من القرآن الكريم والعقل:
جاءت آيات فى القرآن الكريم تثبت عصمته ﷺ وصدقه فى كل ما يبلغ عن الله تعالى، وهذه الآيات تتضمن أيضًا أدلة عقلية على صدقه ﷺ. من هذه الآيات ما يلى:
أ- قول الله تعالى: ﴿وصدق الله ورسوله﴾ (١) وقوله سبحاه: ﴿والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ (٢) والذى جاء بالصدق كما يدل عليه سياق هذه الآية هو نبينا محمد ﷺ، وقد شهد لما جاء به من عنده سبحانه (قرآنًا وسنة) سماه صدقًا، ويلزم من صدق ما أتى به، صدقه هو فى نفسه، إذ لا يأتى بالصدق إلا كامل الصدق، وذلك مما لا جدال فيه حيث كان صدقه معلومًا منذ حداثة سنه، وشهد له بذلك أعداؤه قبل أصدقائه، فإن الأعداء من الكفرة والمشركين لم يكونوا يشكون يومًا فى صدقه، كما قال ﷿ ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ (٣) وكما كانوا يشهدون له بذلك فى مواقف مختلفة، تقدم ذكر بعضها (٤) .
_________________
(١) جزء من الآية ٢٢ الأحزاب.
(٢) الآية ٣٣ الزمر.
(٣) الآية ٣٣ الأنعام.
(٤) يراجع: ص٨ - ١٠، وينظر: ٢٧٠ - ٢٧٨.
[ ٣٩٩ ]
.. وإذا كانت الآيات السابقة شهادات حسية على صدقه فى كل ما يبلغ عن ربه، فهناك شهادات معنوية على صدقه ﷺ تتمثل فى تأييد الله ﷿ له ﷺ بالمعجزات المنزلة منزلة قوله ﷿: "صدق عبدى فيما يبلغ عنى" ومن هذه المعجزات: القرآن الكريم، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتكثير الطعام، والإخبار بمغيبات كثيرة (١) وتأييده له بالنصر على الأعداء، على قلة جنده وضعف عدته فى معركة إثر معركة، ولقاء بعد لقاء، وكل ذلك منزل منزلة قول مرسله ﵎: "صدق عبدى فيما يبلغ عنى".
إذ أن تأييده بذلك كله، وهو يدعى أنه مرسل من عند ربه، وهو على مسمع من ربه سبحانه ومرأى، وهو جل شأنه لا يزال يؤيده بكل ذلك: دليل على كمال صدقه، وعصمته فى كل ما يبلغه من قرآن وسنة، إذ لو كان بخلاف ذلك لما أيده، ولفضح أمره للملأ، كما هى سنته سبحانه فيمن حاولوا الكذب عليه.
ب- وقال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فهذه الآيات دليل صدقه وعصمته فى تبليغه الوحي (قرآنًا وسنة) بدليل التمانع، فقد امتنع أخذه سبحانه لنبيه ﷺ بتلك الصفة، لامتناع تقوله عليه، وامتناع التقول عليه يعنى الصدق والعصمة فيما يقول ويبلغ عن ربه.
قلت: وفى الآيات دلالة على أن القرآن الكريم، والسنة المطهرة من عند الله تعالى وهو استدلال بما هو مقرر فى الأذهان، من أن الله ﷿ لا يقرر أحدًا على أن يقول عنه كلامًا لم يقله.
_________________
(١) ينظر: دلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٣٢٥ – ٥٧٢، ودلائل النبوة للبيهقى ٦/٥ – ٥٥٢ والخصائص الكبرى للسيوطى ١/٧٨ – ٤٤٣، ٢/٣ – ٢٩٦، ومعجزات الرسول ﷺ، التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.
(٢) الآيات ٤٤ – ٤٧ الحاقة.
[ ٤٠٠ ]
.. أى: لو لم يكن القرآن والسنة منزلين من عندنا، ومحمد ادعى أنهما منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه ﷺ دال على أنه لم يقل على الله ما لم يقله عزوجل، لأن "لو" حرف امتناع، لامتناع، فامتنع ذلك من الله ﷿، لامتناع سيدنا محمد ﷺ عن هذه الأشياء.
قال الحافظ ابن كثير: بعد أن فسر هذه الآيات: "والمعنى فى هذا بل هو صادق بار راشد، لأن الله ﷿ مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات" (١) .
وبالجملة: فالآيات من جملة مدحه، ودليل عصمته فى البلاغ لوحى الله تعالى، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه (٢) قال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلًا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلًا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين﴾ (٣) .
جـ- وقال سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٤) فكلمة "ينطق" فى لسان العرب، تشمل كل ما يخرج من الشفتين قول أو لفظ (٥) أى: ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ﷿ (٦) .
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٨/٢٤٥، وينظر: الكشاف ٤/٦٠٧، والتحرير والتنوير ٢٩/١٤٤.
(٢) شرح الزرقانى على المواهب ٩/٥٣.
(٣) الآيات ٣٨ – ٤٣ الحاقة.
(٤) الآيتان ٣، ٤ النجم.
(٥) ينظر: القاموس المحيط ٣/٢٧٧، ومختار الصحاح ص٦٦٦، ولسان العرب ١٠/٣٥٤.
(٦) الجامع لأحكام القرآن ١٧/٨٤، ٨٥.
[ ٤٠١ ]
.. ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصور فى كونه وحيًا لا يتكلم إلا به وليس بغيره (١) وفى هذا دليل واضح على عصمته ﷺ، فى كل أمر بلغه عن ربه من كتاب وسنة، فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه، ولا يقول إلا ما أمر به فبلغه إلى الناس كاملًا من غير زيادة ولا نقصان، وهذه شهادة وتزكية من الله ﷿ لنبيه ورسوله ﷺ فى كل ما بلغه للناس من شرعه تعالى.
د- وقال ﷿: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ (٢) فهذه الآيات من جملة الآيات المادحة للمصطفى ﷺ، والشهادة بعصمته فى كل ما يبلغ عن ربه ﷿. وحكم "كاد" فى الآيات حكم سائر الأفعال، فمعناها: منفى إذا صحبها حرف نفى، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل كاد زيد يبكى، فمعناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكى، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة" (٣) والشرط فى الآيات على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، والمعنى: لولا ثبوت تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئًا يسيرًا من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود تثبيتنا إياك.
_________________
(١) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص٥٥، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٤٧، ٤٨.
(٢) الآيات ٧٣ – ٧٥ الإسراء.
(٣) شرح الزرقانى على المواهب ٩/٥٢.
[ ٤٠٢ ]
.. فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليهم، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته.
وبالجملة: فسياق الآيات بين واضح فى أن رسول الله ﷺ لم يركن إليهم أبدًا، وإلا لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره فى هذه الآيات، وحيث إن رسول الله لم يقع له شئ من ذلك، فلم يعذبه ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، ولم يتخلى عنه طرفة عين، كما تشهد بذلك سيرته العطرة، دل ذلك على أنه ﷺ، لم يتقول على ربه مالم يقله، ولم يفتر شيئًا من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته فى كل ما بلغه عن ربه من وحى الله تعالى قرآنًا وسنة.
قال القاضى عياض: "فى الآية دليل على أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار، وراموه من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته ﷺ وهو مفهوم الآية" (١) .
هـ- وقال سبحانه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ (٢) .
_________________
(١) الشفا ٢/١٢٩ وينظر: محمد مفخرة الإنسانية لمحمد فتح الله كولن ٢/٢٢٥.
(٢) الآية ٨٠ النساء.
[ ٤٠٣ ]
.. قال الإمام القسطلانى (١): "يعنى: من أطاع الرسول لكونه رسولًا مبلغًا إلى الخلق أحكام الله فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا الله وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول ﷺ معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله، وأيضًا وجب أن يكون معصومًا فى جميع أحواله، لأنه تعالى أمر بمتابعته فى قوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له فى جميع أقواله وأفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى" (٣) .
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن على القسطلانى، المصرى، الشافعى، الإمام الحافظ، العلامة، الحجة، الرحالة، الفقيه، المقرئ، المسند، من مؤلفاته النافعة: عمدة القارى بشرح صحيح البخارى، والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية، مات سنة ٩٢٣ له ترجمة فى: الضوء اللامع للسخاوى ٢/١٠٣، ١٠٤، والبدر الطالع للشوكانى ١/١٠٢، ١٠٣، ومعجم المؤلفين لكحالة ٢/٨٥، والرسالة المستطرفة للكتانى ص٢٠٠.
(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.
(٣) المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٨/٥٠٥، ٥٠٦.
[ ٤٠٤ ]
وليس أدل على عصمة رسول الله ﷺ فى تبليغ وحى ربه، من تبليغه حتى ما يمس جنابه العظيم، من العتاب الذى كان يوجهه الله تعالى إليه، كما هو مقتضى تأديب الله تعالى له ﷺ الدال عليه ما روى عنه ﷺ من حديث ابن مسعود رضى الله يرفعه: "أدبنى ربى فأحسن تأديبى" (١) وذلك كما فى قوله جل شأنه: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٣) إلى غير ذلك من آيات العتاب التى سبق ذكرها والجواب عما يشكل من ظاهرها فى عدم عصمته ﷺ (٤) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٤٥.
(٢) الآية الأولى التحريم.
(٣) جزء من الآية ٣٧ الأحزاب.
(٤) يراجع ص١٤٨ – ١٨١.
[ ٤٠٥ ]
.. فآيات العتاب فى القرآن الكريم ما كان ليتفوه النبى ﷺ بها لولا كمال عصمته فى البلاغ وكمال أمانته فيه، لأن كتمان ذلك فى نظر العقول البشرية ستر على النفس الشريفة، واستيفاء لحرمة آرائه، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه، ولذلك قال أنس بن مالك ﵁: "لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا، لكتم هذه الآية ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (١) وعن عائشة ﵂ قالت: "من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٢) ولقد صدق أنس، وصدقت عائشة ﵄، وبرا، فما أدق استنباطهما فى الدلالة على عصمة رسول الله ﷺ فى بلاغه وحى الله إلى الناس!.
_________________
(١) الآية ٣٧ الأحزاب، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء ١٣/٤١٥ رقم ٧٤٢٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان" باب معنى قول الله ﷿: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ ٢/٩ رقم ٢٨٨ من حديث عائشة.
(٢) الآية ٦٧ المائدة، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٢٨٨، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب يا أيها الرسول بلغ الخ ٨/ ١٢٤ رقم ٤٦١٢، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ .. الخ ١٣/٥١٢ رقم ٧٥٣١.
[ ٤٠٦ ]
ز- وقال تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ (١) ففى هذه الآية الكريمة يزكى رب العزة نبيه، ويشهد له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فقوله "بضنين" قرأت بالظاء، أى: ما هو على ما يخبر به من الوحي إليه، وغيره من الغيوب، بمتهم، وقرأت بالضاد "بضنين" من الضن: وهو البخل، أى: لا يبخل بالتعليم والتبليغ (٢) بل يبذله لكل أحد، كما قال قتادة: كان القرآن
غيبًا، فأنزله الله تعالى على محمد، فما ضن به على الناس، بل نشره وبلغه، وبذله لكل من أراده، قال الحفاظ ابن كثير: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح (٣) .
ح- وقال سبحانه: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ (٤) فهذه شهادة من رب العزة لنبيه ﷺ بالبلاغ المبين وعصمته فيه، حيث أباح لنبيه الإعراض عن المشركين، وأخبر أنه غير ملوم فى إعراضه عنهم، وما ذاك إلا لأنه أدى لهم الرسالة، وبذل معهم غاية الجهد، بحيث إنهم اعترفوا بذلك فى قولهم كما حكاه رب العزة عنهم: ﴿أهذا الذى بعث الله رسولا إن كان ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها﴾ (٥) .
قال الإمام الزمخشرى: "قولهم إن كاد ليضلنا دليل على فرض مجاهدة رسول الله ﷺ، فى دعوتهم، وبذل قصارى الوسع والطاقة فى استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم" (٦) .
_________________
(١) الآية ٢٤ التكوير.
(٢) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى ٥/٢٩٠، ٢٩١.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٨/٣٦٢، وينظر: النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص٢٤ – ٢٧.
(٤) الآية ٥٤ الزاريات.
(٥) الآيتان ٤١، ٤٢ الفرقان.
(٦) الكشاف ٣/٩٣.
[ ٤٠٧ ]
.. وبعد: فهذه شهادات من الله ﷿ لرسوله ﷺ بعصمته فى أداء واجب البلاغ على أكمل وجه (وكفى بالله شهيدًا) ولم يكتف ﷿ لحبيبه محمد ﷺ بهذه الشهادات، بل لقد أضاف إليها شهادة أخرى بأسلوب آخر، حيث قال جل شأنه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ (١) فإن كمال الدين لا يكون إلا بالتبليغ لجميع أحكامه، وما أوحى الله إليه من كتاب وسنة، وعصمته فى هذا البلاغ.
_________________
(١) جزء من الآية ٣ المائدة.
[ ٤٠٨ ]
.. ومع ما شهد الله له بالعصمة فى بلاغ الوحي، فإنه ﵊ أحب أن تشهد له أمته بذلك فاستنطقها بذلك فى أعظم المحافل، وذلك فى يوم عرفه فى حجة الوداع، حيث قال لهم فى خطبته العظيمة ذلك اليوم: "وأنتم تسالون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات" (١) فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم (٢) وفى حديث سمرة بن جندب ﵁ (٣) فى قصة الكسوف قال ﷺ: "يا أيها الناس، إنما أنا بشر، ورسول الله، فأذكركم الله إن كنتم تعلمون إنى قصرت عن شئ من تبليغ رسالات ربى لما أخبرتمونى! قال: فقام الناس فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذى عليك" (٤) .
فهكذا كانت سناء أخلاقه ﷺ العظيمة تحمله على أن يتحسس من أصحابه أن يخبروه إن وجدوا منه ﷺ تقصيرًا فى واجب البلاغ، وذلك لكمال خشيته لله ﷿ وأمانته فيما اؤتمن عليه، وإلا فإنه يعلم أنه المعصوم عن ذلك، فإن كان جانب البشرية منه يجوز له التقصير، فإن واجب العصمة تمنعه منه، ويدفعه إلى كمال البلاغ.
_________________
(١) جزء من حديث جابر بن عبد الله ﵁ فى بيان حجة النبى ﷺ. أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ ٤/٤٢٩، ٤٣٢ رقم ١٢١٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٤٢.
(٣) صحابى جليل له ترجمة فى أسد الغابة ٢/٥٥٤ رقم ٢٢٤٢، والاستيعاب ٢/٦٥٣ رقم ١٠٦٣، ومشاهير علماء الأمصار ص٤٩ رقم ٢٢٣، والرياض المستطابة ص١٠٧، ١٠٨.
(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ١/٤٧٨، ٤٧٩ رقم ١٢٣٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.
[ ٤٠٩ ]