من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية
تجلت رعاية الله ﷿ وعصمته لرسوله ﷺ فى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وهو فى عالم الذر، وتحدث الوحي الإلهى (قرآنًا وسنةً) بذلك بيانًا لمنَّة الله ﷿ على نبيه ﷺ قال تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا﴾ (١) .
ووجه الاستدلال بالآية أنه إذا عهد إلى الأنبياء جميعًا وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه، وتوحيده. دل ذلك على عصمتهم فى عقولهم وعقيدتهم، فلا يصدر عنهم ما يخالف ذلك لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا يقول بغير ذلك إلا من يرد على الله ﷿ كلامه باصطفائهم وعصمتهم!.
وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (٢) .
_________________
(١) الآية ٧ الأحزاب.
(٢) الآية ٨١ آل عمران.
[ ٨٠ ]
.. وهذا غاية التكريم من الله ﷿ لنبيه ﷺ بأخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به، وينصروه إن ظهر فى زمانهم، وفى ذلك إشارة إلى أنه ﷺ نبى الأنبياء (١) وفى السنة المطهرة ما يؤكد الآية الكريمة، فعن ميسرة الفجر ﵁ (٢) قال: قلت لرسول الله ﷺ متى كنت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (٣) .
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ١/٥٧.
(٢) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ص٢٣٧ رقم ١٢٩٥، وأسد الغابة ٥/٢٧٢ رقم ٥١٥٤، وتجريد أسماء الصحابة ٢/٩٩، والاستيعاب ٤/١٤٨٨ رقم ٢٥٨٢.
(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٦٦٥ رقم٤٢٠٩،وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وأخرجه أحمد فى المسند ٥/٥٩،وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٣ رواه أحمد، والطبرانى، ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ١/٨٥،٢/١٢٩،وللحديث شاهد من حديث أبى هريرة= =﵁ أخرجه الترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب فضل النبى صلى الله عليه وسلم٥/٥٤٥ رقم ٣٦٠٩ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبى هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والحاكم فى المستدرك ٢/٦٦٥ رقم ٤٢١٠، أخرجه شاهدًا لحديث ميسرة، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٤٨ رقم ٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/١٣٠.
[ ٨١ ]
.. وعن العرباض بن سارية ﵁ (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنى عبد الله وخاتم النبين، وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين، وأن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته له نورًا أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا: ﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ (٢) .
والشاهد مما سبق أن الله ﷿ اصطفى أنبياءه ورسله وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه وتوحيده، وفضل بعض النبيين على بعض، فجعل سيدنا محمدا ﷺ إمامهم، وأخذ منهم الميثاق فى عالم الأزل بالإيمان بنبوته ونصرته.
وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه ما يناقض عصمته فى عقله وعقيدته من الشرك، أو الشك، أو غيره من الذنوب صغائر كانت أم كبائر فهذا مالا يجوزه إلا ملحد (٣) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تاريخ الصحابة ١٩٩ رقم ١٠٦٢، وأسد الغابة ٤/١٩ رقم ٣٦٣٠، والاستيعاب ٣/١٢٣٨ رقم ٢٠٢٦، والإصابة ٢/٤٧٣ رقم ٥٥٠١.
(٢) الآيتان ٤٥، ٤٦ الأحزاب، والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٤٥٣، ٦٥٦ رقمى ٣٥٦٦، ٤١٧٥ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى وأحمد فى المسند ٤/١٢٧،وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٣ رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبرانى بنحوه، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" كتاب التاريخ، باب صفته ﷺ وإخباره ٨/١٦٠، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٤٨ رقم ٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/١٣٠.
(٣) الشفا ٢/١١٠ بتصرف، وينظر: نسيم الرياض فى شرح الشفا ٤/٤١، ٤٢.
[ ٨٢ ]
.. وعليه فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع أو عدمه، أو من حيث امتناعه سمعًا أوعقلًا!.
فعصمة الرسل والأنبياء مبنية على إرادة إلهية، وهى اصطفاء الله ﷿ لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد!
وإليك نماذج من دلائل عصمة رسول الله ﷺ: