القرآن النبى الأمى" و"قل يا أيها الناس إنى قرآن الله إليكم جميعًا" و"فآمنوا بالله وقرآنه النبى الأمى" (٢) .
إن الآيات السابقة كلها تصرح فى وضوح وجلاء لمن عنده عقل، أن كلمة "الرسول" إنما تعنى شخص النبى محمد ﷺ، وفى الآيات أيضًا الدلالة الواضحة على وجوب اتباعه وطاعته ﷺ طاعة مطلقة فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، حتى ولو كان خارجًا عن القرآن الكريم بدلالة (ويحل، ويحرم، ويضع) فى قوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ وتصرح الآيات بأن فى هذا الاتباع والطاعة له ﷺ، الفلاح والهداية إلى طريق مستقيم: ﴿واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ ٠
_________________
(١) الآيتان ١٥٧، ١٥٨ الأعراف مع الآية ٨١ آل عمران ﴿ثم جاءكم رسول لما معكم﴾ ٠
(٢) وللاستزادة ينظر: ما ذكره الفيروز آبادى فى بصائر ذوى التمييز ٢/٧٢ فقد قال: الرسول فى القرآن؛ ورد على اثنى عشر وجهًا وعدها، وليس منها القرآن أهـ.
[ ٥٣٣ ]