والجواب عنها
مما استدل به الطاعنون فى عصمة النبى ﷺ وزعموه أدلة على صدور وجواز الكبائر والصغائر من الذنوب عنه ﷺ. ما ورد فى القرآن الكريم من آيات ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿عبس وتولى، أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى وهو يغشى. فأنت عنه تلهى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (٢) وقوله ﷿: ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٣) وقوله: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٤) وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٥)
_________________
(١) الآيات ١ - ١٠ عبس.
(٢) الآيتان ٦٧، ٦٨ الأنفال.
(٣) الآيات ٣٧ - ٣٩ الأحزاب.
(٤) الآية الأولى التحريم.
(٥) الآية ٤٣ التوبة، وممن قال بهذه الشبهة، در منغم فى حياة محمد ص٢٩٩، ٣٠٥، ٣٢٨، ومونتجمرى وات فى محمد فى المدينة ص٤٣٤، ٥٠٢، وغوستاف لوبون فى حضارة العرب ص١١٢، وكارل بروكلمان فى كتابيه تاريخ الشعوب الإسلامية ص٦٧، وتاريخ العرب ص١٦٦، وجولد تسيهر فى العقيدة والشريعة فى الإسلام ص١٤٣، ومجهول صاحب كتاب اٍلإسلام بدون حجاب مستل من شبكة الإنترنت ص٢٧، ونيازى عز الدين فى إنذار من السماء ص١٧٩ - ١٨٢، وجمال البنا فى الأصلان العظيمان ص٢٣٢، وأحمد صبحى منصور فى كتابيه لماذا القرآن ص٤٠، والأنبياء فى القرآن دراسة تحليلية ص٥٣، وغيرهم ممن سيأتى ذكرهم ص١٧١.
[ ٢٢٦ ]
٠
ويجاب عن ما سبق إجمالًا بما يلى:
أولًا: إن عتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوارد فى القرآن الكريم، هو فى الظاهر عتاب، وفى الحقيقة كرامة وقربة لله ﷿، وتنبيه لغيرهم ممن ليس فى درجتهم من البشر، بمؤاخذتهم بذلك، فيستشعروا الحذر، ويلتزموا الشكر على النعم، والصبر على المحن، والتوبة عند الزلة (١) .
ثانيًا: أن لله تعالى أن يعتب أنبياءه وأصفياءه، ويؤدبهم، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم فى ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله عزوجل (٢) .
ثالثًا: أن غاية أقوال الأنبياء وأفعالهم التى وقع فيها العتاب من الله ﷿ لمن عاتبه منهم، أن تكون على فعل مباح، كان غيره من المباحات أولى منه فى حق مناصبهم السنية.
رابعًا: المباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح فى عصمتهم ومنزلتهم، فهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات، مما يتقون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (٣) .
خامسًا: أنه ليس كل من أتى ما يلام عليه يقع لومة، فاللوم قد يكون عتابًا، وقد يكون ذمًا، فإن صح وقوع لومه، كان من الله عتابًا له لا ذمًا، إذ المعاتب محبور (٤) والمذموم مدحور، فاعلم – رحمك الله – صحة التفرقة بين اللوم والذم قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه *** فربما صحت الأجسام بالعلل (٥) .
إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقى العتاب (٦) .
_________________
(١) الشفا ٢/١٧١ بتصرف.
(٢) يراجع: ص١٣٢ – ١٣٧.
(٣) يراجع: ص١٢٧.
(٤) أى مظنة للحبور، وهو السرور. النهاية فى غريب الحديث ١/٣١٦.
(٥) البيت للمتنبى فى ديوانه (بشرح العكبرى) ٣/٨٦.
(٦) البيت فى الأمثال والحكم للرازى ص١٠٣ ولم ينسبه، وينظر: تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص١١٨، ١١٩.
[ ٢٢٧ ]
سادسًا: أن العتاب فيما قيل أنه عوتب عليه رسول الله ﷺ، إنما كان على ما حَكَمَ فيه رسول الله ﷺ بالاجتهاد، والاجتهاد محتمل الخطأ، فكان تصحيح الخطأ فى اجتهاده من الله ﷿، بتوجيهه ﷺ إلى الأخذ بالصوب فعاد الحكم بذلك إلى الوحي.
سابعًا: عدم ورود نهى عما عوتب فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى يكون عتابهم ثمَّ ذم.
ثامنًا: إنه ما من آية ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ إلا وهى واردة فى مقام المنَّة على رسول الله ﷺ، وبيان عظيم فضله ومكانته عند ربه ﷿ بأعظم ما يكون البيان.
وإليك التفصيل: