والرد عليها
روى البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة (١) فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو فى غار حراء، فجاءه الملك،، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذنى فغطنى (٢) حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم﴾ (٣) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زملونى زملونى فزملوه (٤) حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله
_________________
(١) هى: خديجة بنت خويلد، أول نساء رسول الله ﷺ، ولم يتزوج عليها فى حياتها قط، رزق حبها، ورزق منها جميع ولده، عدا إبراهيم ﵁، وكانت وزيرة صدق له ﷺ، تفرج همومه، وتنفس كربه، ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة أبى طالب بثلاثة أيام، ولذلك سمى هذا العام بعام الحزن. لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٨٠ رقم ٦٨٧٤، والاستيعاب ٤/١٨١٧ رقم ٣٣١١، وتاريخ الصحابة ص٩٢ رقم ٣٩٠، والإصابة ٤/٢٨١.
(٢) الغط: العصر الشديد، والكبس، ومنه الغط فى الماء، الغوص. النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٥.
(٣) الآيات ١ - ٣ العلق.
(٤) أى: لفوه: يقال: تزمل بثوبه إذا التف فيه. النهاية ٢/٢٨٣.
[ ٣٠٢ ]
أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (١) وتكسب المعدوم (٢) وتقرى الضيف، وتعين على نوائب (٣) الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى – ابن عم خديجة – وكان امرءًا تنصر فى الجاهلية، فيكتب بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمى (٤) فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذى نزل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذعًا (٥) ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك رسول الله ﷺ أو مخرجى هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك، أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي" (٦)
_________________
(١) بالفتح: الثقل من كل ما يتكلف، والكل: العيال، والمراد: من يستقل بأمره، كما قال الله تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ جزء من الآية ٧٦ النحل ينظر: النهاية ٤/١٧٢،وفتح البارى١/٣١ رقم ٣.
(٢) بضم أوله: هو الفقير، والمراد تعطى الناس مالا يجدونه عند غيرك. النهاية ٣/١٧٣.
(٣) النوائب: جمع نائبة، وهى الحادثة، وإنما قالت: نوائب الحق، لأن النائبة قد تكون فى الخير، وقد تكون فى الشر، وهى كلمة جامعة لما تقدم من أوصاف، ولغيرها.
(٤) مات قبل أن يؤمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم بالبلاغ سنة١٢هـ له ترجمة فى: أسد الغابة ٥/٤١٦ رقم ٥٤٦٥.
(٥) يعنى: شابًا قويًا، حتى أبالغ فى نصرتك وحمايتك، وأصل الجذع: من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابًا قويًا، وهو هنا استعارة. ينظر: النهاية ١/٢٤٣.
(٦) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٠، ٣١ رقم ٣، وفى كتاب التفسير، باب سورة العلق ٨/٥٨٥ رقم ٤٩٥٣، وأرقام ٤٩٥٥ – ٤٩٥٧ مختصرًا، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٤٧٤، ٤٧٥ رقم ٢٥٢، والحاكم فى المستدرك ٣/٢٠٢ رقم ٤٨٤٣، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يذكره الذهبى فى التلخيص، ولا يخفى أن الشيخين قد أخرجاه، ولكن من غير طريقه، وأحمد فى مسنده ٦/٢٢٣، والطيالسى فى مسنده ص٢٠٦ رقم ١٤٦٧، ص٢١٥، ٢١٦ رقم ١٥٣٩، وحسن إسناده الحافظ فى فتح البارى ١/٣٣ رقم ٣، قلت: فيه رجل مبهم قد سماه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٥ رقم ١٦٣ حيث أخرج الحديث عن أبى عمران عن (يزيد بن بابنوس) عن عائشة، وابن بابنوس هو الرجل المبهم فى سند الطيالسى، وهو حسن الحديث، ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين ٥/٥٤٨، وقال ابن حجر: مقبول، أخرج له البخارى فى الأدب المفرد، وأبو داود والنسائى فى السنن، والترمذى فى الشمائل، ينظر: تهذيب التهذيب ١١/٣١٦، وتقريب التهذيب ٢/٣٢١ رقم ٧٧٢٢، والحديث أخرجه أيضًا ابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٢٩، ١٣٠، وابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام) ١/٣٠٢ – ٣٠٥ نصى رقم ٢٣٠ – ٢٣١.
[ ٣٠٣ ]
٠
وفى هذا الحديث الموصول زيادة فى آخره رواها الإمام عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى بلاغًا قال: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا، كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكى يلقى منه نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك" (١) .
بهذه الرواية وزيادتها، طعن أعداء السنة والسيرة العطرة قديمًا وحديثًا فى المحدثين زاعمين أن فى هذه الرواية طعن فى نبوة رسول الله ﷺ وعصمته. فقديمًا قالوا: "كيف يجوز للنبى أن يرتاب فى نبوته حتى يرجع إلى ورقة، ويشكوا لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفى بذروة جبل ليلقى منها نفسه على ما جاء فى رواية معمر؟ " (٢) .
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٥/٣٢١ – ٣٢٣ ومن طريقه أحمد فى مسنده ٦/٢٣٢، ٢٣٣، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة ١٢/٣٦٨ رقم ٦٩٨٢، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب الوحي ١/١١٩، ١٢٠، وأبو نعيم فى دلائل النبوة ١/٢١٣ – ٢١٥ رقم ١٦٢.
(٢) حكاه عنهم الإمام الإسماعيلى، على ما نقله عنه الحافظ فى فتح البارى ١٢/٣٧٧ رقم ٦٩٨٢.
[ ٣٠٤ ]
.. وحديثًا: لم يخرج أعداء السنة والسيرة عن طعون أسلافهم قديمًا. إذ يقول: عبد الحسين شرف الدين الموسوى (١) "تراه – يعنى حديث بدء الوحي – نصًا فى أن رسول الله ﷺ كان – والعياذ بالله – مرتابًا فى نبوته بعد تمامها، وفى المَلَكْ بعد مجيئه إليه، وفى القرآن بعد نزوله عليه، وأنه كان من الخوف على نفسه فى حاجة إلى زوجته تشجعه، وإلى ورقة الأعمى الجاهلى" (٢) .
ويقول جعفر مرتضى العاملى (٣) "كيف يجوز إرسال نبى يجهل نبوة نفسه، ويحتاج فى تحقيقها إلى الاستعانة بامرأة، أو نصرانى؟ ألم تكن هى فضلًا عن ذلك النصرانى أجدر بمقام النبوة من ذلك الخائف المرعوب الشاك؟ ثم كيف يتناسب ذلك مع كونه أراد أن يلقى نفسه من شواهق الجبال" (٤) .
_________________
(١) شيعى إمامى، ولد فى الكاظمية ببغداد سنة ١٢٩٠هـ. من مؤلفاته: أبو هريرة، والنص والاجتهاد، مات سنة ١٣٧٧هـ – ١٩٥٧م. ترجم له: محمد صادق الصدر فى مقدمة كتاب النص والاجتهاد ص٥ – ٣٩.
(٢) النص والاجتهاد ص٢٩٥ – ٢٩٦.
(٣) كاتب شيعى، إمامى، معاصر، من مؤلفاته: الحياة السياسية للإمام الرضا، والصحيح من سيرة النبى الأعظم ﷺ، نال به جائزة الكتاب الأول فى مجال كتابة السيرة من الجمهورية الإسلامية بإيران لعام ١٤١٣هـ والكتاب يرفض فيه صاحبه سيرة رسول الله ﷺ الواردة فى السنة المطهرة، كما يطعن فى طول الكتاب البالغ عشر مجلدات فى كل منقبة لصحابة رسول الله ﷺ، واردة فى السنة والسيرة.
(٤) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٢/٢٩٨، وينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٤٥ – ٢٤٨، والأضواء القرآنية لصالح أبو بكر ٢/١٢٤ – ١٢٧، ودفاع عن السنة لمحمد الهاشمى ص٤٣، وحياة محمد لدرمنغم ص٦٥، ٨٦، والرسول حياة محمد للمستشرق بود لى ص٥٧ – ٦٣، والظاهرة القرآنية لمالك بن نبى ص٩٤.
[ ٣٠٥ ]
.. ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:
أولًا: الحديث الذى طعنوا فيه - بدون الزيادة - صحيح سندًا ومتنًا، وفى أعلى درجات الصحة، باتفاق البخارى ومسلم وغيرهما على إخراجه من رواية عائشة ﵂، ولا يقدح فى سند الحديث، وصحة متنه، أن عائشة ﵂ لم تدرك القصة، لما يلى:
أ- لأن مرسل الصحابى حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به (١) .
ب- السيدة عائشة ﵂ لم تنفرد برواية حديث بدء الوحي، فللحديث شاهد من حديث جابر بن جابر عبد الله ﵁، وهو أيضًا لم يشهد هذه القصة، ولكنه فى روايته يصرح بالتحديث عن بدء الوحي وفترته سماعًا من رسول الله ﷺ (٢) مما يؤكد صحة مرسل عائشة، حيث لا يبعد سماعها تلك القصة من رسول الله ﷺ أو ممن سمعها منه ﷺ، وهو يحدث بها، كما سمعها جابر وصرح بذلك. ومما يؤكد صحة سماعها ﵂ من رسول الله ﷺ حديث بحثنا، ما ورد فى الحديث من قوله (فغطنى حتى بلغ منى الجهد) فهنا فى الكلام التفات، حيث انتقل الكلام من حكاية عائشة، إلى حكاية رسول الله ﷺ، عن نفسه، مما يؤيد صحة إرسالها، وأنه موصول من أوله إلى آخره.
ثانيًا: الزيادة الواردة فى سند حديث عائشة ﵂ غير ثابتة عن رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا منها، ولا فعلها، فهى لا تصح سندًا ولا متنًا لما يلى:
_________________
(١) سبق تفصيل ذلك ص١٥٩.
(٢) سيأتى ذكر الرواية وتخريجها قريبًا.
[ ٣٠٦ ]
أ- فأما الدليل على عدم صحة هذه الرواية سندًا فهو ما ورد فى الرواية ذاتها إذ فيها "حزن النبى ﷺ، فيما بلغنا" والقائل "فيما بلغنا" هو الإمام الزهرى (١) وهو أعلم الحفاظ، ولكن لا يقبل ما رواه من غير سند! فعن يحيى بن سعيد القطان (٢) قال: مرسل الزهرى شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى! وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه (٣) وهذه الزيادة من هذه القبيل، حيث أنها منقطعة قد رواها الزهرى بلاغًا، وهو من صغار التابعين، وجل روايته عن كبار التابعين، وأقلها عن صغار الصحابة (٤) فكيف بالكبار منهم، لاسيما من شهدوا بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (٥)
_________________
(١) على ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، وتبعه فى ذلك السيوطى، والقسطلانى، خلافًا للقاضى عياض، حيث جزم بأن البلاغ من قول معمر، ينظر: فتح البارى ١/٣٧٦ رقم ٦٩٨٢، والمواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ١/٤٠٢ قلت: سواء كان هذا البلاغ من قول معمر أو الزهرى فهو غير مسند، وهذا مطعن فيه من جهة السند، فلا وجه لقبوله، لأن البلاغ من قبيل المنقطع وهو من أنواع الضعيف.
(٢) هو: يحيى بن سعيد بن فروخ، التميمى، أبو سعيد القطان البصرى، أحد الأئمة الأعلام، ثقة، حافظ، متقن، كان رأسًا فى العلم والعمل، مات سنة ١٩٨هـ له ترجمة فى: تقريب التهذيب ٢/٣٠٣ رقم ٧٥٨٤، والكاشف ٢/٣٦٦ رقم ٦١٧٥، ومشاهير علماء الأمصار ص١٩٢ رقم ١٢٧٨، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص١٣١ رقم ٢٦٨.
(٣) ينظر: تذكرة الحفاظ ١/١٠٨ رقم ٩٧، وتدريب الراوى ١/١٩٦، ٢٠٥.
(٤) ينظر: تقريب التهذيب ١/٢٥ المقدمة.
(٥) وفى هذا رد على الإمام الزرقانى فى رده على القاضى عياض بأن هذا البلاغ ضعيف، قائلًا: هذا البلاغ ليس بضعيف، كما ادعى عياض متمسكًا بأنه لم يسنده، لأن عدم إسناده، لا يقدح فى صحته، بل الغالب على الظن أنه بلغه عن الثقات أهـ وما قاله الإمام الزرقانى: فرض احتمالى، لا يثبت، ولا يقوم على قدم صحيحة، ومجرد الاحتمال كافٍ لرده وعدم قبوله، ويرده أيضًا ما قاله يحيى بن سعيد القطان. ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٤٠٣، والشفا ٢/١٠٤، ومحمد رسول الله لفضيلة الشيخ عرجون ١/٣٨٦ – ٣٩٤.
[ ٣٠٧ ]
وعلى ذلك فلا سند يعتمد عليه، ولعل الإمام البخارى وغيره ممن أخرج هذه الزيادة أرادوا بذلك التنبيه إلى مخالفتها لما صح من حديث بدء الوحي الذى لم تذكر فيه هذه الزيادة، وخصوصًا أن البخارى لم يذكر هذه الزيادة فى بدء الوحي، ولا التفسير، وإنما ذكرها فى التعبير على ما سبق فى التخريج.
ويؤيد ما سبق، أن الأئمة الحفاظ يذكرون عقب هذه الزيادة حديث جابر الصحيح فى فترة الوحي إلى الزهرى بنفس السند الذى يروونه عنه فى حديث عائشة الأول، ويفهم من صنيعهم ذلك: أن الزهرى نفسه كان يحدث بحديث جابر عقب حديث عائشة.
ففى مصنف الإمام عبد الرزاق بعد فراغه من حديث عائشة: قال معمر، قال الزهرى، فأخبرنى – حرف الفاء هذا يفيد العطف على رواية سابقة، والتعقيب بأخرى لاحقة، وذلك فى مجلس واحد - أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ، وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال فى حديثه: "بينما أنا أمشى سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسى، فإذا الذى جاءنى بحراء جالسًا على كرسى بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ (١) منه رعبًا، ثم رجعت، فقلت: زملونى، زملونى، ودثرونى، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى ﴿والرجز فاهجر﴾ (٢) .
_________________
(١) فى بعض الروايات (فجثثت) بمثلثة بدل الهمزة، ومعناهما: فزعت منه، وخفت، وذعرت، وقيل: معناه: قلعت من مكانى. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ١/٢٣١، ٢٢٥.
(٢) الآيات ١-٥ المدثر، وينظر: مصنف عبد الرزاق ٥/٣٢٣، ٣٢٤، ودلائل النبوة لأبى نعيم ١/٢١٣ – ٢١٥ رقم ١٦٢.
[ ٣٠٨ ]
.. وكذلك الإمام البخارى ذكر حديث عائشة المتقدم فى بدء الوحي عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ إلى قولها: ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي، ثم قال عقبة: قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارى قال فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، غير أنه زاد فى آخره: "فحمى الوحي وتتابع" (١) .
قال الحافظ ابن حجر: قوله: (قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة) إنما أتى بحرق العطف، ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال: أخبرنى عروة بكذا، وأخبرنى أبو سلمة بكذا، وأخطأ من زعم أن هذا معلق، وإن كانت صورته صورة التعليق، ولو لم يكن فى ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة، فإنها دالة على تقديم شئ عطفته – وهو حديث عائشة المتقدم – ثم قال ابن شهاب – أى بالسند المذكور – وأخبرنى أبو سلمة بخبر آخر، وهو حديث جابر عن فترة الوحي) (٢) .
وكذلك فعل الإمام أحمد فى مسنده، مع أنه قد جمع فى مسنده مرويات كل صحابى على حده، دون الالتزام بالوحدة الموضوعية للأحاديث، لكنه لما روى حديث عائشة المتقدم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، قال: فذكر حديثًا (٣) لعله يشير إلى حديث جابر الذى أخرجه قبل ذلك فى المسند (٤) .
_________________
(١) صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحي ١/٣٧ رقم٤، وفى كتاب التفسير، باب سورة اقرأ باسم ربك الذى خلق ٨/٥٨٥، ٥٨٦ رقمى ٤٩٥٣، ٤٩٥٤، وأخرجه فى مواطن أخرى من صحيحه، ينظر: تفسير سورة المدثر ٨/٥٤٥ – ٥٤٧ أرقام ٤٩٢٢ – ٤٩٢٥، وفى كتاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء ١٠/٦١١ رقم ٦٢١٤.
(٢) فتح البارى ١/٣٧ رقم٤.
(٣) المسند ٦/٢٣٢، ٢٣٣.
(٤) ينظر المسند ٣/٢٣٢، ٢٣٣.
[ ٣٠٩ ]
.. وكذلك صنعا مسلم، وابن حبان فى صحيحيهما عقب إخراجهما لحديث عائشة ﵂ (١) فدل هذا كله، على أن ابن شهاب الزهرى كان يحدث بالحديثين معًا، كما روى عنه غير واحد مما سبق بيانه، وأن الصواب فى رواية حديث عائشة بدون تلك الزيادة، كما أخرجه مسلم، والبخارى فى بعض مواضعه، وغيرهما (٢) .
ب- أما الدليل على عدم صحة هذه الزيادة متنًا فهو ما يلى:
_________________
(١) ينظر: صحيح مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/٤٧٦ رقم ٢٥٥، وصحيح ابن حبان (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب بدء الوحي، باب ذكر القدر الذى جاور المصطفى ﷺ بحراء عند نزول الوحي عليه ١/١٢١، ١٢٢، وينظر: الإتقان فى علوم القرآن ١/٧٤ – ٧٦ نصوص أرقام ٢٧٩ – ٢٨٢، وهذا الجمع أولى من تضعيف الإمام النووى ومن تبعه لحديث جابر ﵁ أهـ. ينظر: المنهاج شرح مسلم ١/٤٨٥ رقم ٢٥٧، ومحمد رسول الله ﷺ لمحمد عرجون ١/٣٨٩.
(٢) يراجع تخريج الحديث ص١٩٨.
[ ٣١٠ ]
معارضتها لأصل من أصول الإسلام، وهو عصمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بمعنى: حفظ الله ظواهرهم وبواطنهم، وتفكيرهم وخواطرهم، وسائرًا أعمالهم، حفظًا كاملًا، فلا يقع منهم قط ما يشكك فى نبوتهم ورسالاتهم، وهذا البلاغ المعمرى أو الزهرى، لم يبق لعصمة النبى ﷺ مكانًا فى مدة الحزن اليائس التى تقول أقصوصة هذا البلاغ إنه ﷺ مكثها وهو يغدو مرارًا كى يتردى من شواهق الجبال، ولاسيما على مذهب من يرى أن مدة فترة الوحي – وهى مدة الحزن اليائس – قد طالت إلى ثلاث سنوات، أو سنتين ونصف سنة، أو ستة أشهر، وفى هذا البلاغ الضعيف تصريح بأن صاحبه يذهب مذهب من يرى طول مدة فترة الوحي (١) لأن ما ذكر فيه من الغدو مرارًا لكى يلقى بنفسه من ذرا الشواهق يقتضى طول المدة، ولاسيما مع تمثل جبريل له وقوله: أنا جبريل، وأنت رسول الله حقًا، أكثر من مرة.
_________________
(١) القول بطول مدة فترة الوحي، قول ضعيف على ما سيأتى هامش ص٢١٢.
[ ٣١١ ]
يتعارض هذا البلاغ مع ما يجب أن يكون عليه النبى ﷺ من رسوخ الإيمان بنبوته، وكمال اليقين برسالته، ولا شك أن ما جاء فى هذا البلاغ، من تبدى جبريل ﵇ للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى منها نفسه، وقوله له: يا محمد: أنت رسول الله حقًا، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ﵇، فقال مثل ذلك – يصور مدى ما بلغه ذلك الحزن اليائس – فى زعم قائليه – من نفس النبى ﷺ حتى جعله يتشكك فى تبدى جبريل له، وفى إخباره أنه رسول الله حقًا، فالنبى ﷺ - كما تصرح به عبارة هذا البلاغ – لم يكد يسكن جأشه لتبدى جبريل له وإخباره أنه رسول الله حقًا حتى يعود إلى عزيمته فى إلقاء نفسه من ذرا شواهق الجبال، فيتبدى له جبريل مرة أخرى، ويقول له: يا محمد، أنت رسول الله حقًا.
فأين سكون جأشه الذى أحدثه فى نفسه تبدى جبريل له، وإخباره أنه رسول الله حقًا؟.
وأين رسوخ إيمانه برسالة ربه التى شرفه بها قبل فترة الوحي، وأنزل عليه فى أول مراتب وحيها فى غار حراء قرآنًا يتلى، حتى يعود عن عزيمته لإلقاء نفسه من ذرا شواهق الجبال إذا طالت عليه فترة الوحي؟!.
إن ما تضمنه هذا البلاغ الضعيف يشمل أمرين:
أحدهما: ظاهر محسوس، يمكن مشاهدته، والحكم بوجوده أو عدم وجوده بمقتضى إمكان مشاهدته حسًا.
[ ٣١٢ ]
ثانيهما: باطن محجوب فى داخل النفس، لا يمكن معرفته إلا بإخبار صاحبه الذى دار فى نفسه، أو إخبار من أظهرهم عليه بنقل ثابت عنه. فذهاب النبى ﷺ إلى أعالى الجبال وشواهقها التى ألف الصعود إليها فى أزمان خلواته وتطلعاته للتفكر فى عجائب آيات الله الكونية، وبدائع ملكوته، أمر محسوس، يمكن الحكم عليه برؤيته ومشاهدته، ولا حرج فى أن يكون النبى ﷺ قد حزن فى فترة الوحي اشتياقًا لأنوار الشهود الروحانى الأعلى الذى كان يغمره فى أوقات نزول الوحي، ونزول آيات القرآن المبين، حزنًا كان يغدو منه إلى ذرا الجبال التى كانت مأنس روحه، تطلعًا إلى آفاق أشواقه لشهود تجليات أمين الوحي جبريل ﵇ الذى سبق له أن تجلى فى آفاقها بصورته الملائكية الروحانية العالية.
وكون هذا الذهاب إلى ذرا شواهق الجبال لقصد التردى منها ليقتل نفسه – كما هو نص عبارة البلاغ الضعيف – أمر باطن محجوب بأستار الضمير فى حنايا النفس، لا يعلمه، ولا يطلع عليه إلا الله علام الغيوب، وإلا صاحبه الذى دار فى حنايا نفسه، وعزم على تحقيقه عمليًا، وإلا من يظهره عليه صاحبه العليم به، بأخبار منه إليه، وكل ذلك لم يثبت!.
وما روى عن ابن عباس من قوله: "مكث النبى ﷺ أيامًا بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير (١) مرة، وإلى حراء أخرى، يريد أن يلقى نفسه" (٢) غير مسلم من وجوه.
_________________
(١) اسم جبل معروف عند مكة. النهاية فى غريب الحديث ١/٢٠٢.
(٢) أخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى ١/١٣١.
[ ٣١٣ ]
أ- أن حديث ابن عباس من رواية الواقدى (١)، وهو معروف بالضعف، لا يقبل الجهابذة من المحدثين روايته إلا إذا اعتضدت بروايات الثقات.
ب- إذا صح سند الحديث إلى ابن عباس ﵄، فهو اجتهاد لا يعلم معتمده، فى أمر لا سبيل إلى معرفته إلا بإخبار من النبى ﷺ، ولم يثبت هذا الإخبار، فالحديث موقوف على ابن عباس، فيكون فى منزلة بلاغ الزهرى، كما يؤخذ من كلام ابن حجر (٢) يجب رفضه كرفض بلاغ الزهرى، وإبطاله كإبطاله، ولعل هذا الحديث الضعيف فى سنده، الباطل فى متنه ونصه، هو مستند بلاغ الزهرى، والزهرى إمام موثق، فلا حرج على البخارى فى إلحاق بلاغة بجامعه من جهة توثيق السند، على أن البخارى لم يلحقه بجامعه إلا فى موضع واحد فقط من مواضع حديث بدء الوحي، وهى متعددة فيه بالإسناد نفسه مقرونًا بإسناد آخر تارة، وغير مقرون تارة أخرى، ولم يرد فى تلك المواضع ذكر لهذا البلاغ الضعيف إلا فى كتاب (التعبير) بلاغًا لا تأصيلًا.
ثالثًا: ثبت فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵁، أن رسول الله ﷺ تحدث عن فترة الوحي، ولم يرد فى كلامه ﷺ كلمة واحدة، تشعر بما جاء فى هذا البلاغ الضعيف، حتى ولو مجرد حزن لحق به تأسفًا على هذه الفترة.
_________________
(١) هو: محمد بن عمر بن واقد الواقدى، قاضى العراق، رغم دقته فى المغازى وإمامته فيها إلا أنهم ضعفوه فى الحديث، قال الذهبى: الواقدى وإن كان لا نزاع فى ضعفه، فهو صادق اللسان، كبير القدر، وقال: ابن حجر: متروك مع سعة علمه، من أشهر مؤلفاته: المغازى، والردة، مات سنة ٢٠٧هـ له ترجمة فى: لسان الميزان ٩/٥٣١ رقم ١٥٦١٥، والكاشف ٢/٢٠٥ رقم ٥٠٧٨، والمجروحين لابن حبان ٢/٢٩٠، وتقريب التهذيب ٢/١١٧ رقم ٦١٩٥، وتهذيب الكمال للمزى ٢٦/ ١٨ رقم ٥٥٠١.
(٢) ينظر: فتح البارى ١٢/٣٧٦ رقم ٦٩٨٢.
[ ٣١٤ ]
.. هذا مع أنه لا نرى حرجًا فى أن يكون النبى ﷺ قد اعتراه شئ من الحزن فى مدة فترة الوحي، لانقطاع أنوار الشهود الروحى، ولا نرى حرجًا فى أن النبى ﷺ كان يغدو إلى ذرا الجبال تطلعًا لتجليات أمين الوحي الذى عهد لقاءه فى هذه الذرا، وهذا أمر فطرى وطبيعى، فالإنسان إذا حصل له خير أو نعمة فى مكان ما، فإنه يحب هذا المكان، ويلتمس فيه ما افتقده، فلما فتر الوحي: صار ﷺ يكثر من ارتياد قمم الجبال، ولاسيما حراء، رجاء أنه إن لم يجد جبريل فى حراء، فليجده فى غيره، فرآه راوى هذه الزيادة وهو يرتاد قمم الجبال، فظن أنه يريد أن يلقى بنفسه، وقد أخطأ الراوى المجهول فى ظنه قطعًا.
وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل ﵇ كان يقول للنبى ﷺ كلما أوفى بذروة جبل: "يا محمد إنك رسول الله حقًا" وأنه كرر ذلك مرارًا، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفى فى تثبيت النبى ﷺ وصرفه عما حدثته به نفسه كما زعموا (١) .
_________________
(١) ينظر: محمد رسول الله ﷺ لفضيلة الشيخ محمد عرجون ١/٣٨٧ – ٤٠٠، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٦٦، والمعين الرائق من سيرة خير الخلائق للدكتور سعيد صوابى ص٢٥٠ – ٢٥٩، وهناك أقوال أخرى فى تأويل الزيادة البلاغية إن شئت أنظرها فى: الشفا ٢/١٠٤، ١٠٥، وفتح البارى ١٢/ ٣٧٧ رقم ٦٩٨٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٤٠٣.
[ ٣١٥ ]
رابعًا: ما يشكل ظاهره فى الحديث الموصول – لعائشة ﵂ – من ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته – كما زعموا – مستشهدين على ذلك بقوله ﷺ لخديجة "لقد خشيت على نفسى" وزعمهم شكواه ﷺ لخديجة، ورجوعه إلى ورقة بن نوفل هذا الإشكال لا وجه لهم فيه، كما أن هذه الكلمة: "لقد خشيت على نفسى" فى ذاتها لا تضير عصمة رسول الله ﷺ، ولا نبوته شيئًا.
والذين ذكروا هذه الكلمة فى رواياتهم قد أدوا أمانة العلم، ولا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين تقحموا متخرصين فى تفسير المراد من الخشية، حتى زعم بعضهم فى تفسيرها، وبيان المراد منها، بما كان ويكون أمضى سلاح فى يد أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة.
وما قيل فى تفسير الخشية من كلام لا يليق، ولا ينبغى أن يدون فى سيرة المعصوم ﷺ قد أبطله بعض حذاق الأئمة، وحق له أن يبطل (١) .
أما ما زعمه أعداء السنة المطهرة من أن ظاهر هذه العبارة "لقد خشيت على نفسى يفيد ارتياب وشك رسول الله ﷺ فى نبوته، فهذا من تخرصاتهم، ويرده سياق الحديث الذى وردت فيه هذه العبارة، وقبل بيان ذلك أقول: إن الله ﷿ إذا اصطفى أحدًا لنبوته أو رسالته يخلق فيه علمًا ضروريًا بنبوته بحيث لا يبقى له قلق ولا اضطراب، كما يظهر من قصة سيدنا موسى ﵇، حين توجه إلى جبل الطور بسيناء ليأتى بقبسًا أو يجد على النار هدى.
_________________
(١) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم ٣، ومحمد رسول الله لعرجون ١/٣٠٤، ٣٣٨.
[ ٣١٦ ]
.. ومعلوم أنه لم يكن مراقبًا عما يصنع به، ولا منتظرًا بما يكلف به، إذ ناداه ربه ﷿ من شاطئ الوادى الأيمن: ﴿إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ (١) وأمره أن يذهب إلى فرعون إنه طغى، فلما سمعه موسى ﵇، ألقى عليه فى ساعته تلك من اليقين، والإذعان بنبوته، ما هون عليه الدعوة لمثل فرعون الباغى الطاغى، ولم يشك فى نبوته كجناح بعوضة، إلا أنه كان بشرًا، خلق من ضعف، ولذا خاف من عصاه حين صار جانًا – حية عظيمة – لما أمره ربه ﷿، بإلقاءها من يده، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى. قال هى عصاى أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مآرب أخرى.
قال ألقها يا موسى. فألقاها فإذا هى حية تسعى. قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (٢) .
وقال سبحانه: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرًا ولم يعقب يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون. إلا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء فإنى غفور رحيم﴾ (٣) .
وبمقتضى بشريته أيضًا خاف من القتل، كما حكى القرآن الكريم على لسانه: ﴿ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ (٤) ومن هنا شكى إلى ربه عن ضعفه، وسأله أن يجعل أخيه ردئًا يصدقه، ويكون عونًا له فإنه كان أفصح لسانًا، قال تعالى: ﴿قال رب إنى قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون. وأخى هارون هو أفصح منى لسانًا فأرسله معى ردءًا يصدقنى إنى أخاف أن يكذبون﴾ (٥) .
ولم يكن هذا الخوف شكًا منه أو إعراضًا عما أمره الله ﷿ به – والعياذ بالله – بل إظهارًا لضعف جبل عليه الإنسان.
فإذا لم يشك من كان نبى بدون تمهيد، ولا سابقة خبر، فكيف بمن مهد له تمهيدًا، ومرن تمرينًا فى النوم واليقظة؟.
_________________
(١) الآية ١٢ طه.
(٢) الآيات ١٧ – ٢١ طه.
(٣) الآيتان ١٠، ١١ النمل.
(٤) الآية ١٤ الشعراء.
(٥) الآيتان ٣٣، ٣٤ القصص.
[ ٣١٧ ]
.. فالتمهيد كان منذ صغره وشبابه، من شق صدره، ونهيه عن التعرى، وعصمته من كل مظاهر الجاهلية التى سبق تفصيلها (١) والتمرين فى النوم بالرؤيا التى كان لا يراها إلا وتجئ مثل فلق الصبح الذى لا شك فيه، وفى اليقظة كان التمرين على الوحي والنبوة بسلام الحجر عليه، وسماع الصوت، ورؤية الضوء.
فعن جابر بن سمرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إنى لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم على، قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن" (٢) .
_________________
(١) يراجع: ص٤٧ – ٧٩.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبى ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ٨/٤١ رقم ٢٢٧٧.
[ ٣١٨ ]
.. وجاء التصريح بصيغة التسليم برسول الله فى حديث عائشة ﵂ (١) وحديث على بن أبى طالب ﵁ إذ يقول: "كنت مع النبى ﷺ بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر، إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله" (٢) وعنه ﷺ قال: "يا خديجة إنى أسمع صوتًا، وأرى ضوءًا، وإنى أخشى أن يكون بى جنن، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا عبد الله" (٣) .
وكل هذا التمهيد والتمرين على النبوة قبل التنبؤ يستحيل معه أن يشك رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته بعد التنبؤ – حتى لو فتر الوحي – وهنا نصل إلى تفسير الخشية.
تفسير الخشية فى قوله (لقد خشيت على نفسى):
ورد فى سياق حديث (بدء الوحي) ما يعين على فهم صحيح ودقيق لقوله ﷺ: "لقد خشيت على نفسى" ويرد تخرصات أعداء الإسلام، وأعداء السيرة العطرة، فى أن ظاهر هذه العبارة يفيد ارتياب وشك من رسول الله ﷺ فى نبوته ورسالته.
_________________
(١) سبق ذكره وتخريجه ص٦٦، ٦٧، وينظر: شرح الزرقانى على المواهب ١/٤٠٨.
(٢) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب المناقب، باب آيات إثبات نبوة النبى ﷺ وما قد خصه الله ﷿ به ٥/٥٥٣ رقم ٣٦٢٦، وقال: حديث غريب، وأخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن ١/ ٢٥ رقم ٢١، ورواه البزار فى مسنده (كشف الأستار) كتاب المناقب، باب تسليم الحجر والشجر عليه ٣/١١٦ رقم ٢٣٧٣، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٩ رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف.
(٣) أخرجه أحمد فى المسند ١/٣١٢، ٢٩٤ من حديث ابن عباس متصلًا ومرسلًا، والطبرانى بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٥٥.
[ ٣١٩ ]
١- وأول ما يعين على بيان حقيقة المراد من الخشية فى سياق الحديث قوله: "حتى فجئه الحق" (١) بكسر الجيم أى بغتة الأمر الحق، وهو الملك جبريل ﵇ بالوحي.
وهذه الجملة فى الحديث، تفيد أن رسول الله ﷺ تعرض وهو فى غار حراء للمفاجأة، وتحققت ثلاثة مرات متواليات:
الأولى: فى دخول الملك عليه ﷺ مختلاه ومتعبده، دون تمهيد يشعر النبى ﷺ بأن أحدًا سيدخل عليه فى الغار.
الثانية: فى رؤيته للملك جبريل ﵇ على صورته الملائكية، وقد سد الأفق.
الثالثة: فى أمره بالقراءة عقب دخوله عليه مباشرة، وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب!.
وفى كل ذلك نوع من المفاجأة الباغتة المؤثرة على الطبيعة البشرية بما يهز كيانها هزًا يقحم عليها الرعب والفزع.
ومن هنا كان خوف وفزع النبى ﷺ خوفًا وفزعًا بشريًا رجف منه فؤاده، وسائر جسده، وظهرت على بشريته آثاره، حتى هدأت نفسه، فتلقى رسالة ربه متثبتًا، مغمورًا بأنوار شهود العزة الإلهية فى يقين لا يداخله أدنى شك فى اصطفائه رسولًا بعد اجتبائه نبيًا من الصالحين.
٢- وثانى ما يعين على تفسير الخشية قوله: "فغطى حتى بلغ منى الجهد" فهذه العبارة تبين مدى الشدائد التى صحبت رسول الله ﷺ فى هذا اللقاء المفاجئ.
_________________
(١) لفظ رواية البخارى فى كتاب التفسير، يراجع تخريج الحديث ص١٩٨
[ ٣٢٠ ]
.. إذ صحب مع دخول الملك عليه فى متعبده، دون تمهيد، ورؤيته للملك فى صورته الملائكية، وأمره بالقراءة، صحب كل ذلك مع ما فيه من شدة شدائد أخرى، إذ غطه الملك ثلاث مرات، والغط: العصر الشديد، وحبس النفس، وكأنه أراد ضمنى وعصرنى، أو أراد غمنى، ومنه الخنق، ويدل عليه رواية أبو داود الطيالسى "فأخذ بحلقى" (١) . وفى كل مرة من هذا الغط بلغ من رسول الله ﷺ "الجهد" مبلغه وغايته حتى ظن بنفسه الموت (٢) .
٣- وثالث ما يعين على فهم قوله "لقد خشيت على نفسى" نزول الوحي عليه بأوائل سورة "العلق" وحالات النبى ﷺ وقت نزول الوحي عليه كلها شدة، فهى حالات خاصة تتغلب فيها روحانيته على بشريته، ليتصف بصفة الملك، ليقع بينهما التناسب والتجانس، ويتم التلقى على أكمل وجه وأثبته.
يقول الإمام ابن حجر: "وهى حالة يؤخذ فيها النبى ﷺ عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخى، يحصل له عند تلقى الوحي، ولما كان الرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خص الله ﷿ نبيه ﷺ ببرزخ فى الحياة، يلقى إليه فيه وحيه المشتمل على كثير من الأسرار" (٣) .
ويدل على شدة الوحي أثناء نزوله على رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة منها:
حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: "كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجمان ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبدًا".
_________________
(١) يراجع تخريج حديث بدء الوحي ص١٩٨.
(٢) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم٣، ومحمد رسول الله لمحمد عرجون ١/٢٦٤.
(٣) فتح البارى ١٢/٣٧٤ رقم ٦٩٨٢.
[ ٣٢١ ]
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ، هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض" وغير ذلك من الروايات السابق ذكرها (١) وهى روايات تبين لنا إلى أى مدى لاقى النبى ﷺ من شدة أثناء تنزيل الوحي عليه حتى أن الملامس لجسده الشريف، كان يشعر به كما مر من حديث زيد بن ثابت ﵁، وحتى أنه ﷺ يصرح بأنه ما من مرة يوحى إليه إلا ظن أن نفسه تقبض!.
فإذا كانت الروايات السابقة تبين لنا حاله ﷺ بعد مزاولات ومعاهدات بالوحي، فما ظنك بحاله إذا نزل عليه الوحي لأول مرة، وهو غير ممارس لتلك الأهوال ولا حامل لهذه الأثقال؟!.
إن كل ما سبق من دخول الملك على رسول الله ﷺ فى متعبده دون تمهيد، وتجلى الملك له، وقد سد الأفق، وغطه ﷺ حتى بلغ منه الجهد، وأمره بالقراءة مع أميته، ونزل الوحي عليه، وهو ما لو أنزل على الجبال لتصدعت من خشية الله.
كل ذلك جعله يرجف فؤاده، ويخشى على نفسه، لا لريب عرضه، أو هول هاله، بل لضعف فطر عليه الإنسان. نعم وحق لرسول الله ﷺ أن يرجف ويخشى، كيف وقد كان هذا أول معاملة اعترته! وفكر فى نفسك لو اعتراك ما اعتراه ﷺ كيف يكون حالك؟!.
_________________
(١) يراجع: ص٢٦ – ٢٨.
[ ٣٢٢ ]
ومما يؤكد ما سبق من تفسير الخشية قوله ﷺ: "بينما أنا أمشى، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملونى" (١) وهذا الحديث وإن كان فى واقعة أخرى، لكن ما جاء فيه من قوله: "فرعبت منه" قرينه قوية على أن خشيته ﷺ على نفسه كانت مما رأى من المفاجآت السابق ذكرها، فضلًا عن شدة الوحي التى اعترته لأول مرة، وهو فى غار حراء، وكلها أمور تضعف عن حملها فطرة البشر. فالخوف والخشية، لا يصادم الإذعان والإتقان بشئ أصلًا، لأنه فى بنية البشر، قال تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ (٢) .
وكما جاز لموسى ﵇ أن يخاف من عصاه حين صار ثعبانًا، ولم يصادم ذلك إيمانه، جاز لرسول الله ﷺ أيضًا أن يخشى عند رؤية الملك بهيئته الملائكية، وغطه، وشدة الوحي، فكل ذلك ليس بأقل من عصا موسى ﵇ (٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص١٩٨، ٢٠١.
(٢) الآية ٢٨ النساء.
(٣) ينظر: حاشية البدر السارى إلى فيض البارى لمحمد بدر ١/٢٦، ٢٧.
[ ٣٢٣ ]
وكما هو معلوم فإن النبوة لا تمنع الأعراض البشرية التى لا تنافى العصمة، وسيدنا رسول الله ﷺ ثبتت له النبوة قطعًا قبل مفاجأة الغار، وقبل فترة الوحي (١) .
فإذا روى أنه فزع من هول المفاجأة، وما حف بها، فلا يجوز قط أن يقال: إنه فزع فزعًا أذهله عن مقام نبوته فلم يتمكن من التأمل، وخشى على نفسه أن يكون كاهنًا أو أن يكون به جنن.
كما لا يجوز قط أن يقال عنه: إنه حزن على فتور الوحي حزنًا أخرجه عن عصمة النبوة والرسالة، وحمله على محاولة قتل نفسه.
_________________
(١) معنى فتور الوحي: ضعفه، وتأخر مجيئه مدة من الزمان، ولذا عبر رسول الله ﷺ عن تواصله وتواليه بقوله: (فحمى الوحي وتتابع) وذلك فى نهاية حديث جابر المتقدم قال الحافظ ابن حجر: (فحمى الوحي) أى جاء كثيرًا، وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخره بالفتور، إذ لم ينته إلى انقطاع كلى، حتى يوصف بالضد وهو البرد، وقوله: وتتابع، تأكيد معنوى، ويحتمل أن يراد بحمى: قوى، وتتابع: أى تكاثر، وفى بعض الروايات: وتواتر، وهو مجئ الشئ يتلو بعضه بعضًا من غير تخلل، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة ما بين نزول ﴿اقرأ﴾ و﴿يا أيها المدثر﴾ عدم مجئ جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط. ينظر: فتح البارى ١/٣٦ – ٣٨ رقم ٣.
[ ٣٢٤ ]
ففترة الوحي طالت أو قصرت (١) شأن من شئون الله تعالى التى ينفرد بحكمتها فهى كانت لطفًا من الله تعالى لنبيه ﷺ ورحمة به، ليستجم من عناء ما لاقى من روع المفاجأة، وشدة الغط، وشدة الوحي، لاستفراغ بشريته ليزداد تشوفًا وتشوقًا إلى تتابع الوحي، وتقوية لروحانيته على احتمال ما يتوالى من الله ﷿ إليه، حتى يتم استعداده لتبليغ رسالته إلى الخلق كافة بصبر وقوة، ويقين لا يدانيه يقين فى أن الله ﷿، سيتم عليه نعمته.
ويشهد لصحة تفسير الخشية بما سبق ذكره، رجوعه ﷺ إلى مكان تحنثه فى غار حراء (٢)، بعد ما لاقاه من الشدائد السابق ذكرها.
فهل فى منطق العقل أن يكون رسول الله ﷺ خشى على نفسه ما تخرص به المتخرصون، ثم يسرع إلى العودة إلى المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه فى زعم المتخرصين؟!.
_________________
(١) كانت هذه الفترة على الراجح أيامًا على ما رواه ابن سعد فى طبقاته ١/٣١ عن ابن عباس ﵄، أما أن يقضى رسول الله ﷺ ثلاث سنين، أو سنتين ونصف سنة من عمر الدعوة الإسلامية من غير وحى ودعوة، فهذا مالا تقبله العقول، ولا يدل عليه نقل صحيح. ينظر: فتح البارى ١/٣٦، ٣٧ رقم ٣، وعمدة القارى ١/٥٥، ٥٦ وشرح الزرقانى على المواهب ١/٤٤١، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٢٦٤.
(٢) دل على العودة حديث جابر السابق ص٢٠١، وكذلك حديث عائشة أيضًا فى الزيادة البلاغية الضعيفة.
[ ٣٢٥ ]
إن بداهة العقل تأبى أن تقبل ذلك، وتنادى بأن أى إنسان توجس خفية من شر حادث وقع له فى مكان لا يمكن أن يعود إليه، وفى سرعة، وهو يملك الاختيار والإرادة، وبالتالى فعودة رسول الله ﷺ لنفس المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه، دليل قاطع على ثباته ﷺ، ورباطة جأشه، واطمئنانه ويقينه بفوزه برسالة ربه وأنه لم يشك قط ولو للحظة واحدة فى نبوته، ولا فى أن ما جاءه هو جبريل ﵇، ومعه وحى الله تعالى.
فكل ذلك يؤكد أن الخشية من الموت من شدة الرعب (من المفاجآت التى توالت عليه ﷺ فى هذا اللقاء على ما سبق تفصيله) هو أدنى الأقوال بالصواب فى تفسير الخشية، وأسلمها من الارتياب كما قال الحافظ ابن حجر (١) وهو ما أقول به وأرجحه، بدليل سياق الحديث على ما سبق شرحه، وبدليل قوله ﷺ يعد تتابع نزول الوحي عليه: "فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض" (٢) فهو نص صريح فى خشيته على نفسه من الموت، من شدة الوحي، وهو أحد المفاجآت التى توالت عليه فى هذا اللقاء.
كما لا يمنع أن تكون خشيته ﷺ على نفسه من الموت على أيدى كفار قريش، إذا بلغهم رسالة ربه ﷿، ويشهد لصحة هذا قوله ﷺ: "وإن الله أمرنى أن أحرق قريشًا. فقلت رب! إذا يثلغوا رأسى فيدعوه خبزه. قال: استخرجهم كما استخرجوك" (٣) .
_________________
(١) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم٣، ومحمد رسول الله لفضيلة الشيخ محمد عرجون ١/٣٤٤ حيث رد ترجيح الحافظ ابن حجر.
(٢) يراجع: ص٢١٠.
(٣) سبق تخريجه ص٩١، ٩٢.
[ ٣٢٦ ]
إن خوف رسول الله ﷺ على نفسه من الموت من شدة الرعب، وشدة نزول الوحي عليه، ومن أن يقتله قومه، جعله يرجع بما حملت نفسه الكريمة من آثار ذلك كله، إلى بيته، وزوجته الأمينة، وزيرة الصدق، ومأنس الوفاء، يبدى لها ما تعرض له فى غار حراء، من محن وشدائد تذيب رواسى الجبال، فكان من فراستها ورجاحة عقلها، أن أقسمت على أن الله تعالى لن يخزيه، وأكدت ذلك بلفظ التأبيد (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا) واستدلت على ما أقسمت عليه بأمر استقرائى، فوصفته بأصول مكارم الأخلاق (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق) .
خامسًا: بقى الجواب عن ما يزعمه أعداء السنة المطهرة من استنكار لتخفيف الزوجة على زوجها، إذا ألمت به محنة وشدة، وكذلك استنكار لطلب عين اليقين.
إذ زعموا أن فى إخبار رسول الله ﷺ لزوجته ما حدث له، ثم ذهابهم إلى ورقة بن نوفل، منقصة لرسول الله ﷺ، ودليل فى زعمهم على ارتيابه فى نبوته، ومنقبة لزوجته خديجة وورقة وأنهما أحق بالنبوة منه (١) وهذا لعمرى لمنطق معكوس إذ كيف ينكر عاقل دور الزوجة عامة فى تخفيف الآلام عن زوجها، وخاصة دور خديجة العظيم فى تخفيف آلام رسول الله ﷺ منذ أول يوم أرسل إليه فيه، حتى تتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بموتها وموت عمه أبو طالب، ونالت قريش من أذيته ﷺ ما لم تكن تطمع به فى حياتهما (٢) وما ذلك إلا لأن مواقفها من رسول الله ﷺ، من أشرف المواقف التى تحمد لامرأة فى الأولين والآخرين.
_________________
(١) يراجع: ما قاله عبد الحسين شرف الدين، وجعفر مرتضى العاملى ص١٩٩.
(٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٩ نص رقم ٤١٣، والروض الأنف للسهيلى ٢/٢٢٣.
[ ٣٢٧ ]
ويدل على ذلك ما روى عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يومًا من الأيام، فأدركتنى الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزًا، فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب، حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: "لا والله ما أبدلنى الله خيرًا منها، آمنت بى إذ كفر الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله منها أولادًا إذ حرمنى أولاد النساء" قالت عائشة: فقلت فى نفسى، لا أذكرها بسيئة أبدًا" (١) .
وأصل الحديث فى الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبى ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبى ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها فى صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن فى الدنيا امرأة إلا خديجة؟! فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لى منها ولد" وفى رواية مسلم: "إنى قد رزقت حبها" (٢) .
فتأمل قوله ﷺ: "لا والله ما أبدلنى الله خيرًا منها، آمنت بى إذ كفر الناس.. إلخ إنها كلمات من جوامع الكلم تبين عظيم دورها فى تخفيف آلام الدعوة وشدائدها عن رسول الله ﷺ، كما أن فى الحديث بيان لعظم فضلها، وإلى أى مدى عرف لها النبى ﷺ قدرها ومنزلتها فى حياتها، وحفظ لها ودها وعهدها بعد وفاتها، فرضى الله عنها وأرضاها، وجزاها بفضله وكرمه عن دينه ونبيه، خير وأوفر الجزاء.
_________________
(١) أخرجه أحمد فى مسنده ٦/١١٧، ١١٨ بإسناد حسن كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٩/٢٢٤.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبى ﷺ خديجة وفضلها ٧/١٦٦ رقم ٣٨١٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة ٨/٢١٤ رقم٢٤٣٥.
[ ٣٢٨ ]
وإذا كان دورها فى الدعوة الإسلامية لا ينكره عاقل، فلا وجه لاستنكار أعداء السنة المطهرة، تخفيفها عن رسول الله ﷺ بعد عودته من غار حراء ولاسيما ورسول الله ﷺ، عاد إليها وعليه آثار الروع والمشقة، رأتها على وجهه وجسده الشريف، كما كان يراها فيما بعد صحابة رسول الله ﷺ، على ما ورد فى حالات نزول الوحي عليه.
وليس فى روايات الحديث ما يحاول زعمه أعداء السنة والسيرة العطرة، من أن رسول الله ﷺ اشتكى لخديجة (شكوى من يرتاب فى نبوته ورسالته والعياذ بالله) .
وإنما إذا صح التعبير أن يكون من رسول الله ﷺ شكوى، فهى شكوى من زوج لزوجته، يريد أن يخفف عنه ما لاقاه من رعب وفزع وشدة فى هذا اللقاء الذى عاد منه إلى بيته، ولا تزال آثاره على سائر جسده الذى يرجف مما جعله يقول: "زملونى، زملونى" أو "دثرونى، دثرونى" والمعنى واحد، وكأنه ﷺ يقول: غطونى بما أدفأ به حتى يذهب عنى أثر الرعب والرجفة عن سائر جسدى (١) تقول أم المؤمنين عائشة ﵂ "فزملوه حتى ذهب عنه الروع" وهو بفتح الراء أى الفزع، وأما الذى بضم الراء فهو موضع الفزع من القلب (٢) .
وتأمل ما جاء فى الحديث من قوله ﷺ: "يا خديجة مالى؟ " وهو استفهام تعجبى، أى: أى شئ ثبت لى، حتى حصل ما حصل، وأخبرها الخبر، وما عانى فيه، حتى ظن أن نفسه تقبض من شدة الفزع والرعب، من هول المفاجأة، ومن معاناة نزول الوحي عليه، وهو ما عبر عنه بقوله: "لقد خشيت على نفسى".
_________________
(١) ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/٩٥، ٢٨٣، وفتح البارى ٨/٥٩٠ رقم ٤٩٥٣.
(٢) فتح البارى ٨/٥٩٠ رقم ٤٩٥٣.
[ ٣٢٩ ]
فأين الشكوى التى يزعمها أعداء السيرة العطرة؟ وإذا كانت شكوى فأين ما فيها مما يفيد فى زعمهم أنه شك وارتاب فى نبوته؟ إنه مجرد "إخبار من زوج لزوجته لموقف شديد حدث له يريد أن تخفف عنه آثاره! فأى استنكار فى ذلك؟!.
وقد أدت الزوجة خديجة ﵂ دورها باطمئنان زوجها والتخفيف عنه بأعظم الكلمات على ما سبق شرحه قريبًا.
وأرادت أن تزداد يقينًا فانطلقت به إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وكان امرءًا تنصر فى الجاهلية، واشتهر عنه فى مكة من العلم بما فى التوراة والإنجيل، وتباشير الأحبار والرهبان، بما جاء فى الكتابين من أوصاف نبى آخر الزمان، وأن وقته قد أظل، فلما أخبره ﷺ بما رأى، قال ورقة (هذا الناموس الذى أنزل على موسى) وتمنى ورقة أن يعيش حتى يدرك انتشار الإسلام، ليكون جنديًا من جنود الله، يجاهد فى ظل لواء النبى ﷺ فى سبيل إعلاء كلمة الله ولكنه أدركته منيته، فلم يلبث بعد بعث النبى ﷺ إلا قليلًا، ثم توفى، وفتر الوحي، هذا كل ما تفيده قصة ذهابه ﷺ وزوجته إلى ورقة بن نوفل.
فهل فيها ما يزعمه الخصوم من ارتياب رسول الله ﷺ فى نبوته؟!.
وأنى لهم هذا الزعم، وكل ما فى الحديث أن ورقة، سأل رسول الله ﷺ، عما رأى قائلًا: "يا ابن أخى ماذا ترى؟ " فأخبره ﷺ خبر ما رأى" إذن لم يسأله ورقة عما يشك فيه؛ ولم يقل له رسول الله ﷺ إنى أشك فى كذا، وإنما كل ما فى الأمر، سؤال عما حدث له، وإخبار منه ﷺ لهذا الحدث.
[ ٣٣٠ ]
وما كان من جواب ورقة لرسول الله ﷺ إلا بيان بأن ما رآه هو أمين وحى الله تعالى الذى أنزل على موسى ﵇، وهنا ازداد رسول الله ﷺ نورًا إلى نور يقينه، لما يعلمه من مكانه ورقة فى العلم والمعرفة بما فى التوراة والإنجيل من المبشرات ببعث رسول الله قد أظل الحياة مخرجه.
فهل فى طلب عين اليقين استنكار؟! لاسيما وأن النبوة، من المغيبات تبقى فيها أمور تتردد النفس فى تفاصيلها، ولا يكون هذا التردد فى المتعلقات التى لا تدخل فى الإيمان، ألا ترى إلى قوله تعالى فى سؤال إبراهيم ﵇ عن كيفية إحيائه ﷿ للموتى ﴿أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ (١) أى الإيمان حاصل بالمرة، ولكن إحيائك غيب، فأريد أن أرى الغائب شاهدًا لأزيل به ما يبقى فى الغيب، وسماه طمأنينة، وبالتالى سؤاله ﵇ لم يخالف إيمانه، بل أكده.
_________________
(١) جزء من الآية ٢٦٠ البقرة.
[ ٣٣١ ]
وكذلك الحال مع ذهاب رسول الله ﷺ إلى ورقة، كل ما فيه طلب عين اليقين؛ ولا يعنى ذهابه أنه شك فى نبوته عما يزعم الرافضة، بدليل أن رسول الله ﷺ لم يعقب على كلام ورقة إلا بقوله: "أو مخرجى هم؟ " ولم يعقب ﷺ على قوله "هذا الناموس الذى أنزل على موسى" لأنه ﷺ كان على يقين بأنه مَلَك من عند ربه ﷿، نزل عليه بوحى الله تعالى، فلم يزده ﷺ هذا الجواب إلا يقينًا على يقينه، وإلا لو كان فى شك – لجاء – ما يشير إلى ذلك، تعقيبًا واستفسار منه ﷺ لورقة، وإنما لم يعقب ولم يستفسر ﷺ عن ذلك ليقينه بذلك، وإنما جاء التعقيب والاستفسار على قول ورقة "ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك" ففى هذا الكلام شئ جديد على رسول الله ﷺ، فيستفسر "أو مخرجى هم" وكأنه ﵊ يقول: كيف يخرجونى، وأنا جئت لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكيف يخرجونى من حرم الله، وجوار بيته، وبلدة آبائى من عهد إسماعيل ﵇؟.
فيأتى الجواب من ورقة: نعم! أى هم مخرجوك، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
ولعل حكمة المولى ﷿ اقتضت أن تكون ما أخذت رسول الله ﷺ من المخافة، وما غشيته من الخشية والرهبة كلها ألقيت عليه تكوينًا، ليرجع إلى من جعلها الله ﷿ سكنًا، وترجع به إلى ورقة، فيشيع خبر نبوته من قبلهم ويصير بهذا الطريق دليلًا محكمًا على أن محمدًا ﷺ نبى صادق، حتى شهد به شاهد من أهله، (خديجة) وشهد به ورقة الذى كان يعرف حال الأنبياء، ليكون حجة على أهل الكتاب، وعلى المشركين الذين يقدرون علم ومكانه ورقة بالمبشرات.
[ ٣٣٢ ]
وهكذا يقدر المولى ﷿ لأنبيائه ورسله أمورًا، ويلقيها عليهم تكوينًا لمصالح لا يعلمها إلا هو (١) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
_________________
(١) ينظر: حاشية البدر السارى إلى فيض البارى لمحمد بدر ١/٢٧ – ٢٩ بتصرف.
[ ٣٣٣ ]