والرد عليها
بلغت جراءة أعداء السنة النبوية على القرآن الكريم، وعلى نبى الإسلام سيدنا محمد ﷺ، بإفكهم أن الآيات والأحاديث التى تربط بين طاعة الله، وطاعة رسوله، هى صورة من صور تأليه الرسول، وهذا هو الكفر بعينه فى نظرهم.
_________________
(١) يراجع: ص٣٦٤، ٣٧١ وينظر: مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص١٥٦ - ٢١١، وجامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/١٨٧ - ١٩٩، وقواعد التحديث للقاسمى ص٢٧٣ -٢٨١، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى ص٢٣٣ - ٢٦٩.
[ ٥٦٠ ]
.. يقول صالح الوردانى: "ومن أقوى الأدلة التى يستند عليها الفقهاء فى ربط الكتاب بالسنة، وربط السنة بالكتاب، قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢) وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا بعيدا﴾ (٣) ثم يقول معقبًا: "إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء، فهذا هو الكفر بعينه، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى: أن الرسول قد منح صفة من صفات الله، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى" (٤) .
ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ يعنى البداية لتأليهه.
_________________
(١) الآية ٧ الحشر.
(٢) الآية ٨٠ النساء.
(٣) الآية ٣٧ الأحزاب.
(٤) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٥٣، ٥٤، وينظر من نفس المصدر ص٤٧، وينظر له أيضًا: أهل السنة شعب الله المختار ص٨١، وينظر: دين السلطان لنيازى عز الدين الفصل الرابع والعشرون بعنوان: لماذا يسعى الطغاة إلى تأليه الرسل؟ ص٦٠٤.
[ ٥٦١ ]
.. يقول أحمد صبحى منصور: "أولى حقائق الإسلام، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحي الذى نزل على شخص النبى، وليس بشخص النبى البشرى يقول تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ (١) لم يقل آمنوا بمحمد، وإنما آمنوا بما نزل على محمد، أى: الإيمان بالوحي أى: بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه" (٢) .
ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم ﷺ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمدًا رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، يعد شركًا صارخًا على حد زعم رشاد خليفة فى قوله: "لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد" حيث يمطرون محمدًا وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركًا صارخًا" (٣) ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله (٤) ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم: لوجب علينا أن نشهد أيضًا بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله وهكذا وهو أمر يطول أهـ.
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
_________________
(١) الآية ٢ محمد.
(٢) جريدة الدستور العدد الأول ٣١/ ١٢/ ١٩٩٧، وينظر: مقالاته فى مجلة روز اليوسف العدد ٣٥٥٩ ص٣٨، والعدد ٣٥٦٣ ص٣٥، والعدد ٣٥٦٤ ص٢١، وينظر له أيضًا الأنبياء فى القرآن ص٣١، ٤٠، ولماذا القرآن ص٣٣، ٣٤، ٥٠، وحد الردة ص٣٠، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص١٥٢.
(٣) القرآن والحديث والإسلام ص٣٨، ٤١، ٤٣، وينظر له أيضًا قرآن أم حديث ص٢٠، ٣٢، وينظر: إعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص١٥٣.
(٤) الصلاة ص٧٨، ٧٩ وينظر: الصلاة فى القرآن لأحمد صبحى ص٥١ – ٥٦، والحقيقة من حقائق القرآن المسكوت عنها لنيازى عز الدين ص٣٥٩، والإمام الشافعى لنصر أبو زيد ص٥٥، ٥٦.
[ ٥٦٢ ]
إجمالًا أقول: زعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ فى أوامره ونواهيه، وما يحله وما يحرمه فى سنته، تأليه له، بمنحه صفة من صفات الله ﷿، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه.
فالله ﷿: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (١) فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه ﷺ، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة، وأفردها أخرى، وجعل طاعته ﷺ من طاعته ﷿، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به، ونهانا عنه، من حلال وحرام. فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه ﷿، أو أن يقول: هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع!
وكذلك إذا أمرنا المولى ﷿ بالإيمان بشخص نبيه ﷺ وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتابًا وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك!
وهذا إجمال وإليك التفصيل:
_________________
(١) الآية ٢٣ الأنبياء.
[ ٥٦٣ ]
أولًا: أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه ﷺ طاعة مطلقة مستقلة، بمقتضى عصمته له، وربط تلك الطاعة بطاعته ﷿ تارة، وأفردها تارة أخرى، ليدل على أن طاعته ﷺ طاعة له سبحانه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (١) وقال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٢) وقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) وطاعته ﷺ فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله ﷿، لأنه ﵊ له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة، وبقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٤) فقوله: "يحل، ويحرم، ويضع" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله ﷿.
فرسول الله لا يشرع من عند نفسه، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المطلب الثانى (٥) فهل نسلم بكلام الله تعالى؛ أم نرده ونقول هذا شرك؟.
وإذا كانت طاعته ﷺ مستقلة عن طاعة الله ﷿، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل "أطيعوا" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة؛ أليس ربه ﷿؟ فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك؟.
_________________
(١) الآية ٥٩ النساء.
(٢) جزء من الآية ٥٤ النور، مع آية الأعراف ١٥٨ ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ ٠
(٣) الآية ٨٠ النساء.
(٤) الآية ١٥٧ الأعراف.
(٥) يراجع: ص٣٥٤، ٣٥٥.
[ ٥٦٤ ]
.. وإذا قال ربنا ﷿ مرارًا ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته ﷿، وطاعة رسوله ﷺ تأليه له ﵊، فيرد على رب العزة كلامه؟!! وإذا قال ربنا ﷿: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) وإذا قال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) .
فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته ﷿، ومبايعة رسوله ﷺ شرك؟ أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك؟!.
إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته ﷺ هو القائل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾ (٣) فهل جعل محبة نبيه ﷺ ومتابعته ندًا؟ أم جعلها شرطًا لمحبة الله، وعلامة على صدق من يزعم محبته ﷿؟.
_________________
(١) الآية ١٠ الفتح.
(٢) الآية ٣١ آل عمران.
(٣) الآية ١٦٥ البقرة.
[ ٥٦٥ ]
.. قال الحسن البصرى وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته ﷺ بين قطرى محبة العباد، ومحبة الله للعباد، وجعل تلك المتابعة شرطًا لمحبة الله لهم، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله ﷺ. فهذه الآية الكريمة: حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس على الطريقة النبوية، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله، ويعلم أن هذا الاتباع عين التوحيد الخالص لله ﷿، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار: "إن محمدًا يريد أن نتخذه حنانًا (١) كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢)
_________________
(١) الحنان: الرحمة، والعطف، والرزق، والبركة. والمراد: ربًا ذا رحمة، وقيل محببًا، وقيل: متمسحًا به تبركًا. شرح الشفا للقارى ١/٤٩، والنهاية ١/٤٥٢.
(٢) الآية ٣٢ آل عمران. والأثر:أخرجه ابن المنذر بنحوه عن مجاهد، وقتادة، كما قال الحافظ السيوطى فى مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا ص ٣٣ رقم١٩. والأثر ذكره ابن إسحاق عن أبى رافع القرظى قال: (حين اجتمعت الأحبار من يهود ونصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ،= =ودعاهم إلى الإسلام قالوا: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله ولا أمرنى" فأنزل الله ﷿: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لى من دون الله﴾ الآيتان ٧٩، ٨٠ آل عمران. وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/١٩٦ نص رقم ٦٣٥.
[ ٥٦٦ ]
فقرن طاعته ﷿ بطاعته ﷺ رغمًا لهم (١) والمعنى إلصاقًا لأنوفهم بالتراب جزاءًا لأنفتهم من متابعته ﷺ، وجزاءًا لإفكهم بأن طاعته ﷺ شرك ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ (٢) وأقول لهم: الربط بين طاعة الله وطاعة رسوله هو عين التوحيد الخالص: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٣) .
ثانيًا: إنكار أعداء النبوة الإيمان بشخص النبى ﷺ واستدلالهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (٤) هذه الآية الكريمة حجة عليهم، وتفضحهم فى كل ما يأفكون. لأن مما أنزل على محمد وهو الحق من ربنا قوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ (٦) وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٧) .
وهم بهذه الآيات يكفرون؛ إذ ينكرون على ما سبق أن يكون لرسول الله ﷺ تبيانًا للقرآن، وهو الحكمة، وهى السنة كما قال علماء الأمة، وينكرون أن يكون له ﷺ طاعة فى هذه السنة.
وإذا كانوا هنا يزعمون بأنه لا يوجد فى الإسلام إيمان بشخص النبى محمد ﷺ فالآية التى استدلوا بها على زعمهم ترد عليهم حيث أطلقت ﴿وآمنوا بما نزل على محمد﴾ وما أنزل على محمد آيات كريمات تصرح بالإيمان بشخصه الكريم، منها ما يلى:
_________________
(١) الشفا ١/٢٢، وينظر: شرح الشفا للقارى ١/٥٠، وشرح الزرقانى على المواهب ٨/٥١٥، ٥١٦.
(٢) الآية ٥ الكهف.
(٣) الآية ٣٢ آل عمران: وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٢٥.
(٤) الآية ٢ محمد.
(٥) جزء من الآية ٤٤ النحل.
(٦) جزء من الآية ١١٣ النساء.
(٧) الآية ٥٩ النساء.
[ ٥٦٧ ]
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله﴾ (١) .
وقوله سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته﴾ (٢) .
وقوله ﷿: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا﴾ (٣) .
ومعلوم أن الإيمان بالله ﷿ يعنى: الإيمان بذاته المقدسة، وبكتابه العزيز، وطاعته ﷿ فى كل ما أمرنا به فى كتابه. وكذلك الإيمان برسول الله ﷺ: يعنى: الإيمان بشخصه الكريم وبكل ما جاء به من عند ربه ﷿ من كتاب وسنة وطاعته فى ذلك.
_________________
(١) الآية ١٣٦ النساء.
(٢) جزء من الآية ١٥٨ الأعراف.
(٣) الآية ١٣ الفتح.
[ ٥٦٨ ]
ويؤيد أن الإيمان فى الآيات السابقة مرادًا به شخصه ﷺ ما جاء فى القرآن الكريم من الأمر بتعظيمه وتوقيره ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ (٢) فقوله: "وتعزروه" أى: تعظموه وتجلوه (٣) والتعظيم والإجلال والتوقير والنصرة، تشمل فى المقدمة شخصه الكريم. بدليل ما جاء فى القرآن الكريم أيضًا من تعظيم رب العزة لنبيه بنداءه وخطابه باللقب المشعر بالتعظيم بالنبوة والرسالة دون غيره من الأنبياء (٤) وكذلك أمره عباده بالأدب مع رسوله بعدم التقديم بين يديه أو رفع صوتهم على صوته (٥) وتحذيرهم من الانصراف من مجلسه قبل استئذانه، أو ندائه باسمه (محمد) كما ينادى بعضهم بعضًا (٦)
_________________
(١) جزء من الآية ١٥٧ الأعراف.
(٢) الآية ٩ الفتح.
(٣) قاله ابن عباس وغير واحد. ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٧/٣١٢.
(٤) نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى اتق الله﴾ الآية الأولى الأحزاب، وقوله: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ الآية ٢١ الأحزاب.
(٥) نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفور رحيم﴾ ١-٥ الحجرات.
(٦) نحو قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا﴾ الآيتان ٦٢، ٦٣ النور.
[ ٥٦٩ ]
وتحريم إيذائه (١) .
أليس فى كل هذه الآداب الربانية دليل على أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ، وتعظيمه وتوقيره من حقائق الإسلام؟ أليس فى هذه الآداب الربانية ما يصفع المتنبئ الكذاب رشاد خليفة فى زعمه إن تعظيمه وتوقيره ﷺ شركًا صارخًا؟ (٢) .
إن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ وتعظيمه وإجلاله، والتأدب معه بالآداب الربانية السابقة، كان عليه سلفنا الصالح، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود الثقفى (٣) وهو يومئذ لم يسلم بعد، وكان مندوب قريش للتفاوض فى شأن دخول النبى ﷺ مكة فى غزوة الحديبية، فرأى من تعظيم وتوقير للنبى ﷺ فى قلوب الصحابة وجوارحهم ما أذهله، حتى عاد إلى قريش وقال لهم: "أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له" (٤) .
_________________
(١) نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق﴾ الآية ٥٣ الأحزاب.
(٢) يراجع: ص٣٧٨.
(٣) له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/٣٠ رقم ٣٦٥٨، وتجريد أسماء الصحابة ١/٣٨٠، وتاريخ الصحابة ص١٩٥ رقم ١٠٣٩، والإصابة ٢/٤٧٧ رقم ٥٥٤٦.
(٤) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الجهاد ٥/٣٨٩ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٣/٣١٥ رقم ١٥١١.
[ ٥٧٠ ]
فهكذا صور هذا الرجل تعظيم الصحابة الكرام ﵃ لنبيهم المصطفى ﷺ بهذه الألفاظ الجزلة النابعة من بالغ تأثره بذلك المظهر العظيم من مظاهر التعظيم والتبرك بآثاره ﷺ وقد برهن على مدلول هذا الخبر أيضًا، ما قاله عمرو بن العاص ﵁ (١) قال: "ما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ، ولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالًا له، ولو شئت أن أصفه ما أطقت؛ لأنى لم أكن أملأ عينى منه" (٢) وهكذا كان الصحابة الكرام ﵃ يعبرون عن تعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم لرسول الله ﷺ، بأعمالهم وأقوالهم.
ثالثًا: وأخيرًا زعمهم أن تكرار شهادة أن محمدًا رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، فيه تفريق بين رسل الله ﷿، ولو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضًا بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله الخ وهو أمر يطول.
فهذا من جهلهم بكتاب الله ﷿ الذى يتسترون نفاقًا بعباءته. فالقرآن الكريم يصرح بأن الله ﷿ أخذ العهد والميثاق على الأنبياء السابقين بأن يؤمنوا بشخص رسول الله ﷺ ويؤمنوا بنبوته وينصروه إن خرج وهم أحياء، فلما أقروا بذلك أشهدهم عليه، والله خير الشاهدين. قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (٣) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٧١ رقم ٣٧٦، وأسد الغابة ٤/٢٣٢ رقم ٣٩٧١، والاستيعاب ٣/١١٨٤ رقم ١٩٣١، والإصابة ٣/٢ رقم ٥٨٩٧.
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كون الإيمان يهدم ما قبله ١/٤١٤ رقم ١٢١.
(٣) الآية ٨١ آل عمران.
[ ٥٧١ ]
قال على بن أبى طالب، وابن عمه عبد الله بن عباس ﵄: "ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمدًا وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" (١) .
وهذا يعنى أنه ﷺ نبى الأنبياء، ولو قدر لواحد من هؤلاء الأنبياء جميعًا من لدن آدم إلى عيسى عليهم جميعًا الصلاة والسلام، الحياة، وبعث المصطفى ﷺ، لما وسعه إلا اتباعه، يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵁، أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال: أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله ﷺ: فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله، من غضب الله، ومن غضب رسوله، رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، فقال رسول الله ﷺ: "والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيًا وأدرك نبوتى لاتبعنى" (٢)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٢/٥٦، وجامع البيان ٦/٥٥٥، والدر المنثور ٢/٢٥٢.
(٢) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى ﷺ ١/١٢٦ رقم ٤٣٥، وأحمد فى المسند ٣/٣٨٧، وابن أبى عاصم فى السنة ١/٢٧ رقم ٥٠، وفى سنده مجالد بن سعيد، الجمهور على تضعيفه لأنه اختلط فى آخر عمره؛ لكن روايته لهذا الحديث مقبولة؛ لأنه قد سمعه منه هشيم قبل الاختلاط، قال ابن عدى: رواية القدماء عنه كهشيم وشعبة وحماد بن زيد مقبولة، وقال ابن عدى: له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة، يعنى: كما فى سند هذا الحديث. ينظر: مجمع الزوائد ١/١٧٣، ١٧٤، وتقريب التهذيب ٢/١٥٩ رقم ٦٤٩٨، والكاشف ٢/٢٣٩ رقم ٥٢٨٦، والضعفاء للنسائى ص٢٢٣ رقم ٥٧٩، والمجروحين لابن حبان ٣/١٠، والحديث صحح إسناده الحافظ ابن كثير من رواية أحمد، قال بعد إيرادها: تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم أهـ ينظر: البداية والنهاية ٢/١٢٣، وينظر: من نفس المصدر ١/١٨٥.
[ ٥٧٢ ]
ومن هنا كان سلام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج، بقولهم: مرحبًا بالنبى الصالح، والأخ الصالح (١) وهو اعتراف منهم بنبوته ﷺ، ولذا كان إمامهم فى الصلاة ببيت المقدس كما قال ﷺ: "ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لى الأنبياء ﵈ فقدمنى جبريل حتى أممتهم" (٢) وكل هذا يوضح أن إعلان وتكرار شهادة أن محمدًا رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، هو إيمان بكل الأنبياء، وأنه لو وجد واحد من الأنبياء السابقين لوجب عليه أن يشهد بتلك الشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذلك تنفيذا للعهد والميثاق الذى أخذه الله على سائر أنبياءه ورسله، وهذا يعنى أن ذكر اسمه ﷺ فى الشهادة هو ذكر لكل الأنبياء، وشهادة فى نفس الوقت بأنهم رسل الله تعالى، بما يغنى عن تكرار ذكرهم أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
_________________
(١) حديث الإسراء والمعراج سبق تخريجه ص٣٠٧.
(٢) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ١/٢٢١ رقم ٤٥٠ من حديث أنس ﵁، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح بن مريم ﵇ والمسيح الدجال ١/٥٠٩ رقم ٢٧٨ من حديث أبى هريرة ﵁.
[ ٥٧٣ ]