والرد عليها
لقد زعم المستشرقون أن الوحي انبثق فى الدرجة الأولى عن اليهودية والنصرانية ولكن محمد كيفه تكيفًا بارعًا وفقًا لمتطلبات شعبه الدينية (١) ويرشح لنا جولد تسيهر كيف تم له ذلك، وكيف أصبحت تعاليم اليهودية والنصرانية، وحيًا تبناه محمد ﷺ، فيقول: "فتبشير النبى العباس ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها، التى تأثر بها تأثرًا عميقًا، لقد تأثر بهذه الأفكار تأثرًا وصل إلى أعماق نفسه، وأدركها بإيحاء قوة التأثيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيًا إلهيًا، فأصبح بإخلاص على يقين بأنه أداة لهذا الوحي" (٢) .
وقد وصل الأمر ببعضهم وهو ما حكاه فيليب حتى، أن زعموا أن الإسلام برمته بدعة نصرانية أكثر منه دينًا جديدًا (٣) .
_________________
(١) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٦٩، ومقالة فى الإسلام لجرجس سال ص١١، وحياء محمد لدر منغم ص١٢٥، ١٢٦، والاستشراق فى السيرة لعبد الله النعيم ص٣٨، والفكر الإسلامى نقد واجتهاد للدكتور محمد أركون ص١٣٧، والإسلام بدون حجاب، بحث مستل من شبكة الإنترنت لمؤلف مجهول ص١١.
(٢) العقيدة والشريعة فى الإسلام ص٥، ٦.
(٣) تاريخ العرب ١/١٧٦.
[ ٤٤٣ ]
.. ولم يخف جولد تسيهر قوله فى أن النبى ﷺ قد تتلمذ على رهبان النصارى مثل ورقة بن نوفل، وبحيرا، ونسطورا، وصهيب الرومى، وسلمان الفارسى، المسيحى الأصل، وأحبار اليهود مثل عبد الله بن سلام، الذين كانوا أساتذة له (١) وكيف تم الاتصال بأولئك؟.
يرى بروكلمان أن ذلك تم من خلال رحلاته، والذين عاشوا معه بعد إسلامهم (٢) .
وقد حاول المستشرقون الرجوع فى كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية أو الاثنين معًا (٣) .
قال بروكلمان: "وتأثرت اتجاهات النبى الدينية فى الأيام الأولى من مقامه فى المدينة، بالصلة التى كانت بينه وبين اليهود فشرع صوم العاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، على غرار الصوم اليهودى فى يوم الكفار الذى يقع عندهم فى العاشر من شهر تشرى، وبينما كان المؤمنون فى مكة لا يصلون إلا مرتين فى اليوم، أدخل فى المدينة على غرار اليهودية أيضًا، صلاة ثالثة عند الظهر كذلك جعل يوم الجمعة يوم صلاة عامة على غرار "السبت" اليهودى (٤) .
ويجاب عن هذه الافتراءات بما يلى:
_________________
(١) العقيدة والشريعة ص١٣، ١٤، وحياة محمد لدر منغم ص١٢٥، ١٢٦، ودائرة المعارف الإسلامية ترجمة أحمد الشنتناوى وغيره المجلد ٨/٢٣٢، والاستشراق فى السيرة النبوية لعبد الله محمد الأمين ص٦٥، ومناهج المستشرقين فى الدراسات العربية الإسلامية لجماعة من العلماء ١/٣٧، ٣٨، والوحي القرآنى فى المنظور الاستشراقى ونقده للدكتور محمود ماضى ص١١٧، ١٤٥.
(٢) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية ص٣٤.
(٣) ينظر: العقيدة والشريعة ص١٧، ١٨، وتاريخ الشعوب الإسلامية ص٤٧، ٤٨،٧١، ٧٩، وتاريخ العرب ص١٨١ – ١٨٣، وملوك الطائف ص٤٠٥، والرسول فى كتابات المستشرقين ص١٣٧.
(٤) تاريخ الشعوب الإسلامية ص٤٦، ٤٧، وينظر: الاستشراق فى السيرة النبوية ص٣٨، ٤٩، ٥٢، ٦٥.
[ ٤٤٤ ]
أولًا: الناظر فى شبهتهم تلك يلاحظ أنها تقوم على أنقاض الشبهتين السابقتين، إذ لما لم يكن لقولهم بهما قدم يثبت عليها، أو لك أن تقول: ساقان تحملانه عندما اصطدم مع الحق الذى لا يسمع منصفًا مخالفته، حسبما مر بك عند نقض هاتين الشبهتين، وهنا لم يجدوا بدًا من أن يقولوا هذا القول الوارد فى هذه الشبهة (أعنى فى هذا المطلب) ويلاحظ أيضًا، أن زعمهم هذا لا يعدو كونه عين ما ردده جهال قريش من قبل حين قالوا كما أخبر القرآن: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر﴾ (١) . وبذلك يتضح لك أن الكفر ملة واحدة، مهما تباعدت أزمانه واختلفت أوطانه.
إن ما زعمه هؤلاء الملحدون هنا، هو باطل من القول سودوا به صفحات التاريخ إذ الحق الذى لا مناص عنه، ثبوت العصمة لسيدنا محمد ﷺ فى دعواه النبوة، وفى كل ما يخبر به من الوحي عن ربه ﷿، على ما مر سابقًا فى دلائل عصمته فى تبليغ الوحي من خلال القرآن والسنة (٢) كما أنه لم يكن لأحد عليه فضل فيما جاء به، غير الله تعالى؛ فأنى لأحد من البشر كائنًا من كان أن يكون له قبل بما جاء به ﷺ فينصبونه معلمًا له؟.
ثانيًا: أين هذه الرحلات التى يتكلم عنها جولدستيهر، وبروكلمان، ومن شايعهما، والتى التقى فيها النبى ﷺ بأحبار اليهود، ورهبان النصارى، وأخذ عنهم؟ ومتى كانت؟ وأين تم هذا اللقاء؟ وكم مدة قضاها ليتلقى تلك الدروس حتى يهضمها ويستوعبها؟ ومن هم الذين أخذ عنهم؟ وماذا أخذ؟.
أسئلة يعجز المستشرقون عن إجابتها، لأنها لا إجابة لها البتة، إذ الإجابة عنها من صنع الخيال، وترهات الأفكار.
_________________
(١) الآية ١٠٣ النحل.
(٢) يراجع: ص٢٦٤ – ٢٧٧.
[ ٤٤٥ ]
.. إن ما زعموه بأنه من الممكن أن يكون رسول الله ﷺ تلقف هذا الذى جاء به من بحيرا (١) ونسطورا (٢) الراهبين، زعم باطل. وذلك لأن المعروف الثابت تاريخيًا أن النبى ﷺ، لم يلق "بحيرًا" هذا إلا مرة واحدة، وهى المرة الأولى التى سافر فيها إلى الشام، وكان معه عمه أبى طالب، وكان عمره ﷺ، إذ ذاك لا يتعدى اثنتى عشر عامًا (٣)
_________________
(١) بحيرا: راهب. قيل إنه كان يهوديًا من يهود تيماء، وقيل كان نصرانيًا من عبد القيس، يقال له جرجس، لقيه النبى ﷺ قبل البعثة، له ترجمة فى: أسد الغابة ١/٣٥٥ رقم ٣٧١، وتجريد أسماء الصحابة ١/٤٤، والبداية والنهاية ٢/٢١٣، ٢١٤.
(٢) هو: بطريرك الإسكندرية سنة ٤٣١م، وهو الذى قال بأن مريم لم تلد إلا الإنسان فهى بذلك أم الإنسان، وليست أمًا لإله، وأتباعه هم النساطرة، ومذهبهم وضع الأساس للقول بطبيعتين فى المسيح. ينظر: الموسوعة المسيرة فى الأديان والمذاهب المعاصرة ص٥٠٢، ٥٠٣، والملل والنحل للشهرستانى ٢/٢٥١ – ٢٥٣.
(٣) القصة رواها ابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٣٦ – ٢٣٨ نص رقم ١٧٧، ١٧٨، والترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب ما جاء فى بدء نبوة النبى ﷺ ٥/٥٥٠ رقم ٣٦٢٠ ولم يرد اسم (بحيرا) فى القصة، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٦٧٢ رقم ٤٢٢٩ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وخالفه الذهبى قائلًا: أظنه موضوعًا فبعضه باطل أهـ ورواه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٦٨ رقمى ١٠٨، ١٠٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٢/٢٤، وابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٢٠، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٢/٢١٣، ٢٦٦، من طريقى ابن إسحاق والترمذى وقال: "فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة، فإن أبا موسى الأشعرى راوى الحديث إنما قدم فى سنة خيبر، سنة سبع من الهجرة، ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق فى جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة. وعلى كل تقدير فهو مرسل. فإن هذه القصة كانت ولرسول الله ﷺ من العمر فيما ذكره بعضهم اثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبى ﷺ، فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة ﵃، أو كان هذا مشهورًا مذكورًا أخذه من طريق الاستفاضة"أهـ قلت: ذهب إلى صحة القصة فضيلة الشيخ عرجون فى كتابه محمد رسول الله ١/١٦٧، ووجه الغرائب الواردة فى ألفاظ الحديث بما يزيل غرابتها، فراجعه إن شئت، وصحح الحافظ ابن حجر رواية الترمذى بإسناد قوى فى فتح البارى= =٨/٥٨٧رقم٤٩٥٣،وكذا الألبانى فى هامش فقه السيرة للغزالى ص٦٨، والدكتور سعيد صوابى فى المعين الرائق ص٧٤،وأبطلها عبد العزيز راشد فى أصول السيرة المحمدية ص٢٢،وكذا أبطلها جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى ٢/٩٣، وتوقف فيها هاشم معروف الحسينى فى سيرة المصطفى ﷺ ص٥٣.
[ ٤٤٦ ]
ولا يعقل أن يكون سيدنا محمد ﷺ قد أخذ عنه، وهو فى هذه السن شيئًا.
وأنى "لبحيرا" وما حواه الوحي الإلهى قرآنًا وسنة، من علوم وأخبار ماضية ومستقبلة؟ هذا لو فرضنا أنه يمكن أن يكون قد أخذ عنه شيئًا.
إن الباحث المصنف لو استنطق التاريخ، ما زاد على أن يقول له: إن الراهب "بحيرًا" لما رآه تظله سحابة من الشمس، ورأى فيه بعض أمارات النبوة ذكر لعمه، أنه سيكون له شأن، وحذره أن تناله اليهود بأذى.
وكذلك الحال عندما مر رسول الله ﷺ بالراهب نسطور، وهو فى طريقه إلى الشام، يعمل فى تجارة خديجة بنت خويلد ﵂، وكانت هذه هى المرة الثانية والأخيرة فى رحلاته خارج مكة، وكان ﷺ إذ ذاك شاب فى الخامسة والعشرين من عمره، وفى صحبته غلام خديجة ميسرة (١) والذى تحدث به الراهب نسطورا عن رسول الله ﷺ كان مع مسيرة، ولما تحقق الراهب من صفات النبوة فى رسول الله ﷺ، ما زاد على أن جاء إلى رسول الله ﷺ، وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك، وأنا أشهد أنك الذى ذكره الله فى التوراة، ثم قال لميسرة بعد أن خلا به: يا ميسرة! هذا نبى هذه الأمة، والذى نفسى بيده إنه لهو تجده أحبارنا منعوتًا فى كتبهم (٢) .
_________________
(١) القصة أخرجها ابن سعد فى طبقاته ١/١٢٩، وابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٤٢ نص رقم ١٨٤، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٧٢ رقم ١١٠.
(٢) ينظر: المصادر السابقة.
[ ٤٤٧ ]
.. ولم تذكر الأخبار أنه كان حتى هناك مجرد حديث بين الغلام الصغير محمد وبين "بحيرا" و"نسطورا" وإنما الذى ذكرته الأخبار أن كل الحديث الذى تحدث به الراهب بحيرا عنه، كان مع عمه أبى طالب (١) والذى تحدث به الراهب نسطورا عنه كان مع غلام خديجة ميسرة! فماذا – يا ترى – سمع الشهود – عمه أبى طالب، وميسرة – من علوم هذا الأستاذ؟ هلا نبأنا التاريخ بنبأ ما جرى خلال هذا الحديث المزعوم الذى جمع فى تلك اللحظة القصيرة علوم القرآن والسنة كاملة؟!.
إن تلك الروايات التاريخية التى تتحدث عن اللقاء العابر بين رسول الله ﷺ وبين بحيرا ونسطورا تحيل أن يقف كل من بحيرا ونسطورا موقف المعلم المرشد لسيدنا محمد ﷺ، لأن كلا منهما بشر عمه وميسرة، بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التى يزفها، ثم ينصب نفسه أستاذًا لصاحبها الذى سيأخذ عن الله، ويتلقى عن جبريل، ويكون هو أستاذ الأستاذين، وهادى الهداة المرشدين! وإلا كان هذا الراهب متناقضًا مع نفسه!!.
إن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة، لفرح بها قومه وقاموا لها وقعدوا، لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله ﷺ، وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأية وسيلة (٢) .
_________________
(١) يراجع: رواية لقائه ﷺ مع بحيرا الراهب فى تخريج قصته السابقة قريبًا.
(٢) مناهل العرفان فى علوم القرآن للزرقانى ٢/٤٥٢ – ٤٥٦ بتصرف واختصار، وينظر: الإسلام والمستشرقون لنخبة من العلماء المسلمين ص٢٢٨.
[ ٤٤٨ ]
ثالثًا: ما زعموه من أن محمدًا ﷺ، أخذ ما زعمه أنه وحى من الله تعالى، من ورقة ابن نوفل. هو – أيضًا – باطل كسابقه، وفى الرواية نفسها التى التقى فيها رسول الله ﷺ بورقة (١) ما يبين بطلان مزاعم المستشرقين، وتهافت أقوالهم، وفسادها. وذلك فى النقاط التالية:
أ- تبين الرواية أن ورقة قد تنصر فى الجاهلية، ولكن المحدثين والمؤرخين استقصوا كل ما عرف عنه مم صح سنده، ومما لم يصح، فلم يعثروا على رواية تبين أنه كان داعية إلى النصرانية.
ب- لم ينقل أن النبى ﷺ قد لقى ورقة قبل هذا اللقاء أو رآه.
جـ- لقد تم هذا اللقاء بعد مجئ ملك الوحي فى الغار، ونزول صدر سورة "اقرأ" وقد حضرت هذا اللقاء خديجة ﵂، وشهدته، وقد آمنت بنبوة محمد ﷺ بعد ذلك، فلو كان هنالك تعلم وتلقى ما غاب ذلك عن بالها أبدًا، ولكان صارفًا لها عن الإيمان به ﷺ.
د- إن موقف ورقة على ما جاء فى هذا اللقاء، كان موقف المستطلع المستخبر لا موقف المعلم، فلما أخبره النبى ﷺ، خبر ما رأى، كان موقفه موقف المبشر المصدق المؤمن، المتطوع لمناصرة الحق، المؤيد للنبى ﷺ فيما نزل عليه من الوحي "هذا الناموس الذى نزل على موسى، ليتنى فيها جذعًا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، وإن يدركنى يومك حيًا، أنصرك نصرًا مؤزرا".
_________________
(١) الحديث سبق ذكره، وتخريجه ص١٩٧.
[ ٤٤٩ ]
هـ- لم تذكر الروايات أنه ألقى إلى النبى ﷺ درسًا أو عظة فى أى جزء من جزئيات الإسلام، كما لم يثبت أنه كان ﷺ، يتردد عليه لتلقى تلك الدروس، والذى يفهم من كلمته المختصرة السابقة، أنه كان يتمنى أن يبقى حتى يصبح ناصرًا لدين الله، وجنديًا مخلصًا، وتلميذًا ناجحًا للنبى ﷺ، لا أستاذًا مربيًا، ولا عالمًا معلمًا.
وثم إن ورقة لم يلبث بعد هذا اللقاء، إلا أن توفى وفتر الوحي عن رسول الله ﷺ، فكيف تكون هذه المقابلة الخاطفة ينبوعًا لما جاء به ﵊ من الوحي؟ .
ز- لو ثبت أنه ﷺ، أخذ ذلك من ورقة لما سكت أعداؤه أبدًا، ولروجوا ذلك، وساروا به فى الناس جميعًا، وهم الذين تشبثوا بما هو أوهى من ذلك (١) .
_________________
(١) ينظر: الإسلام والمستشرقون ص٢٢٨، والأدلة على صدق النبوة المحمدية ص٤٢٣، والوحي المحمدى ص٩٦.
[ ٤٥٠ ]
رابعًا: إنما زعموه من أنه ﷺ، أخذ ما جاء به من صهيب الرومى (١) لهو من أبطل الباطل. إذ أن صهيبًا هذا كان حدادًا يصنع السيوف، أعجمى اللسان، لا يعدو كلامه أن يكون رطانة (٢) ولا يكاد يبين (٣) ولذا قال القرآن الكريم: ﴿لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين﴾ (٤) .
_________________
(١) هو: صهيب بن سنان بن مالك الرومى، وإنما قيل له الرومى، لأن الروم سبوه صغيرًا، وهرب من الروم لما كبر وعقل، فقدم مكة، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكنيته أبو يحيى، كناه بها رسول الله ﷺ، مات سنة ٣٨هـ بالمدينة. له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٣٨ رقم ٢٥٣٨، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٧ رقم ٧٦، والاستيعاب ٢/٧٢٦ رقم ١٢٢٦.
(٢) بفتح الراء وكسرها، أى كلامه لا يفهمه أحد. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/٢١٢، ومختار الصحاح ص٢٤٦،والقاموس المحيط ٤/٢٢٤.
(٣) يراجع المصادر السابقة فى ترجمته.
(٤) الآية ١٠٣ النحل.
[ ٤٥١ ]
.. والمعنى: كيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، فى فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة الشاملة، التى هى أكمل من معانى كل كتاب نزل على نبى أرسل؛ كيف يتعلم من رجل أعجمى؟ ! لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل (١) وليت شعرى: لو كان لصهيب أن يكون مرجعًا علميًا كما أرادوا أن يصفوه، فما الذى منع كفار مكة أن يأخذوا عنه، كما أخذ صاحبهم؟ وبذلك كانوا يستريحون من عنائه، ويداوونه من جنس دائه، بل ما منع صهيب أن يبدى للعالم صفحته، فينال فى التاريخ شرف الأستاذية، أو يتولى بنفسه تلك القيادة العالمية؟ بل ما منعه أن يدعى النبوة، فينسب لنفسه هذا المجد والفخار؟ (٢) إن فى عدم ادعاء صهيب شئ مما سبق، وعدم ثبوته عنه، مع صحة إيمانه برسول الله ﷺ، دليل على صدق رسول الله ﷺ، فى دعواه النبوة، وفى عصمته ﷺ فى كل ما بلغ من وحى ربه.
خامسًا: ما زعموه من أنه ﷺ، تلقى الوحي من علماء أهل الكتاب فى عصره محض افتراء يرده القرآن الكريم الذى حفل بجدالهم ومحاوراتهم فى العقائد والتواريخ والأحكام.
فالناظر فى محاورات القرآن لهم يرى بأى لسان يتكلم عنهم القرآن الكريم. إنه يصور علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الضلالات، ومعارفهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها المنكرات.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٥٢٣.
(٢) النبأ العظيم ص٨٢، ٨٣ بتصرف.
[ ٤٥٢ ]
.. نعم. لا يعقل أن يصفهم القرآن بذلك ثم يقفون من صاحب هذه النبوة موقف المرشد والناصح! اقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يأفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ إلى أن قال ﷿: ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ (٢) .
وغير ذلك كثير مما هو منثور فى ثنايا سور القرآن الكريم، وهو سهل المنال لمن طلبه. مما يفيدك بأن قومًا أمثال هؤلاء لا يعقل – وحالهم هكذا – أن يتلقى عنهم رسول الله ﷺ، بل إنك ترى فيه معلمًا يصحح لهم أغلاطهم، وينعى عليهم سوء حالهم.
فلو كانوا معلمين له ﷺ، لمدحهم، وجاملهم، وتودد إليهم، وتقرب منهم، ولم يقف منهم هذا الموقف العدائى، حتى لا يفضحوا أمره، ويكشفوا حاله.
_________________
(١) الآيتان ٣٠، ٣١ التوبة.
(٢) الآيات ١٥٥ – ١٦١ النساء.
[ ٤٥٣ ]
.. ثم إن كثيرًا من هؤلاء الذين يزعمون أنهم كانوا مصدر الوحي، قد أسلموا، وإسلامهم حجة قائمة على صدق نبوة رسول الله ﷺ، وعصمته فيما بلغ من الوحي الإلهى، ولو كان هؤلاء أعانوا النبى ﷺ على الوحي، وأنه ليس من عند الله، لكانوا أدرى الناس حينئذ بحقيقة الإسلام، وبالتالى كانوا سيكونون أبعد الناس عنه، لأنهم يعرفون أنه دين ليس صحيحًا، ولكن أما وقد أسلموا وأخلصوا لله تعالى، لاسيما وأنه كانت هناك منافسة كبيرة بين أصحاب الأديان المختلفة فى ذلك الوقت، فإن ذلك كان لاستئصال ألسنة الخراصين، حتى يصابوا بالخرس رحمة بالتاريخ الذى كم لوثوه بألسنتهم هذه. وصدق رب العزة: ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيد بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (١) وقال ﷿: ﴿قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾ (٢) .
سادسًا: من أقوى ما يدل على أن الإسلام لم يكن مقتبسًا من اليهودية أو النصرانية، وجود الخلاف فى كثير من العقائد والأحكام؛ بل جعل الشارع الحكيم جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا له، ومن متطلبات الشرع، وهناك كثير من الأحكام جعلت العلة فيها هى مخالفة اليهود أو النصارى من ذلك:
قوله ﷺ: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (٣) .
_________________
(١) الآية ٤٣ الرعد.
(٢) الآية ١٠ الأحقاف.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل ٦/٥٧٢ رقم ٣٤٦٢، وكتاب اللباس، باب الخضاب ١٠/٣٦٦ رقم ٥٨٩٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة باب مخالفة اليهود فى الصبغ ٧/٣٣٠ رقم ٢١٠٣ من حديث أبى هريرة ﵁.
[ ٤٥٤ ]
وقوله ﷺ: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم" (١) .
عن أنس بن مالك ﵁، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ، النبى ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه" (٣) قال الإمام ابن تيميه (٤): "فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أنه خالفهم فى عامة أمورهم، حتى قالوا: "ما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه" (٥) .
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سنته كتاب الصلاة، باب الصلاة فى النعال ١/١٧٦ رقم ٦٥٢، والبيهقى فى سننه، كتاب الصلاة، باب سنة الصلاة فى النعلين ٢/٤٣٢، والحاكم فى المستدرك ١/٣٩١ رقم ٩٥٦ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى.
(٢) الآية ٢٢٢ البقرة.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ٢/٢١٤ رقم ٣٠٢.
(٤) هو: أحمد بن عبد الحليم بن تيميه، الحرانى الدمشقى، تقى الدين، أبو العباس، الإمام المحقق، الحافظ، المفسر، الأصولى، الأديب، النحوى، بلغت تصانيفه ثلاثمائة مجلد: منها رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ومنهاج السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والقدرية، وغير ذلك مات سنة ٧٢٧هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦ رقم ١١٧٥، والدر الكامنة لابن حجر ١/١٤٤ رقم ٤٠٩، وطبقات المفسرين للداودى ١/٤٦ رقم ٤٢.
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم ١/١٨٧.
[ ٤٥٥ ]
فهذا إقرار من اليهود عليهم لعائن الله، بمخالفة النبى ﷺ لما كانوا عليه من شعائر حتى اشتهر ذلك بينهم، ألا يكفى ذلك برهانًا ساطعًا على بطلان قول المستشرقين: أنه كيف شعائر الإسلام لتتفق مع شعائر اليهود؟ (١) .
أولم يكفهم أنه ﷺ، أخرج اليهود أذلاء حقيرين من المدينة، وأجلاهم عنها لما نقضوا عهودهم معه، وأبى عليهم أن يساكنوه فى بلد واحد؟ (٢) وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ (٣) أما وقف المستشرقون على الآيات والأحاديث العديدة الذامة لليهود الهاتكة لستورهم؟ أفى ذلك أيضًا دلالة على أن النبى كان يتقرب منهم ويتزلف لهم لكسبهم وإرضائهم؟.
_________________
(١) ينظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٤٦، ٤٧.
(٢) روى البخارى ومسلم فى صحيحهما بسندهما عن ابن عمر ﵄ قال: "حاربت النضير وقريظة، فأجلى بنى النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبى ﷺ، فأمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بنى قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بنى حارثة، وكل يهود المدينة" أهـ. أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب حديث بنى النضير ٧/٣٨٣ رقم ٤٠٢٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب إجلاء اليهود من الحجاز ٦/٣٣٤ رقم ١٧٦٦.
(٣) الآية ٢ الحشر، والمراد بالآية يهود بنى النضير. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٨/٨١.
[ ٤٥٦ ]
إن النبى ﷺ، منذ أن بعث وحمل رسالة الإسلام، نسخ الأديان السابقة، وأبطل شرعيتها، فلا نجاة لأحد من الخلق يهوديًا كان أو نصرانيًا إلا بالتزام شرعه، والسير على نهجه، وهو القائل ﷺ: "والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (١) .
والحديث هنا بيانًا وتأكيدًا لقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) .
فلا بقاء لدين مع دينه ﷺ، ولا شريعة مع شريعته، بل دينه هو الحاكم والمهيمن على كل الأديان. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ (٣) .
سابعًا: ما زعموه من إرجاع كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، أو الاثنين معًا، زعم باطل لما يلى:
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته ١/٤٦٣ رقم ٢٤٠ من حديث أبى هريرة ﵁.
(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.
(٣) الآية ٤٨ المائدة.
[ ٤٥٧ ]
أ- لأن استدلالهم بصوم عاشوراء على موافقة اليهود فيه، بناء على ما روى عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم النبى ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه" (١) . فعلة الموافقة الواردة فى الحديث هى التى بنى عليها المستشرقون شبهتهم السابقة، ويجاب بالآتى:
١- لقد ثبت أن النبى ﷺ، كان يصوم عاشوراء فى الجاهلية قبل قدومه المدينة، ويدل على ذلك قول عائشة ﵂: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ، يصومه، فلما قدم المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٨٧ رقم ٢٠٠٤، وكتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ ٦/٤٩٤ رقم٣٣٩٧،ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٦٢ رقم ١١٣٠.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها: كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٨٧ رقم ٢٠٠٢، وكتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾ ٣/٥٣١ رقم ١٥٩٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء ٤/٢٥٨ رقم ١١٢٥.
[ ٤٥٨ ]
وفى رواية: "وكان يوم تستر فيه الكعبة" (١) فدل بهذا على أنه ﷺ، لم يصمه موافقة لليهود واقتداء بهم، وإنما صامه وأمر بصيامه تقريرًا لتعظيمه وتأكيدًا، وأخبر ﷺ أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكرًا لله، كنا أحق أن نقتدى به من اليهود، لاسيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا (٢) .
٢- إن النبى ﷺ، بين نوع مخالفة لليهود فى صيام عاشوراء، عندما شرع صيام يوم قبله، أو بعده، فعن ابن عباس قال: حين صام رسول الله ﷺ، يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله. إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ: "فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع" قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفى رسول الله ﷺ" (٣) وعنه أيضًا مرفوعًا: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا" (٤) فدل ذلك على مخالفته لهم فى صيامه.
_________________
(١) هى لفظ البخارى فى كتاب الحج فى الأماكن السابقة نفسها.
(٢) زاد المعاد ٢/٧٠، وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ١/٤١٣، وفتح البارى ٤/٢٩٠ رقم ٢٠٠٤.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب أى يوم يصام فى عاشوراء ٤/٢٦٦ رقم ١١٣٤.
(٤) أخرجه أحمد فى المسند ١/٢٤١، والبيهقى فى سنده موقوفًا على ابن عباس، كتاب الصيام، باب صوم يوم التاسع ٤/٢٨٧ وقال الشيخ الأرناؤوط: وسنده صحيح. ينظر: زاد المعاد ٢/٦٩ الهامش، وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف نحوه موقوفًا على ابن عباس أيضًا ٤/٢٨٧ رقم ٧٨٣٩.
[ ٤٥٩ ]
ب- وأما زعمهم أن المؤمنين كانوا لا يصلون فى مكة إلا مرتين فى اليوم، ثم أدخلت صلاة ثالثة عندما ذهبوا إلى المدينة على غرار اليهودية، فهو زعم فى وهن خيط العنكبوت، إذ الصلوات الخمس فرضت بمكة ليلة الإسراء، حين عرج بالنبى ﷺ، إلى السماء، ولا خلاف بين أهل العلم، وأهل السير فى ذلك (١) .
وهذا الذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة، التى وردت فى صفة الإسراء والمعراج فى الصحيحين وغيرهما، من أحاديث جماعة من الصحابة ﵃ (٢) وفى أحدها قوله ﷺ: "فلم أزل أرجع بين ربى ﵎، وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة" (٣) .
جـ- وأما زعمهم أنه جعل الجمعة، يوم صلاة عامة، على غرار السبت عند اليهود، فهو أيضًا قول مخالف للصواب، لأن الله سبحانه شرع لعباده المؤمنين الاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (٤) .
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/٢١٠.
(٢) ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ١/٥٤٧ رقم٣٤٩، وكتاب الأنبياء، باب ذكر إدريس ﵇ ٦/٤٣١ رقم ٣٣٤٢، وصحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات ١/٤٨٦ رقم ٢٥٩.
(٣) هذه الرواية بهذا اللفظ أخرجها مسلم فى صحيحه (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها.
(٤) الآية ٩ الجمعة.
[ ٤٦٠ ]
.. وقد ثبت أن الله أمر الأمم السابقة بتعظيمه، فضلوا عنه، واختار اليهود السبت، والنصارى الأحد، وفضل الله هذه الأمة بيوم الجمعة لفضيلته (١) فعن أبى هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق (٢) ففى الحديث ذم لأهل الكتابين، على تفريطهم فى يوم الجمعة، ثم شرع ﷺ، صيام يوم السبت ويوم الأحد مخالفة لهما، كما جاء فى حديث أم سلمة ﵂، قالت: "كان رسول ﷺ، يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما عيد المشركين، فأنا أحب أن أخالفهم" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر:: "يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامها" (٤) .
_________________
(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٨/١٤٥.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ٣/٤٠٧ رقم ٨٥٦ والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة ٢/٤١٢ رقم ٨٧٦.
(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٦/٣٢٤، وله شاهد من حديث عائشة أخرجه الترمذى فى سننه كتاب الصوم، باب صوم يوم الاثنين والخميس ٣/١٢٢ رقم ٧٤٦ وقال: حديث حسن، هذا وقد جاء من الأحاديث ما يدل على النهى عن صيام يوم السبت، إلا أن الإمام أبا داود ﵀ يرى أن ذلك منسوخ. سنن أبى داود ٢/٣٢٠ رقم ٢٤٢١، وينظر: أقوال العلماء فى ذلك، فتح البارى= =١٠/٣٧٤ رقم ٥٩١٧، والناسخ والمنسوخ لابن شاهين ص٣٤١ رقمى ٤١١، ٤١٢، ونيل الأوطار ٤/٢٤٩.
(٤) فتح البارى ١٠/٣٧٥ رقم ٥٩١٧.
[ ٤٦١ ]
.. بعد هذا يتضح لك، أن وحى الله تعالى (كتابًا وسنة) والذى بلغه رسول الله ﷺ، بعصمة الله له، لم يكن مأخوذًا من اليهودية أو النصرانية، وإنما هو وحى مستقل، لم يتأثر بغيره، وبالتالى دين الإسلام، دين قائم بذاته، متميز عن غيره، وإذا وجد تشابه بين نسك إسلامى، وبين عمل سابق منسوب إلى شريعة اليهود أو النصارى. دل ذلك على أن أصل الدين الذى جاء به رسل الله واحد. لقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (١) وبيانًا لذلك وتأكيدًا له، قال ﷺ: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٢) والمراد بـ (إخوة لعلات) الذين أمهاتهم مختلفة، وأبوهم واحد. أراد أن إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة (٣) أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم