والرد عليها
زعم بعض المستشرقين أن النبى ﷺ، كان مصابًا ببعض الأمراض العقلية النفسية التى أثرت عليه تأثيرًا بالغًا ونتج من ذلك ما ادعى أنه وحى من الله.
قال جولد تسيهر (١): "وفى خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكارًا أخذ يجتريها فى قرارة نفسه، وهو منطو فى تأملاته أثناء عزلته، ولميل إدراكه وشعوره للتأملات المجردة، والتى يلمح فيها أثر حالته المرضية، نراه ينساق ضد العقلية الدينية والأخلاقية لقومه الأقربين والأبعدين" (٢) ولكن ما حقيقة هذه الأمراض، وما نوعيتها؟ يجيب على ذلك عدد من المستشرقين مع تباين تشخيصاتهم.
_________________
(١) مستشرق مجرى يهودى، رحل إلى سورية وفلسطين ومصر، ولازم بعض علماء الأزهر، له تصانيف باللغات الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، ترجم بعضها إلى العربية، قال الدكتور السباعى: عرف بعدائه للإسلام، وبخطورة كتاباته عنه، وهو من محررى دائرة المعارف الإسلامية، كتب عن القرآن والحديث، ومن كتبه: تاريخ مذاهب التفسير الإسلامى، والعقيدة والشريعة فى الإسلام، وغير ذلك مات سنة ١٩٢١م له ترجمة فى: الأعلام للزركلى ١/٢٨٤، والاستشراق للدكتور السباعى ص٣١، ٣٢، وآراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره للدكتور عمر إبراهيم ١/١٦١، ١٦٢.
(٢) العقيدة والشريعة فى الإسلام ص١١٢.
[ ٤٣٣ ]
.. زعم شبرنجر (١) وجوستاف فايل (٢) وغيرهم أنه كان مصابًا بحالات من الصرع يغيب فيها عن الناس وعما حوله، ويظل ملقى على أثرها بين الجبال لمدة طويلة، يسمع له على إثرها غطيط كغطيط النائم، ويتصبب عرقًا، ويثقل جسمه (٣) وتعتريه التشنجات، وتخرج منه الرغوة، فإذا أفاق ذكر أنه أوحى إليه، وتلا على أتباعه ما يزعم أنه وحى من الله (٤) .
وبعضهم اعتبرها حالة هستيريا، وتهيجًا عصبيًا، يظهر عليه أثرها فى مزاجه العصبى القلق، ونفسه كثيرة العواصف بشكل غامض، حتى كان يصل به الأمر أن لا يفرق بين تعاقب الليل والنهار، وقد هزل على إثرها جسمه، وشحب لونه، وخارت قواه (٥) .
_________________
(١) هو: ابن كرستوفر شبرنجر، مستشرق نمسوى، يجيد كثيرًا من اللغات، له إلمام بالأدب الشرقى مات سنة ١٨٩٣م، من آثاره: حياة محمد، وقد نشر بعض الكتب العربية مثل: الإصابة فى تمييز الصحابة، والإتقان فى علوم القرآن، له ترجمة فى: الأعلام ٢/٨، والمستشرقون لنجيب العقيقى ٢/٦٣١، ٦٣٢.
(٢) مستشرق ألمانى، له كتاب مدخل تاريخى نقدى إلى القرآن، مات سنة ١٨٨٩م. ينظر: آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره ١/٢٢٩.
(٣) ينظر: آراء المستشرقون حول القرآن وتفسيره ١/٣٩٨.
(٤) الإسلام والمستشرقين لنخبة من العلماء ص٢٠٢.
(٥) مقدمة القرآن لمونتجمرى وات ص١٧، ١٨، ومقدمة القرآن لبل ص٢٩، ٣٠، وينظر: سيرة الرسول ﷺ فى تصورات الغربيين للدكتور محمود زقزوق ص٢٠.
[ ٤٣٤ ]
.. ويذهب بعضهم إلى أنه نوع من الهوس (١) قائلًا: "ونرى محمدًا الثاقب النظر من الناحية العلمية من ذوى الهوس، كما هو شأن أكثر مؤسسى الديانات" (٢) وبالتأمل فى هذه الافتراءات ترى أنها مع طعنها فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ، تطعن فى عصمته فى عقله وبدنه.
ويجاب عن هذه الافتراءات من عدة وجوه:
أولها: أن المستشرقين هنا فيما يزعمون كالببغاوات يرددون شبهة إخوانهم أعداء الأنبياء والرسل الذين جعلوا ما يحصل لأنبياء الله مثل الذى يحصل للمجانين والسحرة، كما قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٣) وهى عين الفرية التى رمت بها قريش رسول الله ﷺ، فبرأه الله مما قالوا، بقوله سبحانه: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ (٤) أرأيت كيف يردد المستشرقون شبهة عفا عنها الدهر، وطوتها السنون، وبين الله فسادها قبل خمسة عشر قرنًا من الزمن، ثم جاءوا يلو كونها ويدندنون بها تشويهًا للإسلام، وتشكيكًا فى عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه.
ثانيها: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ، وسائر الأنبياء قبله من سائر الأمراض المنفرة، فرسول الله ﷺ، وكافة الرسل قبله، قد اشتهروا بالتعقل والنباهة والفطنة قبل النبوة وبعدها.
_________________
(١) الهوس: بالتحريك، طرف من الجنون، ويرادفه المس. ينظر: مختار الصحاح ص٧٠١، والقاموس المحيط ٢/٢٥٨.
(٢) حضارة العرب لجوستاف لبون ص١٢٦، ١٢٧، وينظر: الوحي القرآنى فى المنظور الاستشراقى ونقده للدكتور محمود ماضى ص١٠٩، ١٢٣.
(٣) الآيتان ٥٢، ٥٣ الذاريات.
(٤) الآية ٢٩ الطور.
[ ٤٣٥ ]
.. لقد كان ﷺ، أكمل الرجال عقلًا، وأشدهم فطنة، وأصوبهم قولًا، وأحكمهم فعلًا. وقد تحدى الله المشركين الذين عرفوه وعايشوه وخبروا حاله أن يثبتوا عليه جنونًا أو اختلال عقل، وذلك فى قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد﴾ (١) .
ففى قوله ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ أى جنون. مستأنف منبه لهم على أن ما عرفوه من رجاحة عقله كاف فى ترجيح صدقه؛ والتعبير عنه ﷺ بـ (صاحبهم) للإيماء أن حاله معروف مشهور بينهم، لأنه نشأ بين أظهرهم معروفًا بقوة العقل، ورزانة الحلم، وسداد القول والفعل (٢) .
فالآية الكريمة تقول لهم: "ها هو ذا تاريخ محمد ﷺ وأحاديثه، وسننه، وآدابه، وأخلاقه، وشريعته، تحت أنظاركم فانظروا وتفكروا من غير هوى ولا عصبية فى جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه – ولن تستطيعوا – ما يقيم عوج دعاواكم، وأفك أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمدًا ﷺ معصوم بعصمة الله ﷿، الذى أرسله ليقوض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد.
وبالجملة: فإن دلائل عصمته ﷺ فى عقله وبدنه، يشهد بها كتاب الله والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٣) .
ثالثها: أن ثمة فرقًا واضحًا بين صور الوحي الذى كان يتلقاه النبى ﷺ وبين أعراض مرض الصرع الذى زعمه هؤلاء المستشرقون غير المنصفين فصور الوحي قد وقفت عليها من قبل عند الحديث عن كيفياته بما لم أر بك حاجة إلى إعادة الحديث عنها هنا.
_________________
(١) الآية ٤٦ سبأ.
(٢) محاسن التأويل للقاسمى ١٤/ ٤٩٦.
(٣) يراجع: ص٤٧ – ٧٩، ٨٠ – ١٠٧.
[ ٤٣٦ ]
.. وأما أعراض مرض الصرع، فهو كما جاء فى كتاب "الموسوعة العربية الميسرة" أن يرى المريض شبحًا، ويسمع صوتًا أو يشم رائحة ويعقب ذلك وقوع المريض صارخًا على الأرض، وفاقدًا وعيه ثم تتملكه رعدة تشنجية تتصلب فيها العضلات، وقد يتوقف فيها التنفس مؤقتًا ويعقب النوبة خور فى القوى، واستغراق فى النوم يصحو منه المريض خالى الذهن من تذكر ما حدث له الخ (١) .
فإذا كان هذا هو الثابت علميًا، فهو بخلاف أمر رسول الله ﷺ، فلا يظهر عليه شئ مما ذكر من أعراض هذا المرض عند نزول الوحي عليه، بل يظل فى تمام وعيه، وكامل قوته العقلية، قبل وأثناء وبعد الوحي، كما قال ﷺ، لما سأل: كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانًا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال" (٢) .
وقد كان جبريل ﵇ يأتى إلى النبى ﷺ فى صورة الرجل فيحادثه أمام جمع من الحضور وهم يشاهدون ذلك كما ثبت فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان (٣) . وكما جاء فى حديث ابن عمر من إتيان جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ، فى صورة الصحابى الجليل دحية الكلبى (٤) .
لقد عاش النبى ﷺ طيلة حياته فى صحة نفسية وعصبية وعقلية دائمة، لم يطرأ عليه أى خلل فى عقله أو أعصابه فى يوم من الآيام، بل كان ﵊ بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وديعًا صبورًا حليمًا، بل كان عظيم الصبر، واسع الحلم، فيسح الصدر حتى أنه ﷺ، وسع الناس جميعًا ببسطه وخلقه.
_________________
(١) الموسوعة العربية الميسرة ليوسف إلياس سركيس حرف الصاد، مادة صرع.
(٢) سبق تخريجه ص٢٨.
(٣) سبق تخريجه ص٢٥٥.
(٤) سبق ذكرهوتخريجه ص٢٥٥.
[ ٤٣٧ ]
.. وكان شجاعًا مقدامًا، سليم الجسم، صحيح البدن، حتى إنه صارع ركانة (١) المشهور بشجاعته فصرعه (٢) .
وكان يثبت فى الميدان حتى يفر الشجعان، ويفزع الخلق، ويشتد الأمر ويقول كما حدث فى غزوة حنين، وقد انقشع عنه أصحابه: "أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (٣) ويقول "إلى أيها الناس، هلم إلى، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" (٤) ولا يزال كذلك حتى ينصره الله فى المعركة.
_________________
(١) هو: ركانة بن يزيد بن هاشم القرشى المطلبى، كان من مسلمة الفتح، وكان من أشد الناس، وهو الذى سأل رسول الله ﷺ أن يصارعه قبل إسلامه، فصرعه مرتين أو ثلاثًا، مات فى أول خلافة معاوية سنة ٤٢هـ، له ترجمة فى: الاستيعاب ٢/٥٠٧ رقم ٨٠١، وأسد الغابة ٢/٢٩٣ رقم ١٧٠٨، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٨٦.
(٢) الحديث أخرجه أبو داود فى سننه كتاب اللباس، باب العمائم ٤/٥٥ رقم ٤٠٧٨، والترمذى فى سننه كتاب اللباس، باب العمائم على القلانس ٤/٢١٧ رقم ١٧٨٤ وقال حديث حسن غريب، والحاكم فى المستدرك ٣/٥١١ رقم ٥٩٠٣ وسكت عنه، وحذفه الذهبى من التلخيص، وأخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ٢/٣٩٤ رقم ٢٩٩، والبيهقى فى دلائل النبوة ٦/٢٥٠.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم﴾ الآية ٧/٦٢٢ رقم ٤٣١٥ ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب غزوة حنين ٦/٣٥٦ رقم ١٧٧٦ من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٤) أخرجه أحمد فى المسند ٣/٣٧٦، وابن إسحاق فى السيرة النبوية لابن هشام ٤/٧٨ نص رقم ١٧٤٥ والبيهقى فى دلائل النبوة ٥/١٢٧، والبزار وأبو يعلى – وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع فى رواية أبى يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٦/١٨٠ والحديث من رواية جابر ﵁.
[ ٤٣٨ ]
.. وبالجملة: كان كمال عقله وخلقه ﷺ، مضرب الأمثال لعصمة الله له على ما سبق تفصيله (١) .
ولكل منصق أن يتساءل: هل يتفق هذا المرض وما هو معروف عن النبى ﷺ من أنه كان أمة وحده، فى أخلاقه، وثباته، وحلمه، وسلامة جسمه وقوة بنائه؟.
ثم كيف يتفق ذلك الداء العضال الذى أعيا الأطباء، وما انتدب له رسول الله ﷺ من تكوين شموس أبيه، وتربيتها على أسمى نواميس الهداية وقوانين الأخلاق، وقواعد النهضة والرقى، مع أنها أمة صحراوية النفوس، صخرية الطباع؟!.
أضف إلى ذلك أنه نجح فى هذه المحاولة المعجزة، إلى درجة جعلت تلك الأمة، بعد قرن واحد من الزمان، هى أمة الأمم، وصاحبة العلم، وربة السيف والقلم.
فهل المريض المتهوس الذى لا يصلح لقيادة نفسه يتسنى له أن يقوم بهذه القيادة العالمية الفائقة، ثم ينجح فيها هذا النجاح المعجز المدهش؟.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم (٢) .
_________________
(١) يراجع ص٦٩ – ٧٩.
(٢) مناهل العرفان فى علوم القرآن للزرقانى ١/٨١، ٨٢ بتصرف، وينظر: النبى محمد ﷺ لعبد الكريم الخطيب ص١٣٩، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور أبى شهبة ١/٢٧٤.
[ ٤٣٩ ]
.. يقول المستشرق ماكس مايرهوف (١): "أراد بعضهم أن يرى فى محمد رجلًا مصابًا بمرض عصبى أو بداء الصرع، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره، ليس فيه شئ يدل على هذا، كما أن ما قام به فيما بعد من التشريع والإدارة يناقض هذا القول" (٢) .
رابعها: لو كان النبى ﷺ مصابًا بمرض الصرع، لذكر ذلك أصحابه الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا نقلوها عنه، أو ذكره أعداؤه فى ذلك العصر، هؤلاء الذين كانوا يتربصون بالنبى ﷺ الدوائر، ويودون أن يظفروا منه ولو بشئ نذر يسير يعيرونه به.
أليس هم القائلون: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (٣) فأقصى ما عابوه فيه – كما ترى – أنه فقير ومثله فى نظرهم لا يحق أن يكون نبيًا.
_________________
(١) مستشرق ألمانى، من كبار أطباء العيون العالميين، وفى طليعة مؤرخى الطب العربى، تعد اكتشافاته فيه، وكتابته عنه، بالفرنسية والإنجليزية والألمانية، مرجعًا دقيقًا وافيًا، سكن مصر، وانتخب نائبًا لرئيس المعهد المصرى، والجمعية الطبية المصرية. توفى بالقاهرة سنة ١٩٤٥م. له ترجمة فى: المستشرقون الأمانى تراجمهم ص١٤١ – ١٤٤، والأعلام للزركلى ٥/٢٥٦، ٢٥٧.
(٢) ينظر: الإسلام والرسول فى نظر منصفى الشرق والغرب لأحمد بوطامى ص١٦٢.
(٣) الآية ٣١ الزخرف.
[ ٤٤٠ ]
.. فلو كان ﷺ مريضًا بالصرع كما زعم هؤلاء الحاقدون، لوجد أعداؤه فى ذلك فرصة سانحة للطعن عليه، لكن ما حدث ممن خلصت ضمائرهم بعض الوقت، وكانوا مع أنفسهم صادقين قبل ما يطرأ عليهم من إرهاب فكرى من أمثال الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث الذى نفى فى إشارة بليغة عن رسول الله ﷺ وما جاء به، السحر، والكهانة، والشعر، والجنون، حيث أنهم يعلمون علم اليقين حقيقة هذه الألفاظ، واعترف النضر بن الحارث بإقرار صناديد قريش، أن رسول الله ﷺ وما جاء به، بعيدان كل البعد عن حقيقة الألفاظ السابقة (١) .
وهنا يحق لنا أن نتساءل: إذا لم يذكر لنا التاريخ أن النبى ﷺ أصيب بهذا النوع من الأمراض المنفرة؛ فليأتنا أعداء الإسلام بما يكذب ذلك؟ ولكن أنى لهم ذلك! اللهم إلا ما كان من هؤلاء المأفونين من المستشرقين الذين زعموا هذا الزعم بناءً على تصورهم للحالة التى كانت تعتريه عند نزول الوحي عليه، وهى حالة واحدة من حالات متعددة كان يأتيه عليها الوحي كما علمت، وبينها وبين ما تصوروه عنها بعد المشرقين.
وأتساءل أيضًا: هل الذين آمنوا برسول الله ﷺ منذ خمسة عشر قرنًا، واتبعوا الدين الذى جاء به من قادة الفكر على امتداد العصور؛ كلهم أغبياء مغرورون، لم يميزوا بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والصحة والمرض، والكمال والنقص؟!.
خامسها: ثم ما رأى هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمى إلى بعض الأديان فى أنهم لا ينالون من نبوة وعصمة سيدنا محمد ﷺ وحده؛ وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف، أوحى بها من عند الله سبحانه.
_________________
(١) يراجع: نص كلام النضر بن الحارث ص٢٧٢.
[ ٤٤١ ]
.. فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم؟ فما رأيهم فيما جاء فى كتب العهد القديم والجديد، من إيحاءات ونبوءات؟.
وهل يقولون فى وحى نبى الله موسى وعيسى ﵉ ما يقولون فى وحى نبينا محمد رسول الله ﷺ؟.
إن الرسول ﷺ، ليس بدعًا من الرسل فى باب الوحي، إنه أوحى إليه كما أوحى إليهم، وصدق الحق ﵎ حيث يقول: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ (١) .
اللهم إن هذا الطعن لا يقول به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرف، وإما رجل مخرب مدمر يريد هدم الأديان (٢) .
قلت: فلا نبينا ﷺ، ولا أحد من إخوانه من الأنبياء أصيب بمثل هذه الأمراض المنفرة، لعصمة ربهم لهم (٣) وإنما المرضى – حقيقة – هم أعداؤهم من كل أمة. أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
_________________
(١) الآية ١٦٣ النساء.
(٢) السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٧٨، ٢٧٩.
(٣) يراجع ما سبق فى المراد بعصمة الأنبياء فى بدنهم ص٨٠.
[ ٤٤٢ ]