والرد عليها"
روى البخارى ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما حضر رسول الله ﷺ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبى ﷺ: "هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده" فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ، قال ﵊: قوموا، وكان ابن عباس يقول: إنا الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم" (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوص فيه ٦/١٠٠ رقم ١٦٣٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن هى: كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/٢٥١ رقم ١١٤، وكتاب الجهاد، باب جوائز الوفد ٦/١٩٦ رقم ٣٠٥٣، وكتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٦/٣١٢ رقم ٣١٦٨، وكتاب المغازى باب مرض النبى ﷺ ووفاته ٧/٧٣٨ رقمى ٤٤٣١، ٤٤٣٢، وكتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عنى ١٠/١٣١ رقم ٥٦٦٩، وكتاب الاعتصام، باب كراهية الاختلاف ١٣/٣٤٧ رقم ٧٣٦٦، وأحمد فى مسنده ١/٢٩٣، ٣٢٤، ٣٥٥، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧/١٨١ - ١٨٣، والطبرانى وفيه ليث بن أبى سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٢١٥، وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابًا لا يضلون بعده، ولا يضلون، وكان فى البيت لغط، فتكلم عمر بن الخطاب، فرفضها رسول الله ﷺ" أخرجه أبو يعلى فى مسنده، ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٢١٤، ٢١٥، وأخرجه أحمد فى مسنده ٣/٣٣٦.
[ ٣٦٠ ]
٠
هذا الحديث طعن فيه الرافضة، بما جاء فى بعض رواياته من قول بعض الحاضرين "أهجر" وزعموا كذبًا نسبة هذه اللفظة إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وأنه بقوله "أهجر" ورفعه شعار "حسبنا كتاب الله" تجاوز حد الأدب مع رسول الله ﷺ، وطعن فى شخصه الكريم، واتهامه بالتخريف والهذيان، كما زعموا أن تبرير الفقهاء لموقف عمر تشويه لرسول الله ﷺ، وحط من قدره وشخصه، ومكانته العالية، ومساس بعصمته ورسالته (١) .
_________________
(١) ينظر: دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين لصالح الوردانى ص٢٣٥، ٢٣٦، ٤٥.
[ ٣٦١ ]
.. يقول: أحمد حسين يعقوب (١): "أول من اتهم رسول الله ﷺ بالهجر، ورفع بوجهه شعار "حسبنا كتاب الله" هو عمر بن الخطاب، حيث حضر هو وثلة من حزبه ليطمئنوا على الوضع الصحى لرسول الله، ومن المؤكد أن شخصًا ما أخبر عمر بأن الرسول سوف يكتب وصية تلك الليلة، فأحضر عمر عددًا كبيرًا من حزبه ليحول بين الرسول، وبين كتابة وصيته كما أقر عمر بذلك. وما أن قال الرسول: "قربوا كتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا" حتى تصدى له عمر بن الخطاب، فقال فورًا دون أن يسأل عن مضمون الكتاب: "حسبنا كتاب الله، إن رسول الله قد هجر" وبدون تروى صاح الحاضرون من حزب عمر فقالوا: القول ما قاله عمر!! إن رسول الله يهجر، واستغرب الحاضرون من غير حزب عمر، وصعقوا من هول ما سمعوا، فقال عفويًا: قربوا يكتب لكم رسول الله، وكان الحاضرون من حزب عمر يشكلون الأكثرية، لأنهم أعدوا للأمر عدته فصاح عمر وأعوانه: "حسبنا كتاب الله إن الرسول يهجر" واختلف الفريقان وتنازعوا، وصدم عمر وحزبه خاطر النبى، فقال النبى للجميع: "قوموا عنى، ولا ينبغى عندى التنازع، وما أنا فيه خير مما تدعونى إليه" ولقد أصاب ابن عباس عندما سمى ذلك اليوم بيوم الرزية!!! " (٢)
_________________
(١) كاتب أردنى معاصر، يعمل فى مهنة المحاماة، انتقل من المذهب السنى إلى المذهب الشيعى، الذى يطعن أصحابه فى السنة النبوية، وأهلها، من مؤلفاته: نظرية عدالة الصحابة، والنظام السياسى فى الإسلام، والمواجهة مع رسول الله ﷺ وآله.
(٢) المواجهة مع رسول الله وآله ص٢٦١، وينظر: نظرية عدالة الصحابة ص٢٨٧، كلاهما لأحمد حسين يعقوب، والمرجعات لعبد الحسين شرف الدين ص٣٣١، وحوار ومناقشة كتاب عائشة لهشام آل قطيط ص٩١، والصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى ١/٥٧، ٥٨، ومنع تدوين الحديث أسباب ونتائج لعلى الشهرستانى ص٣٠٠، وسيرة المصطفى ﷺ لهاشم معروف الحسينى ص٦٩٦، ٧٠٢، وشرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ٣/١١٤، ١٢/٧٩.
[ ٣٦٢ ]
٠
ويجاب عن الشبهات السابقة بما يلى:
أولًا: نسبة القول بـ "أَهَجَر" إلى الفاروق عمر بن الخطاب، لا دليل عليه، إذ جميع روايات هذا الحديث تنفى هذه الكلمة إلى عمر ﵁. وإنما الذى جاء على لسان عمر فى جميع الروايات: قال ابن عباس: "فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله" (١) .
أما لفظ "أَهَجَر" فجاءت جميع الروايات بنسبتها إلى بعض الحاضرين فى بيت رسول الله ﷺ دون تحديد لأشخاصهم، قال ابن عباس: "فقالوا ما شأنه؟ أهجر! استفهموه" (٢) .
فأين إذن ما يزعمه الرافضة من نسبة هذه الكلمة إلى سيدنا عمر ﵁؟.
إنه لا وجود لهذه النسبة إلا فى أذهانهم المريضة، وقلوبهم الممتلئة حقدًا على صحابة رسول الله ﷺ!!.
ثانيًا: ليس فى كلمة "أهجر" ما يعارض عصمة رسول الله ﷺ فى عقله، وفى الوحي وتبليغ الرسالة، حال صحته، وحال مرضه يبين ذلك ضبط الكلمة المبين حقيقة المراد منها وهو سلب الهجر لا إثباته، وحاصل هذا الضبط فيما يلى:
_________________
(١) ينظر: تخريج حديث بحثنا، روايات البخارى أرقام ١١٤، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦، وطريق من رواية مسلم رقم ١٦٣٧، وأحمد فى مسنده ١/٣٢٤، ودلائل النبوة للبيهقى ٧/١٨٣.
(٢) ينظر: تخريج حديث بحثنا، روايات البخارى أرقام ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، وطريق من رواية مسلم رقم ١٦٣٧، وأحمد فى مسنده ١/٣٥٥، والبيهقى فى دلائل النبوة ٧/١٨١.
[ ٣٦٣ ]
أ- إثبات همزة الاستفهام، وبفتحات عليها، "أَهَجَرَ" على أنه فعل ماض، والكلمة فى هذه الحالة، على سبيل الاستفهام الإنكارى على من توقف فى امتثال أمره ﷺ، بإحضار الكتف والدواة. فكأن قائلها قال: كيف تتوقف فى امتثال أمره ﷺ، أتظن أنه ﷺ كغيره يقول الهذيان فى مرضه، امتثل أمره، وأحضره ما طلب فإنه لا يقول إلا الحق.
وهذا الضبط والمراد به، هو أحسن الأجوبة، وأرجحها عند الحافظ ابن حجر، والقرطبى فى توجيه هذه الكلمة (١) وهو ما أرجحه أيضًا.
ب- وضبطها بعضهم: "أهُجْرًا" بضم الهاء، وسكون الجيم، والتنوين والكلمة فى هذه الحالة راجعة إلى المختلفين عند رسول الله ﷺ وقائلها خاطبهم بها، والمراد: جئتم باختلافكم عند رسول الله ﷺ، وبين يديه هجرًا ومنكرًا من القول (٢) .
وهذا الضبط الثانى والمراد به، تثبته الروايات، وما جاء فيها من كثرة لغطهم ولغوهم.
_________________
(١) فتح البارى٧/٧٣٩رقم ٤٤٣٢، وينظر: فيض البارى على صحيح البخارى للكشميرى ٤/١٤٦.
(٢) ينظر: المصادر السابقة فى الأماكن نفسها، والشفا ٢/١٩٣، وشرحه للقارى ٢/٣٥٣.
[ ٣٦٤ ]
ثالثًا: اتفق العلماء على أنه لا يصح أن تكون هذه الكلمة "أهجر" إخبارًا، لأن الهجر بالضم، ثم السكون، من الفحش أو الهذيان، والمراد به هنا: ما يقع من كلام المريض الذى لا ينتظم، ولا يعتد به لعدم فائدته (١) . ووقوع ذلك من النبى ﷺ مستحيل فى حقه، لأنه معصوم فى صحته ومرضه، لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (٢) ولقوله ﷺ: "فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه (أى من فمه الشريف فى حال غضبه، ورضاه، وكذا صحته ومرضه)، إلا حق" (٣) .
وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى فى الحديث "هجر" أو "يهجر" (٤) وهى محمولة عند أهل العلم على وجهين:
الوجه الأول: حذف ألف الاستفهام، والتقدير أهجر؟.
ويؤيد صحة هذا الحمل، أنه لو احتمل من بعض الصحابة أنه قال تلك الكلمة، إخبارًا عن حال رسول الله ﷺ، أو عن شك عرض له فى عصمة رسول الله ﷺ حال مرضه، لوجد من ينكره عليه من كبار الصحابة، بل من رسول الله ﷺ نفسه ردًا عن عصمته، ولو ثبت الإنكار من الصحابة أو الرسول، لنقل إلينا، ولا نقل! وهو ما يؤكد صحة هذا المحمل.
_________________
(١) النهاية فى غريب الحديث ٥/٢١٣، وينظر: فتح البارى ٧/٧٣٩ رقم ٤٤٣٢.
(٢) الآية ٣ النجم.
(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب العلم، باب فى كتاب العلم ٣/٣١٨ رقم ٣٦٤٦، وأخرجه أحمد فى مسنده ٢/ ١٦٢، ١٩٢، والحاكم فى المستدرك ١/١٨٧ رقم ٣٥٩ وقال على شرط مسلم، ووافقه الذهى، وسيأتى ذكر قصة الحديث ص٢٧٧.
(٤) ينظر: تخريج حديث بحثنا، رواية البخارى رقم ٣٠٥٣، وطريق من رواية مسلم رقم ١٦٣٧، وأحمد فى مسنده ١/٣٥٥.
[ ٣٦٥ ]
الوجه الثانى: فى المراد بظاهر رواية "هجر" و"يهجر" هو حملها على ما جاء فى الرواية الثانية من قول الفاروق عمر: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع" ويكون قائل "هجر" أو "يهجر" لم يضبط لفظه، وأجرى الهجر، مجرى شدة الوجع، لأنه ينشأ منه، لا أنه اعتقد أنه ﷺ يجوز عليه الهجر، وإلا وجد من ينكر عليه كما سبق.
هذا وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه كلمة "هجر" و"يهجر" فاقتصرت على ما سبق لكونه أرجح عندى من غيره (١) .
وعلى ما سبق فليس فى قول القائل "أَهَجَر" أيًا كان قائلها، كما أنه ليس فى قول عمر ﵁: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع" ما يتعارض مع عصمة رسول الله ﷺ، ولا ما يشوه شخصيته، ويحط من قدره كما يزعم الرافضة! لأن قائل "أهجر" أو "أهجرًا" كان القول منه سلبًا للهجر لا إثباته، وإنكارًا منه على من توقف فى امتثال أمره ﷺ، وإنكارًا أيضًا على المختلفين بين يديه ﷺ، وما أحدثوه بحضرته من لغط ولغو. ولو حملت الكلمة من قائلها، على الإخبار بحاله ﵊ لوجد من ينكر على قائلها، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ينكر ذلك، ولنقل إلينا، ولا نقل! مما يؤكد أن قائل "أهجر" قصد بها سلب الهجر عن رسول الله ﷺ، لا إثباته كما يزعم الرافضة!.
رابعًا: اتفق قول العلماء – سوى الرافضة – على أن قول عمر "إن رسول الله، قد غلبه الوجع، عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله" رد على من نازعه، لا على أمر النبى ﷺ.
_________________
(١) ينظر: الشفا ٢/١٩٣، وفتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢.
[ ٣٦٦ ]
.. كما أن العلماء عدو قوله: من قوة فقهه، ودقيق نظره، ومن موافقاته للوحى، قصد منه التخفيف عن رسول الله ﷺ، حين رآه قد غلب عليه الوجع، وشدة الكرب، وقامت عنده قرينه بأن الذى أراد كتابته، ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل، لم يتركه ﵊، لأجل اختلافهم ولغطهم، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (١) .
كما لم يترك ﷺ تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وفى تركه ﵊، الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه ﷺ رأيه (٢) .
قلت: وهذا عندى من أقوى ما يتمسك به فى الرد على الرافضة ومن قال بقولهم، لأن ترك رسول الله ﷺ الإنكار على عمر، هو إقرار منه ﷺ بتصويب رأيه، ويأخذ هذا الإقرار حكم المرفوع المسند.
ويؤيد صحة ما سبق، من صحة رأى عمر، وأن أمره ﷺ بالكتابة لم يكن على سبيل الوجوب، ما جاء فى نفس الحديث من وصيته ﵊ بثلاث قال: "اخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم (٣) وسكت عن الثالثة أو قال الراوى: فنسيتها" (٤) .
_________________
(١) الآية ٦٧ المائدة.
(٢) ينظر: دلائل النبوة للبيهقى ٧/١٨٤، ١٨٥، وفتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢.
(٣) قال العلماء: هذا أمر منه ﷺ، بإجازة الوفود، وضيافتهم، وإكرامهم، تطيبًا لنفوسهم، وترغيبًا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم، وإعانة على سفرهم، قال القاضى عياض: قال العلماء: سواء كان الوفد مسلمين أو كفارًا، لأن الكافر إنما يفد غالبًا فيما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم"أهـ ينظر: المنهاج شرح مسلم ٦/١٠٥ رقم ١٦٣٧، وفتح البارى ٧/٧٤١ رقم ٤٤٣٢.
(٤) ينظر: تخريج حديث بحثنا ص٢٣٥.
[ ٣٦٧ ]
.. فهذا يدل على أن الذى أراد أن يكتبه ﷺ، لم يكن أمرًا متحتمًا، لأنه لو كان مما أمر بتبليغه، لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله ﷿، من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظًا، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك.
وقد عاش ﵊ بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيحتمل أن مجموعها ما أراد أن يكتبه ويبعد مع كل هذا أن يكون أمره ﷺ بالكتابة على الوجوب ويتركه!.
كما يبعد كل البعد، بدليل ما سبق، ما يزعمه الرافضة من الوصية لعلى بن أبى طالب ﵁، بالخلافة من بعده ﵊، وزعمهم أن عمر ﵁، حال بين رسول الله، وبين كتابة تلك الوصية (١) .
_________________
(١) ينظر: مصادر الشيعة السابقة ص٢٣٦.
[ ٣٦٨ ]
.. قال الإمام المازرى (١): "وإنما جاز للصاحبة الاختلاف فى هذا الكتاب، مع صريح أمره ﷺ لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه ﵊ قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر ﵁، على الامتناع، لما قام عنده من القرائن، بأنه ﷺ قال ذلك من غير قصد جازم، وعزمه ﷺ على الكتابة كان إما بالوحي، وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه ﷺ الكتابة إن كان بالوحي فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا، وفيه حجة لمن قال بالرجوع إلى الاجتهاد فى الشرعيات" (٢) وهو ما ينكره الرافضة على صحابة رسول الله ﷺ (٣) .
_________________
(١) هو: محمد بن على بن عمر التميمى المازرى، أبو عبد الله، من فقهاء المالكية، كان محدثًا، فقيهًا، أصوليًا، أديبًا، وله دراية بالطب، من مصنفاته: المعلم بفوائد شرح مسلم، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، وغير ذلك مات سنة ٥٣٦هـ له ترجمة فى: الديباج المذهب ص٣٧٤ رقم ٥٠٨، وشذرات الذهب ٤/١١٤، والوافى بالوفيات ٤/١٥١، وشجرة النور الزكية ١/١٢٧ رقم ٣٧١.
(٢) فتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١٢/١٠٦، ١٠٧.
(٣) ينظر: منع تدوين الحديث أسباب ونتائج لعلى الشهرستانى ص٨٥، ومعالم المدرستين لمرتضى العسكرى المجلد ٢/٦٧، وركبت السفينة لمروان خليفات ص٢٣٣، ٢٩٥، وتأملات فى الحديث عند السنة والشيعة لزكريا عباس داود ص٤٨ – ٦٢، والشيعة هم أهل السنة للدكتور محمد التيجانى ص٢٧، ٢٨، ٣١.
[ ٣٦٩ ]
.. قلت: وفى كلا الحالتين العزم على الكتابة وتركها، سواء كان بالوحي، أو بالاجتهاد، فيه إقرار من رسول الله ﷺ لرأى عمر ﵁، فيأخذ حكم المرفوع المسند، وهو دليل على صحة موقف الصحابة ﵃ من اختلافهم فى الكتاب، مع صريح أمره ﷺ.
قال الإمام القرطبى (١): "واختلاف الصحابة ﵃، فى هذا الكتاب كاختلافهم فى قوله ﷺ: "لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة" (٢) فتخوف ناس فوات الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف ﷺ أحد منهم، من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح" (٣) .
وعلى ما سبق من اختلاف الصحابة ﵃، فى فهم أمره ﷺ، ثم إقراره ﷺ لهذا الاختلاف فى فهمهم لأمره، يرد على زعم الرافضة، ومن قال بقولهم، فى أن اختلاف الصحابة، فى أمر رسول الله ﷺ بالكتابة، سوء أدب منهم، مع رسول الله ﷺ!!.
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى، الخزرجى، المالكى، القرطبى، من كبار المفسرين، والمشهورين بالصلاح والتعبد، وله مؤلفات كثيرة عظيمة منها: تفسيره، جامع أحكام القرآن، وغيرها توفى سنة ٦٧١هـ له ترجمة فى: طبقات المفسرين للسيوطى ص٧٩ رقم ٨٨، وطبقات المفسرين للداودى ٢/٦٩ رقم ٤٣٤، والديباج المذهب ص٤٠٦ رقم ٥٤٩، وشجرة النور الزكية ١/١٩٧ رقم ٦٦٦.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب مرجع النبى ﷺ من الأحزاب ٧/٤٧١ رقم ٤١١٩، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين ٦/٣٤٠ رقم ١٧٧٠ من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) فتح البارى ١/٢٥٢، ٢٥٣ رقم ١١٤.
[ ٣٧٠ ]
.. لأنهم رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا يراجعونه ﷺ فى بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية، فى كتاب الصلح بينه وبين قريش (١) . فأما إذا أمر ﵊ بالشئ أمر عزيمة، ولا قرينة تصرفه عن ذلك، فلا يراجع فيه أحد منهم (٢) .
خامسًا: زعم الرافضة أن فى قول عمر: "حسبنا كتاب الله" دعوى منه للاكتفاء به عن بيان السنة، زعم لا دليل عليه، لأن سيدنا عمر ﵁ لم يرد بقوله هذا، الاكتفاء به عن بيان السنة المطهرة، بل قال ما قاله لما قام عنده من القرينة، على أن الذى أراد ﷺ كتابته مما يستغنى عنه، بما فى كتاب الله ﷿، لقوله تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شئ﴾ (٣) حيث لا تقع واقعة إلى يوم القيامة، إلا وفى الكتاب، أو السنة بيانها نصًا أو دلالة.
_________________
(١) ينظر: قصة الحديث فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلح، باب كيف هذا ما صالح فلان ابن فلان ٥/٣٥٧ رقم ٢٦٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية ٦/٣٧٦ رقم ١٣٨٣ من حديث البراء ﵁.
(٢) المنهاج شرح مسلم ٦/١٠٣ رقم ١٦٣٧، وفتح البارى ١/٢٥٢ رقم ١١٤.
(٣) جزء من الآية ٣٨ الأنعام.
[ ٣٧١ ]
.. وفى تكلف النبى ﷺ فى مرضه من شدة وجعه، كتابة ذلك مشقة ومن هنا رأى عمر، الاقتصار على ما سبق بيانه إياه نصًا أو دلالة تخفيفًا عليه ﷺ، ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، وقد كان سبق قوله ﷺ: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر" (١) .
وهذا دليل على أنه ﷺ وكل بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، وجعل لهم الأجر على الاجتهاد، فرأى عمر ﵁ الصواب تركهم على هذه الجملة، لما فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد، مع التخفيف عن رسول الله ﷺ، وفى تركه ﵊ الإنكار على عمر، دليل على استصوابه ﵁ رغم أنف الرافضة (٢) .
ولا يعارض ذلك قول ابن عباس ﵄: إن الرزية كل الرزية الخ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا، هذا مع اعترافنا بأنه حبر الأمة، وترجمان القرآن، وأعلم الناس بتفسير كتاب الله وتأويله، ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، لاسيما وقد بقى ابن عباس حتى شاهد الفتن (٣) . أهـ.
وبعد:
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ١٣/ ٣٣٠ رقم ٧٣٥٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ٦/٢٥٤ رقم ١٧١٦ من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٢) ينظر: المنهاج شرح مسلم ٦/١٠٣ رقم ١٦٣٧ بتصرف.
(٣) فتح البارى ٧/٧٤٠ رقم ٤٤٣٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١٢/١٠٧، ١٠٨.
[ ٣٧٢ ]
.. فقد استبان لك أيها الناظر بما سبق؛ عصمة رسول الله ﷺ، فى بدنه من الصرع (١) وفى عقله وقلبه من الكفر (٢) والشرك والضلال والغفلة (٣) والشك، والفحش، ومن تسلط الشيطان عليه (٤) واستحالة ذلك ونحوه عليه شرعًا وإجماعًا، ونظرًا وبرهانًا وعصمته فيما سبق قبل النبوة وبعدها، وفى كل حالاته من رضى وغضب، وجد ومزح.
وما استدل به أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة من أحاديث يفيد ظاهرها عدم عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه لا تفيدهم فى دعواهم، لأن ما استدلوا به من أحاديث، منها ما هو ضعيف، وموضوع لا يحتج به، ومنهما ما هو صحيح ولكن تضعف دلالته على ما احتجوا به، على ما سبق تفصيله فى المطالب السابقة أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
_________________
(١) الطعن فى عصمته فى بدنه، والزعم بأنه كان يصرع سبق الرد على هذه الفرية فى المطلب الأول من هذا المبحث ص١٨٤، وسيأتى الرد على وصف حالته ﷺ، أثناء الوحي بأنها صرع، فى شبهات المستشرقين حول الوحي الإلهى ص٢٨٩.
(٢) حديث استلامه ﷺ الأصنام سبق الجواب عنه ص٦٢.
(٣) حديث "إنه ليغان على قلبى فاستغفر الله" سبق الجواب عنه ص١٤٢.
(٤) حديث (فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) سبق الجواب عنه ص١٤٣.
[ ٣٧٣ ]