والرد عليها
زعم أعداء السنة النبوية، أن رسول الله ﷺ، ليست له سنة، وأن سنته الحقيقية هى القرآن الكريم فقط، وزعموا أن القول بأن له سنة نبوية، تشويه لسيرته، وتجعله مشرعًا.
يقول إسماعيل منصور: "إن السنة الحقة، هى سنة واحدة، سنة الله ﷿، وليست هناك سنة أخرى غيرها، وإنما للرسول، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقًا، لا يخالف بأى حال أحكام ومدلولات القرآن الكريم، فنقبله كبيان فحسب، وليس تشريعًا مستقلًا" (١) .
ويقول أحمد صبحى منصور: "إن تلك الأحاديث المذكورة فى كتب التراث ليست من الوحي، الذى نزل على النبى، وليس هناك فى الإسلام حديث إلا حديث الله تعالى فى القرآن، أما تلك الأحاديث التراثية، وأسفارها، فلا أول لها ولا آخر، وهى تتناقض حتى فى الكتاب الواحد، وربما فى الصفحة الواحدة وتخالف القرآن مثل الرجم وحد الردة" (٢) .
_________________
(١) بلوغ اليقين بتصحيح مفهوم ملك اليمن ص٢١، ٢٤ وينظر: مجلة المنار المجلد ٩/٩٠٨، ٩٢٤ مقال الدكتور توفيق صدقى (الإسلام هو القرآن وحده) .
(٢) مشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص٢٨٢، ٢٨٧، ٢٩٣ وينظر له أيضًا: لماذا القرآن ص٦٨، ٧٠ - ٧٨، ولا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن ص٣٩، وعذاب القبر والثعبان الأقرع ص٥، ١٦، وحد الردة ص٤٠، ٨٩، ومقدمة أحمد صبحى لكتاب إعادة قراءة القرآن لجاك بيرك ص٢٥، ٢٦.
[ ٥٠٣ ]
.. ويقول صالح الوردانى: "وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول ﷺ، هى تبليغ ما يوحى إليه من ربه، فلا يجوز للرسول أن يضيف أحكامًا فوق أحكام القرآن، فمهمته تنحصر فى تبليغ القرآن وتبيينه للناس، وتنتهى هذه المهمة بوفاته" (١) ويقول أيضًا: "الروايات المنسوبة للرسول، والتى تضيف على لسانه أحكامًا جديدة، وتخترع أحكامًا لا وجود لها فى القرآن تضع الرسول فى دائرة المشرع" (٢) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولًا: سبق فى المطلب السابق تفصيل أن لرسول الله ﷺ فى رسالته مهمة ووظيفة، زائدة على مجرد البلاغ، وهى مهمة تبيان القرآن الكريم، وهذه المهمة تضاربت فيها أقوال من يسمون أنفسهم "القرآنيون". فبينما تجد بعضهم فيما سبق يجحد هذه المهمة من أصلها، ترى هنا بعضهم يؤمن بها، وبمفهومه الخاص، القائم على إنكار أن يكون لرسول الله ﷺ فى رسالته، وحى غير متلو - السنة المطهرة.
_________________
(١) الخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٤٠، ٤١، وينظر: له أيضًا أهل السنة شعب الله المختار ص٧٩، ٨٠.
(٢) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص١٢٩، وينظر: المواجهة مع رسول الله لأحمد حسين يعقوب ص٣٠٦،والسنة ودورها فى الفقه الجديد لجمال البنا ص٢٥٣، ٢٥٤، وينظر لها مقال فى جريدة الجيل العدد ٣٣ بتاريخ ١٣/٦/١٩٩٩، والإسلام فى الأسر للصادق النيهوم ص١٣٨ -= =١٤٠، والصلاة لمحمد نجيب ص٢٧٦، ٦٦٢، وحقيقة السنة لأحمد حجازى السقا ص٧، ٩، ١٣، ١٤، والكتاب والقرآن قراءة معاصرة ص٥٦٨، والدولة والمجتمع ص٢٣٢، كلاهما لمحمد شحرور، والإمام الشافعى لنصر أبو زيد ص٨٣، ٩٠، وجريدة الجيل العدد ٣٥ مقال لمحمد شبل.
[ ٥٠٤ ]
ثانيًا: إذا تقرر لك بالدليل القاطع أن لرسول الله ﷺ تبيانًا للقرآن الكريم، فاعلم أن لهذا التبيان صفة المبين، من حيث وجوب قبوله، ووجوب العمل به، وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ ويستلزم هذا ضرورة أن هذا التبيان النبوى، هو الحكمة وهى السنة النبوية التى عبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" (١) .
وبناء الفعل للمجهول "أوتيت" يدل على أن الله تعالى، أعطى لرسوله ﷺ، القرآن ومثله معه، فما هو المماثل الذى تلقاه رسول الله ﷺ عن ربه؟ يصرح القرآن الكريم بأن هذا المماثل هو "الحكمة" التى قرنها رب العزة فى كتابه مع القرآن الكريم فى آيات عدة منها:
قوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ (٢) فالآية والحديث يفيدان أن الله تعالى، أنزل عليه ﷺ، الكتاب والحكمة، مثل القرآن، وهى معه، آتاهما الله له ﷺ، بل إن إحدى روايات هذا الحديث تتواءم مع الآية أكثر من هذه الرواية، ونصها: "أتانى الله ﷿ القرآن، ومن الحكمة مثليه" (٣) .
وقال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٤) فعطف الحكمة على آيات الله، لتندرج تحت ما أضيف إليها وهو "التلاوة" وهذا يضفى على الحكمة – وهى السنة – أنها فى حجيتها، ووجوب تبليغها، كالقرآن سواء بسواء (٥) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص١٣.
(٢) الآية ١١٣ النساء.
(٣) هذه رواية مكحول عن رسول الله ﷺ، وأخرجها أبو داود فى مراسيله ص١٦٦ رقم ٥٦٥.
(٤) الآية ٣٤ الأحزاب.
(٥) السنة بيانًا للقرآن للدكتور إبراهيم الخولى ص٤٤.
[ ٥٠٥ ]
وقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (١) قال الإمام الشافعى (٢): "فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة (٣) سنة رسول الله ﷺ، قال: وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز – والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله" (٤) .
_________________
(١) الآية ١٦٤ آل عمران.
(٢) هو: أبو عبد الله، محمد بن أدريس بن العباس بن شافع القرشى المطلبى، الإمام الجليل صاحب المذهب المعروف، من أشهر مصنفاته: الأم، والرسالة، وأحكام القرآن، مات سنة ٢٠٤هـ له ترجمة فى: طبقات الشافعية لابن السبكى ٢/٧١ رقم ١٤، وشذرات الذهب ٢/٩، ووفيات الأعيان ٤/١٦٤ رقم ٥٥٨، وطبقات الفقهاء للشافعيين لابن كثير ١/٣ – ٩٣.
(٣) الحكمة: تطلق فى اللغة على عدة معان سبق ذكر بعضها ص٢٥٨، ولقد اقتصرت على المعنى المراد فى الآيات التى استدل بها.
(٤) الرسالة للشافعى ص٧٨، ٧٩ فقرات رقم ٢٥٢ – ٢٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٥٨ رقم ٢٥٦، وينظر: مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص١٥٠.
[ ٥٠٦ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: "الكتاب والحكمة" الكتاب والسنة (١) وعن قتادة قال: والحكمة أى السنة (٢) ونفس القول قال به غيرهما (٣) وعلى هذا الفهم سلفنا الصالح من أئمة المسلمين (٤) .
ثالثًا: إذا تقرر أن تبيان رسول الله ﷺ للقرآن الكريم هو الحكمة، وأن هذه الحكمة هى السنة النبوية، وأنها متماثلة للقرآن كما قال رسول الله ﷺ، فهذا يعنى أنها مثل القرآن فى وجوب قبولها، والعمل بها، سواء بسواء؛ لأنها مثل القرآن وحى من عنده تعالى، وإليك تفصيل أدلة ذلك: