ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك والجواب عنها
زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الذنوب كبائرها وصغائرها، قبل النبوة وبعدها، ودليلهم ما ورد فى القرآن الكريم من آيات تخاطب رسول الله ﷺ بتقوى الله ﷿، وتنهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين والكاذبين، كما تنهاه عن التكذيب بآيات الله ﷿، وتحذره من الشك فيما أنزل عليه، ومن الوقوع فى الشرك؛ ومن الآيات التى استشهدوا بها على ما زعموا ما يلى:
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (١) .
وقوله سبحانه: ﴿فلا تطع المكذبين. ودو لو تدهن فيدهنون. ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (٢) .
وقوله ﷿: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٣) .
وقوله: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (٤) .
وقوله: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ (٥) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
_________________
(١) الآية الأولى الأحزاب.
(٢) الآيات ٨ - ١٠ القلم.
(٣) الآية ٩٤ يونس.
(٤) الآية ٦٥ الزمر.
(٥) الآية ٩٥ يونس، وينظر: ممن قال بهذه الشبهة، نيازى عز الدين فى كتابيه، إنذار من السماء ص١٧٤، ١٧٦، ١٨٢، ٤٣٧، ودين الرحمن المدخل إلى الحقيقة ص٢٢٣، وأحمد صبحى منصور فى كتابه الأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص٤٠، ٤١، ٤٤، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص١٣٧، والإسلام بدون حجاب (كتاب مستل من شبكة الإنترت) ص٣٧، وجريدة الدستور عدد ٣١/ ١٢/ ١٩٩٧ مقال لأحمد صبحى منصور.
[ ٢٠٢ ]
أولًا: لا حجة للخصوم فى التعلق بظاهر الآيات التى استشهدوا بها على عدم عصمته ﷺ لِمَ صح من سيرته ﷺ - أنه كان أتقى وأخشى خلق الله ﷿، وما كذب بآيات ربه تعالى، ولا شك فيما أنزل عليه، ولا أشرك بالله طرفة عين أو أقل منها، ولا أطاع أحدًا من الكافرين، أو المنافقين، أو الكاذبين. ومن زعم خلاف ذلك فليبينه لنا، فالأصل براءة الذمة حتى يثبت العكس، وهذه قاعدة أصولية، تحدد الأصل فى كل شئ، وهى تعنى أن كل منهم برئ حتى تثبت إدانته فالمتهم بالشرك أو الشك، أو بأى ذنب آخر هو برئ منه، حتى تثبت إدانته بما اتهم به بالدليل الشرعى!.
فهل من دليل شرعى على ما افتروه على رسول الله ﷺ من عدم عصمته؟! ولكن أنى لأعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة بدليل شرعى بعد شهادة القرآن الكريم له بالخشية والخوف من الله تعالى فى غير ما آية. منها:
قوله تعالى: ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (١) .
وقوله سبحانه: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾ (٢) .
وهذا وإن كان أمرًا من الله ﷿ أن يقول ذلك، فهو أيضًا تقرير لحقيقة حاله ﷺ، ووصف له فى المعنى بتلك الصفة الإيمانية العليا.
وفى الآية أيضًا شهادة له ﷺ بأنه ما أطاع أهل الكفر فى أهوائهم؛ وقد كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام كلهم بمحل الخشية والخوف من الله تعالى، كما وصفهم بذلك بقوله: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفى بالله حسيبًا﴾ (٣) وخوفهم ليس خوف معصية وإساءة، وإنما هو خوف إعظام وتبجيل.
_________________
(١) الآية ١٥ الأنعام.
(٢) الآية ١٥ يونس.
(٣) الآية ٣٩ الأحزاب.
[ ٢٠٣ ]
ونبينا محمد ﷺ هو سيد الأنبياء وخاتمهم وأفضلهم، فهو معهم على ذلك الخُلُق، وتشمله هذه الآية شمولًا أوليًا، لأنها فى صدر الحديث عنه، فهى شهادة قرآنية إلهية له ﷺ بهذا الخُلُق العظيم (١) .
وقد دعم هذه الشهادة، الشواهد الكثيرة من الأحاديث الشريفة من واقع حياته ﷺ، ومن تلك الشواهد قوله ﷺ: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فوالله إنى لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية" (٢) وفى رواية قال: "أما والله إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له" (٣) .
_________________
(١) ينظر: المنهاج شرح مسلم للنووى ٨/١١٨ رقم ٢٣٥٦.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ١٠/٥٢٩ رقم ٦١٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب علمه ﷺ بالله وشدة خشيته ٨/١١٧ رقم ٢٣٥٦ من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب أن القبلة فى الصوم ليست محرمة ٤/٢٣٣، ٢٣٤ رقم ١١٠٨ من حديث عائشة ﵂.
[ ٢٠٤ ]
وفى الإخلاص لله ﷿، شهد له بذلك القرآن الكريم حيث قص قوله ﷺ وهو يخاطب أهل الكتاب: ﴿قل أتحاجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون﴾ (١) فهو ﷺ يخبر عن نفسه بأنه مخلص لله تعالى فى دينه وعبادته، وهو الصادق الأمين، وقد أقره القرآن الكريم على ذلك، فحكى مقالته على سبيل الإقرار والاعتماد والإشادة، مما يدل على أن هذا الخلق العظيم قد كان مستحكمًا فيه ﷺ فى كل أحواله، كما هو شأنه فى كل خُلُق عظيم، وما جاء فى قوله تعالى: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٢) فالشرط فى الآية لا يقتضى الوقوع ولا الجواز على ما سيأتى تفصيله بعد قليل. وعن ابن عباس ﵄ قال فى تفسير الآية: "لم يشك النبى ﷺ ولم يسأل" وعامة المفسرين على هذا، وقالوا: وفى السورة نفسها ما دل على هذا التأويل، قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين﴾ (٣) فهذا تقرير لحقيقة حاله ﷺ، وشهادة له بأنه ما شك فيما أنزل إليه، ولا سأل أهل الكتاب، وكان من عباد الله المؤمنين المخلصين.
وفى إخلاصه فى عبادته لله تعالى يقول ﷿: ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (٤) فهذا القرآن الكريم يلقن النبى ﷺ أن يعلن للملأ هذه الحقيقة الكامنة فيه لما علمها الله تعالى منه.
_________________
(١) الآية ١٣٩ البقرة.
(٢) الآية ٩٤ يونس.
(٣) الآية ١٠٤ يونس، وينظر: التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوى المجلد ٧/١٣٩، ١٤٠.
(٤) الآيتان ١٦٢، ١٦٣ الأنعام.
[ ٢٠٥ ]
وقد كان ﷺ يطبق هذا التوجيه القرآنى، فكان يقول عند قيامه إلى الصلاة "وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين إن صلاتى ونسكى ومحياى وممات لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" (١) .
فهل بعد كل هذه الشهادات، يصح قول أعداء الإسلام، وخصوم السيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الشرك والشك؟!
ثانيًا: الأوامر والنواهى الواردة فى القرآن الكريم فى حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هى أوامر ونواهى إرشاد وإعلام على جهة الوصية والنصيحة، وهى أحد دلائل العصمة، فوجودها لا يخل بالعصمة بناء على ما تقدم فى تعريف العصمة، فى بقاء الاختيار فى أفعالهم تحقيقًا للابتلاء (٢) .
ثالثًا: لله ﷿ أن يؤدب أنبياءه وأصفياءه، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله ﷿.
ألا ترى كيف نهى الله تعالى رسول الله ﷺ عن النظر لبعض المباحات فقال: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين. وقل إنى أنا النذير المبين﴾ (٣) مع قوله تعالى فى مقام آخر: ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٤) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء فى صلاة الليل ٣/٣٠٩ رقم ٧٧١ من حديث على ﵁.
(٢) يراجع ص٥، ٦.
(٣) الآيتان ٨٨، ٨٩ الحجر.
(٤) الآية ٣٢ الأعراف.
[ ٢٠٦ ]
.. فتأمل كيف أن الله ﷿ لم يحرم التمتع بالزينة، وأكل الطيبات إذا كانت من كسب الحلال، ومع ذلك نهى رسول الله ﷺ عن النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وهى من المباحات، فكيف يحرم النظر إليها؟! "إن ذلك ما هو إلا لأن الله تعالى أخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لقربهم عنده، وحضورهم، وتجاوز عن العامة أمثال ذلك، فإن الزلة على بساط الآداب، ليست كالذنب على الباب، كما لا يخفى على أولى الألباب، ممن قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين" (١) .
وتأمل قوله ﷺ يوم فتح مكة: "إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين" (٢) يعنى: الإشارة بالعين فى الأوامر حتى يفصح بها، والإشارة بالعين فى الأوامر مباحة لغير الأنبياء، لكن نهى عنها الأنبياء تنزهًا وتأكيدًا لرفع الالتباس" (٣) .
_________________
(١) شرح الشفا للقارى ١/٦٩، ويراجع ص١٢٧.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد ٤/١٢٨ رقم ٤٣٥٩، وفى كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام ٣/٥٩ رقم ٢٦٨٣، وصحح إسناده ابن تيمية فى الصارم المسلول ص١٠٩، وأخرجه النسائى فى سننه كتاب تحريم الدم، باب الحكم فى المرتد ٧/١٠٥ رقم ٤٠٦٧، والبيهقى فى سننه كتاب الجزية، باب الحربى إذا لجأ إلى الحرم، وكذلك من وجب عليه الحد ٩/٢١٢ والحاكم فى المستدرك ٣/٤٧ رقم ٤٣٦٠ وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبى.
(٣) تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص٨٤، ٨٥، وينظر: الخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٤١٤.
[ ٢٠٧ ]
.. إن رب العزة يأمر رسوله ﷺ بما يشاء، وإن استحال تركه، نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله﴾ (٣) وقد كان ﷺ من أتقى وأخشى خلق الله ﷿ (٤) وما قهر يتيمًا، وما نهر سائلًا، وإنما كان مثالًا أعلى للبذل والعطاء حتى شهد له ربه ﷿ بذلك بقوله: ﴿فلا أقسم بما تبصرون. ومالا تبصرون. إنه لقول رسول كريم﴾ (٥) وهو ما شهدت به سيرته العطرة قبل أن يأتيه وحى الله تعالى وبعده.
_________________
(١) جزء من الآية الأولى الأحزاب.
(٢) الآيتان ٩، ١٠ الضحى.
(٣) الآية ١٠٩ يونس.
(٤) يراجع الشواهد على ذلك ص١٣٠ – ١٣٢.
(٥) الآيات ٣٨ – ٤٠ الحاقة.
[ ٢٠٨ ]
.. فقد وصفته خديجة ﵂ بقولها: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (١) وتُكسب (٢) المعدوم، وتقرى الضيق، وتعين على نوائب الحق" (٣) فهى تصفه بهذه الصفات البالغة عظمة وخطورة، التى كان عليها قبل بعثته ورسالته، ولم يكن قد تحمل أعباء أمته، ولا قد أضفت عليه النبوة زيادة كمال وعظمة، فكيف به بعد ذلك كله؟! لا جرم أن كرمه ﷺ بعد ذلك سيكون بالغًا ذروة الذرى فى كرم الأنبياء وسائر البشر، وهو ما دلت عليه الدلائل النقلية الكثيرة منها ما روى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا" (٤) وهو ما يؤكد ما سبق من أن رب العزة يأمر نبيه ﷺ بما شاء، وإن استحال عليه تركه، وَمَنْ عِنْدَهُ خلاف ذلك فليأتنا به؟!
_________________
(١) هو الثقل من كل ما يتكلف من عيال ونحوهم. النهاية فى غريب الحديث ٤/١٩٨.
(٢) بضم أوله، وكسر ثانيه، كما هى إحدى روايات الحديث، وهو الأوجه فى ضبطها كما رجحه النووى فى شرح مسلم ١/٤٨١ رقم ٢٥٢، ومعناها: تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٠١ رقم ٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٤٧٤ رقم ٢٥٢.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل ١٠/٤٧٠ رقم ٦٠٣٤، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط، فقال: لا ٨/ ٧٩ رقم ٢٣١١.
[ ٢٠٩ ]
.. كما أن رب العزة ينهى رسوله ﷺ عما يشاء، وإن لم يكن وقوعه منه كما قال تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ (١) أى لا تعط شيئًا لتطلب أكثر منه، لأنه طمع لا يليق بك، بل اعط لربك، واقصد به وجهه (٢) وهكذا كان خلقه ﷺ.
وقال سبحانه: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) وما كان طردهم ﷺ من مجلسه، وما كان من الظالمين أى ممن ظلمهم بطردهم، لأنه لم يقع منه ذلك.
فعن سعد بن أبى وقاص ﵁ قال: كنا مع النبى ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبى ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع فى نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله ﷿: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٤) .
وهذا أصح ما روى فى سبب نزولها. وعند الحاكم فى مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضًا ولم يذكر فيه ما جاء فى رواية مسلم من قول سعد "فوقع فى نفس النبى ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه، فنزلت الآية".
_________________
(١) الآية ٦ المدثر.
(٢) المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ٧/١٤٤، ١٤٥.
(٣) الآية ٥٢ الأنعام.
(٤) الآية ٥٢ الأنعام، والحديث أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبى وقاص ﵁ ٨/١٩٩ رقم ٢٤١٣.
[ ٢١٠ ]
.. وإنما الذى جاء فى حديث الحاكم أن سعدًا قال: "نزلت هذه الآية فى خمس من قريش أنا وابن مسعود فيهم، فقالت قريش للنبى ﷺ: لو طردت هؤلاء عنك جالسناك! تدنى هؤلاء دوننا، فنزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ إلى قوله ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ (١) ولا يخلو هذا من الإشعار الذى أشعر به حديث مسلم فى كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح فى الإشعار من حديث الحاكم.
ولعل حديث الحاكم دخله شئ من الاختصار، أو أن حديث مسلم روى بالمعنى فدخله شئ من التفصيل.
وحديث سعد – عند مسلم – صريح فى أن العتاب فى الآية وقع على ما حدث به النبى ﷺ نفسه. وهذا على فرض التسليم به لا يقدح فى عصمته ﷺ، لأن همه ﷺ بذلك كان ابتغاء مرضاة الله تعالى، برجاء إسلام قومه، وذلك لا يضر فى نفس الوقت أصحابه ﵃ لعلمه ﷺ بأحوالهم ورضاهم بما يرضاه (٢) وإلا فما ورد على لسان سعد من همه ﷺ بالاستجابة لاقتراحهم لا حجة فيه، فقد أخبر بحسب ظنه، وأخبر عن أمر لا يعلمه إلا علام الغيوب المطلع على أسرار قلوب خلقه.
ويؤكد أن الإخبار عن هذا الهم بحسب ظن الراوى، وأن رسول الله ﷺ ما كان ليطردهم، ما أنزل عليه ﷺ من قبل آية الأنعام، مما جاء على لسان نوح ﵇ جوابًا على مثل اقتراح كفار قريش. قال تعالى: ﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكنى آراكم قومًا تجهلون. ويا قوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون﴾ (٣) .
_________________
(١) الآيتان ٥٢، ٥٣ والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٣٦٠ رقم ٥٣٩٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى.
(٢) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٢.
(٣) الآيتان ٢٩، ٣٠ هود.
[ ٢١١ ]
.. وهذا ما تؤكده الروايات السابقة، وشواهدها من حديث ابن مسعود ﵁ (١) وخباب ﵁ (٢) حيث لم يرد فى شئ منها أن رسول الله ﷺ طرد أحدًا من أصحابه فى مجلسه.
بل الروايات جميعها على أنه بمجرد اقتراح أهل الشرك على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم يومًا يجلسون معه دون الفقراء والعبيد، نزلت الآية جوابًا على اقتراحهم أو سؤالهم، بنهيه ﷺ عن ذلك قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ (٣) .
وهذه مِنَّة من الله ﷿ على رسوله ﷺ، حيث عاتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد العثرات الصورية، وأدب نبيه ﷺ بأشرف الآداب، وأجل الأخلاق، وعاتبه إن كان ثمَّ عتاب – قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء عن المخالفة، ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية والرعاية فى العصمة (٤) .
وإذا تقرر أن الله ﷿ ينهى رسوله ﷺ عما يشاء وإن لم يكن وقوعه منه، علمت الجواب الرابع عن هذه الشبهة وهو:
_________________
(١) أخرجه أحمد فى مسنده ٤/٤٢٠، والطبرانى ورجال أحمد رجال الصحيح غير كردوس وهو ثقة، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/ ٢٠، ٢١.
(٢) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء ٢/ ٥٤٤، ٥٤٥ رقم ٤١٢٧ وسنده صحيح كما قال البوصيرى فى مصباح الزجاجة ٣/٢٧٦، ٢٧٧ رقم ١٤٦٢، وقال ابن كثير بعد أن أورده من رواية ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/٢٥٥، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس، وعيينه، إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. قلت: يحتمل أن يكون الأقرع وعيينه نزلًا بمكة، وكانا ممن قال به كفار قريش، فلا غرابة أهـ والله أعلم.
(٣) الآية ٥٢ الأنعام.
(٤) شرح الشفا للقارى١/٦٩، وينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة ص٢١٥ – ٢١٧.
[ ٢١٢ ]
رابعًا: الأوامر والنوهى السابقة فى حقه ﷺ لا تقتضى الوقوع ولا الجواز فقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) كقوله ﷿: ﴿ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿أم يقولون افترى على الله كذبًا فإن يشأِ الله يختم على قلبك﴾ (٣) وقوله: ﴿فإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (٤) وقوله: ﴿وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ (٥) وقوله: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ (٦) وقوله: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (٧) وقوله: ﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ (٨) فكل هذا شرط، والشرط لا يقتضى الوقوع ولا الجواز، إذ لا يصح ولا يجوز على رسول الله ﷺ، أن يشرك، ولا أن يدعو من دون الله أحدًا، ولا أن يخالف أمر ربه ﷿، ولا أن يتقول على الله مالم يقل، أو يفترى على الله شيئًا، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يشك.
فمثال هذه الآيات إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة بمتساويين (٩) أى أن الشرط فى الآيات السابقة فى حقه ﷿، وفى حقه ﷺ، وحق غيره، معلق بمستحيل، فكما لا تنقسم الخمسة على متساويين، فكذلك الشرط فى الآيات السابقة لا يكون منه ﷺ، لا وقوعًا ولا جوازًا.
_________________
(١) الآية ٦٥ الزمر.
(٢) الآية ١٠٦ يونس.
(٣) جزء من الآية ٢٤ الشورى.
(٤) جزء من الآية ٦٧ المائدة.
(٥) الآية ١١٦ الأنعام.
(٦) الآية ٨١ الزخرف.
(٧) الآيات ٤٤ – ٤٦ الحاقة.
(٨) الآية ٩٤ يونس.
(٩) ينظر: التفسير الكبير للرازى ١٢/١٧٠، والبحر المحيط لأبى حيان ٤/٨٦.
[ ٢١٣ ]
خامسًا: وقيل فى الجواب عن الآيات التى معنا، أن الخطاب فى الظاهر فيها للنبى ﷺ والمراد بها غيره، إذ هو معصوم من مخالفة الأوامر، وارتكاب النواهى الواردة فى الآيات، ومستحيل عليه فعلها، لعصمة الله ﷿ له، وإنما هذا إفهام لغيره من المسلمين، أن الرسول ﷺ، وهو رسول رب العالمين، ذو المنزلة الرفيعة، والمقام الأسمى عند الله عزوجل، إن افترض وقوع ذلك منه، فإن الله تعالى يجازيه على ما فرط، فكيف إذا فعل ذلك أحد من المؤمنين؟! فسيلقى عقابه من باب أولى، وذلك أيضًا إيضاح لقدرة الله عزوجل، وأنه عدل، ولا يحابى أحدًا من خلقه فليس أحد من المشركين بمأمن من عذابه تعالى حتى ولو كان نبيًا، وهنا يفهم المؤمنون عامة، هذه الحقائق، فيرتدعون عن المعاصى والذنوب والآثام، خوفًا منه تعالى وخشية، مادام سبحانه لا يستثنى أحدًا من عذابه، إن أشرك.. حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولكنهم لا يشركون لعصمة الله ﷿ لهم (١) .
ومن ظن بأن الله تعالى يمكن أن يُقدِّر على الأنبياء، وعلى خاتمهم ﷺ ارتكاب الكبائر من الكفر والشرك والشك أو نحو ذلك، فقد ظن السوء بربه، أعوذ بالله تعالى من الخزى والخذلان، وسوء الخاتمة والمنقلب أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم