والرد عليها
روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) .
هذا الحديث طعن فيه أعداء السنة والسيرة قديمًا من أهل الأهواء والبدع، وزعموا أن فيه طعنًا فى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢) وتابعهم حديثًا أذيالهم إذا يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى: "إن الظاهر من قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ثبوت الشك لرسول الله ﷺ، ولسائر الأنبياء، وأنهم جميعًا أولى به من إبراهيم، ولو فرض عدم إرادة الأنبياء جميعًا فإرادة رسول الله ﷺ مما لابد منها، والحديث نص صريح فى أنه أولى بالشك" (٣) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
_________________
(١) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ ٦/٤٧٣ رقم ٣٣٧٢، وفى كتاب التفسير، باب ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى﴾ ٨/٤٩ رقم ٤٥٣٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ١/٤٦٠ رقم ٢٣٨، وكتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل ﵇ ٨/١٣٤ رقم ٢٣٧١.
(٢) حكاه عنهم الإمام ابن قتيبة فى كتابه تأويل مختلف الحديث ص٩١، ٩٢.
(٣) أبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص٩٠، وينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/٢٠، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء، والمحدثين لصالح الوردانى ص٣١٦.
[ ٣٣٤ ]
أولًا: إجماع الأمة على عصمة أنبياء الله ﷿ ورسله، من الكفر والشرك، والشك، ومن تسلط الشيطان عليهم، وأن تلك العصمة صفة أساسية فيهم، وشرطًا ضروريًا من شروط الرسالة، كما أنها جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله ﷿ به، حتى يبلغوا رسالة ربهم إلى أقوامهم، وقد سبق تفصيل ذلك فى حقه ﷺ من خلال القرآن والسنة (١) .
ثانيًا: اتفاق علماء المسلمين على أن ظاهر الشك فى قوله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ليس مرادًا، كما أنه ليس فى ظاهر هذا القول اعتراف بالشك، بل نفيه عن نفسه ﷺ، وعن إبراهيم وسائر أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق واحد منهم يجور فى حق الجميع.
يقول الحافظ ابن كثير: قوله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف (٢) .
وقال الإمام على القارى (٣): "ليس فى قوله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" اعترافًا منه بالشك لهما، بل نفى لأن يكون إبراهيم ﵇ شك" (٤) .
_________________
(١) يراجع: ص٤٧ – ٧٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/٤٦٥، ٤٦٦.
(٣) هو: أبو الحسن، على بن محمد سلطان الهروى، المعروف بالقارى، نزيل مكة، فقيه حنفى، من صدور العلم فى عصره، من مؤلفاته: تذكرة الموضوعات، وشرح الشفا، وغيره ذلك، مات بمكة المكرمة ١٠١٤هـ له ترجمة فى: الرسالة المستطرفة للكتانى ص١٥٣، والأعلام للزركلى ٥/١٢.
(٤) شرح الشفا للقارى ٢/١٧٦، وينظر: الشفا ٢/٩٨.
[ ٣٣٥ ]
ثالثًا: إن سبب قوله ﷺ "نحن أحق بالشك من إبراهيم" على ما جاء فى الحديث ما ذكره ﷺ من قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿رب أرنى كيف تحى الموت قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) وهذه الآية وما بعدها قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فأراد ﷺ نفى هذا الشك عن سيدنا إبراهيم، وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا به ﵇.
ويؤكد ذلك أنه ليس فى سؤال سيدنا إبراهيم ﵇ ما يدل على أنه شك، إذ السؤال وقع بـ "كيف" الدالة على حال شئ موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟ فكيف فى الآية، سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرر لدى سيدنا إبراهيم ﵇ (٢) وهو ما شهد به رب العزة لسيدنا إبراهيم ردًا على سؤاله، بقوله ﷿: "أولم تؤمن" والاستفهام هنا تقريرى للمنفى، وهو الشك، كأنه قال له: ألست مؤمنًا بالبعث؟ فكان جوابه ﵇ بـ "بلى" لإثبات المنفى وهو الشك، والمعنى: أنا مؤمن بالبعث كما علمت ما فى قلبى، لكننى أريد أن يطمئن قلبى برؤية الكيفية فقط، واعتبر بذلك.
فما شك إبراهيم ﵇، ولم يكن لديه أى شبهة فى قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، إذ لم يقل لله تعالى: أتستطيع أن تحى الموتى؟ وإنما أراد أن يرى الهيئة، كما أننا لا نشك فى وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، ورسول الله ﷺ، ثم يرغب من لم يرى ذلك منا، فى أن يرى كل ذلك، ولا يشك فى أنه حق، لكن ليرى العجب الذى يتمثله فى نفسه، ولم تقع عليه حاسة بصره قط (٣) .
_________________
(١) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة.
(٢) فتح البارى ٦/٤٧٥ رقم ٣٣٧٢، وينظر: تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص٩٦.
(٣) ينظر: الفصل فى الملل والنحل لابن حزم ٢/٢٩٢.
[ ٣٣٦ ]
.. فواضح فى السؤال والجواب، أنه ﵇، لم يسأل لشك أو شبهة أو تردد وهذا ظاهر من سؤاله، إذ لم يقل لله تعالى: "هل تقدر أن تحى الموتى، أم لا تقدر؟.
وهذا يشبه قولك لرسام كبير: دعنى أنظر إليك وأنت ترسم لوحة، أو لخطاط فنان: خط أمامى لكى أرى كيف تخط مثل هذه الخطوط الجميلة.
فليس فى مثل هذا الطلب أى ناحية تعجيزية، بل هو تعبير عن الافتنان بفنه الجميل، واعتراف به، ولهفة على رؤية دقائق فنه، وسعادة كبيرة فى تأمل كيفية ظهور لوحة رائعة، مرحلة مرحلة. أجل: فالسؤال كان حول كيفية الإحياء، وليس حول إمكانيته أو عدم إمكانيته" (١) .
قلت: وكيف يشك من وصفه ربه ﷿ فى كتابه بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ (٣) والرشد، والإيقان، اسمى مراتب العلم الذى لا يصح معه شك أو حتى شبهة!.
وكيف يصح الشك، وقد وصفه ربه تعالى بقوله: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ (٤) فبين رب العزة كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم، وإنما أراد به، أنه كان سليمًا من الشك، وخالصًا للمعرفة واليقين، ثم ذكر المولى ﷿، أنه عاب قومه على عبادة الأصنام فقال تعالى: ﴿ماذا تعبدون. أإفكًا آلهة دون الله تريدون﴾ (٥) فسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل، ثم قال سبحانه: ﴿فما ظنكم برب العالمين﴾ (٦) وهذا قول عارف بالله تعالى غير شاك!.
فكيف يكون قوله ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى﴾ (٧) شك فى البعث وإحياء الموتى؟!.
الحديث حجة لنا لا علينا:
_________________
(١) ينظر: النور الخالد محمد مفخرة الإنسانية لمحمد كولن ٢/١٨٦، وفى ظلال القرآن لسيد قطب ١/٣٠١، ٣٠٢.
(٢) الآية ٥١ الأنبياء.
(٣) الآية ٧٥ الأنعام.
(٤) الآية ٨٣ الصافات.
(٥) الآيتان ٨٥، ٨٦ الصافات.
(٦) الآية ٨٧ الصافات.
(٧) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة.
[ ٣٣٧ ]
.. ومن هنا كان قوله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" حجة لنا إذ فيه نفى للشك عن سيدنا إبراهيم ﵇، وعن نفسه ﷺ، وهذا من أحسن الأقوال وأصحها وأرجحها عندى فى معنى قوله ﷺ، "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فكأنه ﷺ يقول: إن الشك مستحيل فى حق إبراهيم ﵇، فإن الشك فى إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، لأن ما يجوز فى حق واحد من الأنبياء يجوز فى حقهم جميعهم، وقد علمتم أنى لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك!.
أو أراد ﷺ بقوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أن يقول: إن هذا الذى تظنونه شكًا، أنا أولى به، ولكنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين.
وهذا الكلام مما جرت به العادة فى المخاطبة، لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئًا، قال: مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لى، ومقصوده ﷺ لا تقل ذلك.
وإنما خص إبراهيم ﵇، لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة، منها احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم ﵇ على نفسه ﷺ، تواضعًا وأدبًا، أو قبل أن يعلم ﷺ أنه خير وسيد ولد آدم ﵇ (١) .
هذا: وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه قوله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" لكنها أقوال ضعيفة (٢) ومن هنا اقتصرت على ذكر ما سبق منها، لكونها أصحها، وأوضحها، وأرجحها أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
_________________
(١) ينظر: المنهاج شرح مسلم ١/٤٦١ رقم ٢٣٨، وفتح البارى ٦/٤٧٥ رقم ٣٣٧٢، وفيض البارى ١/٣٥، وتنزيه الأنبياء لعلى الحسين الموسوى ص٢٧.
(٢) ينظر: فتح البارى ٦/٤٧٤، ٤٧٥ رقم ٣٣٧٢، وعصمة الأنبياء للدكتور محمد أبو النور الحديدى ص٢٧٧ - ٢٨٣.
[ ٣٣٨ ]