والجواب عنها
مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى ﷺ، وزعموه أدلة على جواز الكبائر والصغائر عنه ﷺ، قبل النبوة وبعدها، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات أسند فيها "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه ﷺ، كقوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٤) وقوله ﷿: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك﴾ (٥) .
ويجاب عن ما زعموا بما يلى:
أولًا: إن ظاهر ما استدلوا به على عدم عصمته ﷺ، لا حجة لهم فيه، لأن ظاهره غير مراد، لمن تفكر فى سياق الآيات التى ورد فيها كلمتى: "الذنب، والوزر"!.
_________________
(١) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٤.
(٢) يراجع: ص٤٧ - ٧٩، وينظر: دلالة القرآن المبين على أن النبى ﷺ أفضل العالمين للأستاذ عبد الله الغمارى ص١٣٨، ١٣٩.
(٣) الآية ٥٥ غافر.
(٤) الآية ٢ الفتح.
(٥) الآية ٣ الشرح، وأصحاب هذه الشبهة هم أنفسهم أصحاب الشبهة السابقة، ينظر مصادرهم السابقة ص١١٣.
[ ١٩٠ ]
.. وهو سياق يظهر منَّة الله ﷿ على رسوله ﷺ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه ﷿ فى الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن فى عصمته غير مراد، وإنما هو فى حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به ﷺ. وتأمل معى قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك﴾ إنها آية كريمة وردت بين منتين:
الأولى: شرح الصدر فى قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (١) شرحًا حسيًا ومعنويًا، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعًا، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات (٢) .
والثانية: رفع ذكره فى قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٣) رفعًا بلغت قمته فى الشهادة التى لا يكون الشخص مسلمًا إلا إذا نطق بها، فضلًا عن قرن اسمه ﷺ باسمه ﷿ فى الآذان، والإقامة، والتشهد فى الصلاة، وفى خطب الجمعة، والعيدين، وفى خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه ﷺ عبادة على المسلمين (٤) .
وتأمل معى أيضًا ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ إن سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها تجدها لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو تشريف النبى ﷺ، من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن يستوعب فى الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية: أما الأخروية فشيئان:
سلبية وهى غفران الذنوب، وإن لم يكن للمخاطب ﷺ ذنب، ولو لم يذكر غفرانها لكان فى ذلك ترك استيعاب جميع أنواع النعم.
_________________
(١) الآية الأولى الشرح.
(٢) يراجع: روايات شق صدره الشريف، ودلالات ذلك على عصمته وكمال عقله وخلقه ومكانته عند ربه ﷿ ص٦٤ – ٦٨.
(٣) الآية ٤ الشرح.
(٤) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٨/٣٠٩ – ٣١٣، والشفا ١/١٩، ٢٠.
[ ١٩١ ]
وثبوتية وهى لا تتناهى أشار إليها رب العزة بقوله تعالى: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ (١) وجميع النعم الدنيوية شيئان أيضًا:
دينية أشار إليها بقوله تعالى: ﴿ويهديك صراطًا مستقيمًا﴾ (٢) أى يثبتك على دين الإسلام.
ودنيوية وهى قوله تعالى: ﴿وينصرك الله نصرًا عزيزًا﴾ (٣) أى نصرًا لا ذل معه وقدم النعم الأخروية على الدنيوية، وقدم فى الدنيوية الدينية على غيرها تقديمًا للأهم فالأهم فانتظم بذلك تعظيم قدر النبى ﷺ بإتمام أنواع نعم الله عليه المتفرقة فى غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذى عظمه وفخمه بإسناده إليه بنون العظمة، وجعله خاصًا بالنبى ﷺ بقوله "لك" (٤) فهل يعقل فى مقام المنَّة هذا، أن يكون المراد بالذنب والوزر ظاهرهما؟!
ثانيًا: إن هذه الألفاظ التى يتعارض ظاهرها مع العصمة تحتمل وجوهًا من التأويل:
تخريجها على مقتضى اللغة بما يناسب سياقها فى الآيات، فالوزر فى أصل اللغة الحمل والثقل (٥) قال تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ (٦) أى أثقالها، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزارًا لأنها تثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان الوزر ما ذكرناه، فكل شئ أثقل الإنسان وغمه وكده، وجهده، جاز أن يسمى وزرًا، تشبيهًا بالوزر الذى هو الثقل الحقيقى.
_________________
(١) جزء من الآية ٢ الفتح.
(٢) جزء من الآية ٢ الفتح.
(٣) الآية ٣ الفتح.
(٤) ينظر: المواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/١٩، ٢٠، والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/٤٤٩، ٤٥٠، والشفا ١/٤٨، ٤٩، وعصمة الأنبياء للرازى ص١٠٩.
(٥) ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٥/١٥٦، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن ص٥٩٣.
(٦) جزء من الآية ٤ محمد.
[ ١٩٢ ]
وليس يمتنع أن يكون الوزر فى الآية ثقل الوحي، كما قال ﷿: ﴿إنا سنلقى عليك قولًا ثقيلًا﴾ (١) وعبء التبليغ، وثقل الدعوة، حيث كان الاهتمام بهما يقض مضجعه، حتى سهلهما الله تعالى عليه، ويسرهما له، ويقوى هذا التأويل، سياق الآية الواردة فى مقام الامتنان عليه ﷺ وقوله ﷿: ﴿فإن مع العسر يسرًا. إن مع العسر يسرًا﴾ (٢) والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب، وإزالة الغموم والهموم أشبه (٣) .
فإطلاق الوزر من باب الاستعارة التصريحية كما هو معلوم. وفى قراءة ابن مسعود وحللنا عنك وقرك (٤) والوقر الحمل، وهذه القراءة تؤيد ما قررناه (٥) .
أن "الوزر" و"الغفران" فى الآيتين مجازًا عن العصمة، والمعنى: عصمناك عن الوزر الذى أنقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلًا، كما قال ﷿: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٦) وقوله ﷿: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ (٧) والمعنى: لولا عصمتنا ورحمتنا لأتيت ما تذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع على ما سبق شرحه (٨) .
_________________
(١) الآية ٥ المزمل.
(٢) الآيتان ٥، ٦ الشرح.
(٣) ينظر: تنزيه الأنبياء للموسوى ص١١٤، ١١٥ بتصرف، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٨/٤٥٢، ومفاتيح الغيب للرازى ٣٢/ ٤، وشرح الزرقانى على المواهب ٩/١٥، ١٦، وخواطر دينية لعبد الله الغمارى ص١٧٨، وعصمة الأنبياء فى الكتاب والسنة والرد على الشبهات الواردة عليها لمحمد الناجى ص٢٨٧، ٢٨٨.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠/٣٤٤٥ رقم ١٩٣٩٠.
(٥) ينظر: دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص١٧٢.
(٦) الآية ١١٣ النساء.
(٧) الآيتان ٧٣، ٧٤ الإسراء.
(٨) ص١١٧.
[ ١٩٣ ]
"فسمى رب العزة العصمة "وضعًا" على سبيل المجاز، وإنما عبر عنها به، لأن الذنب يثقل الظهر بعقابه، وبالندم عليه فى حالة التوبة منه. والعصمة لكونها تمنع وقوع الذنب، تريح صاحبها من ثقل عقابه، ومن ثقل الندم عليه، فعبر عنها بالوضع لذلك" (١) .
ويشهد لصحة هذا القول: سيرة النبى ﷺ قبل النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من أكل ما ذبح على النصب، والحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، واستلامها، وكذا عصمته من كل ما يمس خلقه بسوء، من أقذار الجاهلية ومعائبها، من اللهو، والتعرى، وكذا تشهد سيرته ﷺ بعد النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ مما عصمه به قبل النبوة، ومن أن يضله أهل الكفر، وأنى لهم ذلك وقد نفاه الله تعالى: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ﴾ (٢) كما عصمه ربه ﷿ من أن يفتنوه عن الوحي أو التقول عليه، ولو حدث شئ من ذلك، لوقع عقاب ذلك، الوارد فى قوله سبحانه: ﴿إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ (٣) وقوله ﷿: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين﴾ (٤) .
فهل نقل إلينا ولو بطريق ضعيف أن رب العزة عاجله بالعقوبة فى الدنيا مضاعفة؟ أو تخلى عن نصرته؟
الإجابة بالقطع لا، لم ينقل إلينا، وهو ما يؤكد أن الخطاب فى آيات الشرط ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ و﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ ونحو ذلك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، وبتعبير آخر الشرط فى تلك الآيات لا يقتضى الوقوع ولا الجواز.
_________________
(١) خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص١٧٨.
(٢) الآية ١١٣ النساء.
(٣) الآية ٧٥ الإسراء.
(٤) الآيات ٤٤ - ٤٧ الحاقة.
[ ١٩٤ ]
وإذا صح تسمية العصمة "وضعًا" فى قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ (١) مجازًا، صحح أيضًا إطلاق المغفرة كناية عن العصمة فى قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٢) إذ الغفر الستر والغطاء (٣) والمعنى فى الآية: ليعصمك الله فيما تقدم من عمرك، وفيما أخر منه.
قال الإمام السيوطى (٤): "وهذا القول فى غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة فى القرآن؛ أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة، والعفو، والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءُوا ما تيسر من القرآن﴾ (٥) وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدى النجوى قال سبحانه: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ (٦) وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام قال ﷿: ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ (٧) .
_________________
(١) الآية ٣ الشرح.
(٢) الآية ٢ الفتح.
(٣) ويروى فى ذلك عن شريح بن عببيد الحضرمى "ووضعنا عنك وزرك" قال: وغفرنا لك ذنبك، أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠/٣٤٤٥ رقم ١٩٣٨٩، وينظر: القاموس المحيط ٢/١٠١،والنهاية فى غريب الحديث ٣/٣٣٥.
(٤) هو: عبد الرحمن بن أبى بكر محمد السيوطى، جلال الدين، كان إمامًا حافظًا بارعًا، ذا قدم راسخة فى علوم شتى، فكان مفسرًا، محدثًا، فقيهًا، أصوليًا، لغويًا، مؤرخًا، له مؤلفات بلغت نحو ستمائة مصنف منها: الأشباه والنظائر فى القواعد الفقيهة، والأشباه والنظائر فى العربية، والدر المنثور فى التفسير بالمأثور، والجامع الكبير والصغير، مات سنة ٩١١هـ له ترجمة فى: حسن المحاضرة للسيوطى ١/٣٣٥ رقم ٧٧، وشذرات الذهب ٨/٥١، وطبقات المفسرين للسيوطى ص٣، والبدر الطالع للشوكانى ١/٣٢٨ رقم ٢٢٨.
(٥) جزء من الآية ٢٠ المزمل.
(٦) جزء من الآية ١٣ المجادلة.
(٧) جزء من الآية ١٨٧ البقرة، وينظر: الدر المنثور ٦/٣٦٣.
[ ١٩٥ ]
ووجه إطلاق المغفرة كناية عن العصمة: أن العصمة تحول بين الشخص وبين وقوع الذنب منه، والمغفرة تحول بين الشخص وبين وقوع العقاب عليه، فكنى عن العصمة بالمغفرة بجامع الحيلولة؛ لأن من لا يقع منه ذنب، لا يقع عليه عقاب.
واختيرت هذه الكناية – أعنى الاستعارة – لأن المقام مقام امتنان عليه ﷺ. ثم المعنى بعد هذا: ليظهر الله عصمتك للناس، فيروا فيك حقيقة الإنسان الكامل، ويلمسوا منك معنى الرحمة العامة، لا تبطرك عزة الفتح، ونشوة النصر، فلا تنتقم، ولا تتشفى، ولكن تعفوا وتغفر (١) .
_________________
(١) دلالة القرآن المبين ص١٣٢، وخواطر دينية ص١٧٦، ١٧٧ كلاهما لعبد الله الغمارى وينظر: فيض البارى على صحيح البخارى للكشميرى ٤/٢٣٣.
[ ١٩٦ ]
ولهذا دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح مطاطئًا رأسه حتى كاد يمس مقدمة رحله، وهو راكب على بعيره تواضعًا لله ﷿ (١) .وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعًا" (٢) وفى نفس الوقت كان يرجع (٣) فى تلاوته، وهو على مشارف مكة سورة الفتح (٤) وهذا يعنى أنه ﷺ كان مندمجًا فى حالة من العبودية التامة لله تعالى، شكرًا له ﷿، على هذه النعم التى لا تعد ولا تحصى، ولهذا كان ﷺ يكثر من الاستغفار والعبادة شكرًا لله سبحانه على ذلك، وليس كما يفهم أعداء الإسلام، وخصوم السنة المطهرة أنه استغفار لذنبه (٥) لأن الاستغفار ليس خاصًا بالذنوب، بل له حِكَمٌ كثيرة، على رأسها: شكر الله ﷿ على نعمه، ولذا جاء الأمر به للنبى ﷺ شكرًا لله ﷿ بنصره على أعدائه، وفتح مكة له، قال تعالى: ﴿إذا
_________________
(١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٤/٢٥ نص رقم ١٦٦٨.
(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣/٤٩ رقم ٤٣٦٥ وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبى، وقال الزرقانى فى شرحه على المواهب ٣/٤٣٤ سنده جيد قوى، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٥/٦٨، ٦٩.
(٣) الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وكان ترجيعه ﷺ بمد الصوت فى القراءة نحو: آء، آء، أء. ينظر: النهاية فى غريب الحديث ٢/١٨٥، وفتح البارى ٨/٤٤٨ رقم ٤٨٣٥.
(٤) ينظر الحديث فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب التفسير، باب "إنا فتحنا لك فتحًا مبينا" ٨/٤٤٧ رقم ٤٨٣٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب قراءة النبى ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة ٣/٣٣٩ رقم ٧٩٤ من حديث عبد الله بن المغفل ﵁.
(٥) ينظر: الأنبياء فى القرآن لأحمد صبحى منصور ص٣٥، ٤٨، ٤٠، ٤٥.
[ ١٩٧ ]
جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجًا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ (١) وامتثل النبى ﷺ لهذا الأمر الإلهى كما جاء فى حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟ " فقال: خبرنى ربى أنى سأرى علامة فى أمتى، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقد رأيتها "إذا جاء نصر الله والفتح – فتح مكة – ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجًا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا" (٢) .
وعصمته ﷺ من الذنب فيما تقدم من عمره، وفيما أخر منه، من أعظم النعم التى قام النبى ﷺ بشكرها، بالاستغفار، والقيام بين يدى الله ﷿ حتى تورمت قدماه.
فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ، إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا عائشة! أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٣) والمعنى: "أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا فكيف أتركه؟ " (٤) .
_________________
(١) سورة النصر كلها.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الصلاة، باب ما يقال فى الركوع والسجود ٢/٤٣٨ رقم ٤٨٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة إذا جاء نصر الله ٨/٦٠٥ رقم ٤٩٦٧.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد فى العبادة ٩/١٧٨ رقم ٢٨٢٠، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" ٨/٤٤٨ رقم ٤٨٣٧.
(٤) ينظر: فتح البارى ٣/٢٠ رقم ١١٣٠.
[ ١٩٨ ]
وعلى ما تقدم فقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ ونحوها من الآيات مرادًا بها الحث على دوام الاستغفار والشكر لله ﷿، على ما أنعم عليه من العصمة.
وأقول: إذا لم يسلم الخصم بما سبق من تأويل آيات الذنب والوزر الواردة فى حقه ﷺ، وأخذ بها على ظاهرها، فليبين لنا حقيقة الذنب والوزر الذى ارتكبه رسول الله ﷺ، سواء قبل النبوة أو بعدها؟!.
إنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين (١) وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان فى إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات (٢) مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (٣) .
_________________
(١) أى: كلما ترقى فى درجة عد ما قبلها سيئة، وهذا قول سعيد الخراز، كما رواه ابن عساكر فى ترجمته، ولم أعثر عليها فى مختصر التاريخ، ينظر: شرح المواهب للزرقانى ٩/١٩.
(٢) قال أبو الحسين المعتزلى: "ولا يجوز فى حقهم عليهم الصلاة والسلام كثير من المباحات القادحة فى التعظيم، الصارفة عن القبول" ينظر: المعتمد فى أصول الفقه ١/٣٤٢.
(٣) الشفا ٢/١٤٧ بتصرف.
[ ١٩٩ ]
قلت: وكيف يتخيل صدور الذنب فى حقه ﷺ، وقد عصمه ربه ﷿ فى قوله وفعله وخاطبه بقوله سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) وقال ﷿: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (٢) . "ومن تأمل إجماع الصحابة على اتباعه ﷺ والتاسى به فى كل ما يقوله ويفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، ولم يكن عندهم فى ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله فى السر والخلوة، يحرصون على العلم بها، وعلى اتباعها، عَلِمَ بهم ﷺ أو لم يعلم، ومن تأمل أحوال الصحابة معه ﷺ استحى من الله تعالى أن يخطر بباله خلاف ذلك" (٣) .
ثم إن حقيقة الذنب فى اللغة ترجع إلى كل فعل يُسْتَوخَمُ عُقباَهُ كما فسره الراغب فى مفرداته (٤) . وشرعًا: يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله تعالى أو نهيه.
وهو أمر نسبى يختلف باختلاف الفعل والفاعل، وقصد الفاعل، فليست المخالفة من العَالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد، كالمخالفة التى لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد، كالمخالفة الواقعة بالنسيان.
ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث. وعلى ضوء ذلك نفهم معانى الآيات التى ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله ﷺ مضافًا إلى ضمير خطابه ﷺ (٥) .
_________________
(١) الآيتان ٣، ٤ النجم.
(٢) الآية ٢١ الأحزاب.
(٣) وهذا رد الإمام السبكى على الزمخشرى فى تفسيره لآية ٢ الفتح بأن المراد: جميع ما فرط منك. الكشاف ٤/٣٣٣. وينظر: المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى ٩/٢١، ٢٢.
(٤) ص٢٠٣.
(٥) ينظر: آيات عتاب المصطفى ﷺ فى ضوء العصمة للدكتور عويد المطرفى ص١٠٨.
[ ٢٠٠ ]
وصفوة القول، أن يقال: إما أن يكون صدر من رسول ﷺ ذنب أم لا! فإن قلنا: لا، امتنع أن تكون هذه الآيات إنكارًا عليه، وقدحًا فى عصمته. وإن قلنا: إنه صدر عنه ذنب – وحاشاه الله من ذلك – فقوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ يدل على حصول العفو (١) وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه! فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله تعالى ﴿واستغفر لذنبك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾، يدل على كون رسول الله ﷺ مذنبًا، أو غير معصوم!. وهذا جواب شاف كاف قاطع. وما فوق مقام رسول الله ﷺ مقام أهـ.
_________________
(١) وهذا من خصائصه ﷺ التى لا يشاركه فيها غيره، كما قال ابن كثير فى تفسيره ٧/٣١٠، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه ﷺ أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة، ولم ينقل أنه أخبر أحدًا من الأنبياء بمثل ذلك، ويدل له قولهم فى الموقف: "نفسى، نفسى، نفسى" جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب "ذرية من حملنا مع نوع إنه كان عبدًا شكورًا" ٨/٢٤٧، ٢٤٨ رقم ٤٧١٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٢/٥٥ – ٥٧ رقم ١٩٤ من حديث أبى هريرة ﵁. وينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٧/٢٥٩، ويدل أيضًا على أن الإخبار بالمغفرة من خصائصه قوله ﷺ: "فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلى. غفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر، وأحلت لى الغنائم الحديث" أخرجه البزار وسنده جيد كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٦٩، ووافقه السيوطى فى الخصائص الكبرى ٢/٣٣٦، من حديث أبى هريرة ﵁.
[ ٢٠١ ]