والرد عليها
فى الوقت الذى يتمسح فيه من يسمون أنفسهم (القرآنيون) بظاهر القرآن ويستدلون به على أن مهمة الرسول الوحيدة فى رسالته هى تبليغ القرآن فقط؛ إذ بهم يجدون أنفسهم فى مأزق من كتاب الله ﷿ الذى يصرح بأن لرسول الله ﷺ، بيانًا للقرآن الكريم، وهو بيان حجة، وواجب الاتباع، بنص عشرات الآيات القرآنية، التى تحض على طاعة رسول الله ﷺ، طاعة مطلقة؛ فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من مخالفته.
ولأن هذه الآيات تفضح إفكهم وتبطل شبهاتهم من جذورها، فقد تعسفوا فى تأويل تلك الآيات، بما يتفق وإنكارهم لأن يكون لرسول الله ﷺ، سنة مطهرة، واجبة الاتباع. فزعموا: أن كلمة (الرسول) فى القرآن تعنى القرآن، وأن طاعة الرسول الواردة فى القرآن إنما تعنى: طاعة القرآن فقط، أو بعبارة أخرى طاعة رسول الله ﷺ فيما بلغه من القرآن فقط.
يقول أحمد صبحى منصور: "كلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد كقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (١) .
_________________
(١) الآية ١٠٠ النساء.
[ ٥٢٩ ]
.. يقول أحمد صبحى: فالآية تقرر حكمًا عامًا مستمرًا إلى قيام الساعة بعد وفاة محمد. فالهجرة فى سبيل الله وفى سبيل رسوله أى القرآن، قائمة ومستمرة بعد وفاة النبى محمد وبقاء القرآن أو الرسالة، وأحيانًا – ولازال الكلام له – تعنى كلمة "الرسول" القرآن فقط، وبالتحديد دون معنى آخر كقوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلًا﴾ (١) فكلمة "ورسوله" هنا: تدل على كلام الله فقط، ولا تدل مطلقًا على معنى الرسول محمد. والدليل أن الضمير فى كلمة "ورسوله" جاء مفردًا، فقال تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلًا﴾ والضمير المفرد يعنى: أن الله ورسوله أو كلامه، ليسا اثنين، وإنما واحد، فلم يقل: "وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا"، ويقول تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (٢) ولو كان الرسول فى الآية يعنى: شخص النبى محمد لقال تعالى: "أحق أن يرضوهما" ولكن الرسول هنا يعنى فقط كلام الله، لذا جاء التعبير بالمفرد، الذى يدل على الله تعالى وكلامه" (٣) .
ويقول فى موضع آخر: "أما أقوال الرسول، فهى القرآن دين الله، وقد أبلغه الرسول دون زيادة ولا نقصان، وفيه الكفاية، وفيه التفصيل، وفيه البيان، إن طاعة الرسول هى طاعة القرآن الذى أنزله الله على الرسول، ولا يزال الرسول أو القرآن بيننا" (٤) .
_________________
(١) الآية ٩ الفتح.
(٢) الآية ٦٢ التوبة.
(٣) لماذا القرآن أو القرآن وكفى ص٣٣، ٣٤.
(٤) المصدر السابق ص٥٠.
[ ٥٣٠ ]