من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية
المراد بعصمة النبى ﷺ فى بدنه هنا، عصمته من القتل، أما الأمراض والآفات الغير منفرة فلا. لأن رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء والرسل، من البشر. وهم بحسب ظواهرهم يطرأ عليها ما يطرأ على سائر البشر من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام.
وهذا كله ليس بنقيصه فيهم لأن الشئ إنما يسمى ناقصًا بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله ﷿ على أهل هذه الدار كلها، بأنهم فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون. فالمرض والشكوى منه والتداوى، والإحساس بالحر والبرد، وإدراك الجوع والعطش، والغضب والضجر، والتعب والضعف والموت. كل ذلك سمات البشر كلها، والتى لا محيص عنها، وقد جرى على خير خلق الله ﷿ من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام السمات السابقة، كما ابتلاهم الله ﷿ بضروب من المحن، وذلك من تمام حكمته عزوجل لحكم منها ما يلى:
ليتحقق بامتحانهم بشريتهم، ويرتفع الالتباس من أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم، ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، وضلال اليهود بعزيز.
ليظهر شرفهم، ورفعة درجاتهم، كما قال ﷿: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾ (١) .
تسلية لأممهم، وتذكرة لهم ليتأسوا بهم فى البلاء، ويستخرجوا حالات الصبر، والرضى، والشكر، والتسليم، والتوكل ونحو ذلك مما وقع منهم.
فى امتحانهم محو لهنات فرطت منهم أو غفلات سلفت لهم - إن صح التعبير - ليلقوا الله عزوجل طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأجزل (٢) .
_________________
(١) الآية ٣١ محمد.
(٢) الشفا ٢/١٧٨، ٢٠٤ بتصرف، وذكر حكم أخرى للبلاء فى المصدر نفسه ٢/٢٠٧ - ٢١٠.
[ ١٢٩ ]
وكل ذلك تحقيقًا لما أجمله القرآن الكريم ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ (٢) وهذا ما فصله وبينه النبى ﷺ فى أحاديث عدة منها ما يلى:
١- عن سعد بن أبى وقاص ﵁ (٣) قال: قلت: يا رسول الله! أى الناس أشد بلاءً قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبلتى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة" (٤) .
وقوله ﷺ قال الله تعالى: "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك" (٥) .
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (٦) .
_________________
(١) الآية ٣١ محمد.
(٢) جزء من الآية ٢ الملك.
(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٤٥٢ رقم ٢٠٣٨، وتذكرة الحفاظ ١/٢٢ رقم ٩، والرياض المستطابة ص٩١، وتجريد أسماء الصحابة ١/٢١٨، والاستيعاب ٢/٦٠٦ رقم ٩٦٣.
(٤) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الزهد، باب ما جاء فى الصبر على البلاء ٤/٥٢٠ رقم ٢٣٩٨ وقال: حسن صحيح، والنسائى فى سننه الكبرى كتاب الطب، باب أى الناس أشد بلاء ٤/٣٥٢ رقم ٧٤٨١، وابن ماجة فى سننه كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء ٢/٥٠٣، ٥٠٤ رقم ٤٠٢٣، والحاكم فى المستدرك ١/١٠٠ رقم ١٢١ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وقال: وله شواهد كثيرة.
(٥) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٩/٢١٥ رقم ٢٨٦٥ من حديث عياض المجاشعى ﵁.
(٦) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الزهد، باب ما جاء فى الصبر على البلاء ٤/٥٢٠ رقم ٢٣٩٩ وقال: حسن صحيح.
[ ١٣٠ ]
وعن أبى سعيد الخدرى وعن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه" (١) .
ومن أجل كل ما سبق كانت شدة المرض والوجع بالنبى ﷺ بدليل:
عن عائشة ﵂ قال: ما رأيت أحدًا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ" (٢) .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا. قال: "أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بأن لك أجرين. قال: أجل، ذلك كذلك" (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المرضى، باب ما جاء فى كفارة المرض ١٠/ ١٠٧ رقمى ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه ٨/٣٧٢ رقم ٢٥٧٣.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المرضى، باب شدة المرض ١٠/١١٥ رقم ٥٦٤٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرضى، ٨/٣٦٩ رقم ٢٥٧٠.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء ١٠/١١٥ رقم ٥٦٤٨، ومسلم (بشرح النووى) نفس الأماكن السابقة فى الحديث السابق برقم ٣٥٧١.
[ ١٣١ ]
وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضعت يدى عليها، فوجدت حرارتها فوق القطيفة، فقلت: ما أشد حر حماك يا رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: "إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر" قال أبو سعيد: يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء قال: ثم من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: "ثم الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء" (١) .