بتعرض الشيطان له والجواب عنها
_________________
(١) ينظر: نوال المنى فى إثبات عصمة أمهات وأزواج الأنبياء من الزنى للشيخ محمد نسيب الرفاعى ص١١٤، ١١٥.
[ ٢١٤ ]
.. زعم أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة أن رسول الله ﷺ غير معصوم من الشيطان، واستدلوا على ذلك بآيات ورد فيها مخاطبة النبى ﷺ بتعرض الشيطان له بالوسوسة، وتسببه فى سهوه، نحو قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (١) وقوله ﷿: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته﴾ (٣) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولًا: التعلق بظاهر الآيات السابقة على عدم عصمة رسول الله ﷺ من الشيطان لا حجة فيه لهم، إذ لم يسلط الشيطان على رسول الله ﷺ، وعلى سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بأكثر من التعرض لهم، دون أن يكون له قدرة على إلحاق أى ضرر يضر بالدين.
_________________
(١) الآية ٢٠٠ الأعراف.
(٢) الآية ٦٨ الأنعام.
(٣) الآية ٥٢ الحج، وممن قال بهذه الشبهة: جعفر مرتضى العاملى فى كتابه الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٥/١٨٠، ١٨٢، وعبد الحسين شرف الدين فى كتابه أبو هريرة ص٩٦ – ١٠٠، وأمير محمد قزوينى فى كتابه الشيعة فى عقائدهم وأحكامهم ص٣٦٩، وصالح الوردانى فى كتابيه أهل السنة شعب الله المختار ص٦٥ – ٦٨، ودفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص٢٥٨، ٢٦٧، وأحمد حسين يعقوب فى كتابه مساحة للحوار ص١١٩، وهؤلاء الشيعة أنكرو السهو والنسيان فى حقه ﷺ، وزعموا أنه قادح فى النبوة، وأن الأحاديث الواردة فى ذلك أخبار آحاد روتها الناصبة يعنون (أهل السنة) فلا يصح الاعتماد عليها للاعتقاد، لأنه يكون من اتباع الظن"أهـ وفى مقابلهم استدل بالسهو فى حقه ﷺ على عدم عصمته أحمد صبحى منصور فى كتابه الأنبياء فى القرآن ص٣٤، ٣٥، وغيره ممن سبق ذكرهم فى المطلب الثالث ص١٢٩.
[ ٢١٥ ]
.. وعصمة سيدنا رسول الله ﷺ من كيد إبليس وجنوده هو وسائر الأنبياء، ثابتة لهم بكتاب الله ﷿، فهم على رأس عباد الله المخلصين الذين لا سلطان للشيطان عليهم لقوله: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلًا﴾ (١) وقد تقدم تفصيل عصمته ﷺ من الشيطان الرجيم فى قلبه وعقيدته وخلقه منذ الصغر بنزع العلقة السوداء – حظ الشيطان - من قلبه ﷺ وعلى هذا إجماع الأمة، كما قال القاضى عياض: "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى ﷺ من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس" (٢) .
وهو بذلك يبين حقيقة العصمة من الشيطان، وأنها لا تتعارض مع تعرض الشيطان لخاطره ﷺ بالوساوس.
واستدل القاضى على ذلك بحديث ابن مسعود مرفوعًا: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياى، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير" (٣) .
_________________
(١) الآية ٦٥ الإسراء.
(٢) الشفا ٢/١١٧.
(٣) سبق تخريجه ص٥٠.
[ ٢١٦ ]
.. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بتصدى الشياطين له فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه الشريفة، وإدخال شغل عليه، إذ يئسو من إغوائه فانقلبوا خاسرين، كتعرضه له فى صلاته فأخذه النبى ﷺ وأسره (١) وقد سبق ذكر نماذج من هذه الأحاديث (٢) التى تتفق فى ظاهرها مع الآيات التى استدل بها خصوم السيرة العطرة على عدم عصمته ﷺ من الشيطان، دون أن يفهموا حقيقة ظاهر هذه الآيات، وهو: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٣) أى يتعرض لك الشيطان بأدنى وسوسة – إذ النزغ أدنى الوسوسة، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يكفى أمرك، ويكون سبب تمام عصمتك (٤)، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه (٥) وهو ما أكدته الأحاديث المشار إليها.
ثانيًا: ما يتوهم من قدرة الشيطان على النبى ﷺ حيث أسند النسيان بسبب الشيطان إلى ضمير خطابه ﷺ فى قوله تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (٦) .
_________________
(١) سبق ذكره وتخريجه ص٥١.
(٢) يراجع ص٥٠ – ٥٢.
(٣) الآية ٢٠٠ الأعراف.
(٤) على ما سبق فى تعريف العصمة من بقاء الاختيار للنبى المعصوم فى أقواله، وأفعاله تحقيقًا للابتلاء. يراجع ص٥ وما بعدها.
(٥) ينظر: الشفا ٢/١٢٠، والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٩/ ٣٢، ٣٣.
(٦) الآية ٦٨ الأنعام.
[ ٢١٧ ]
.. فليس فى الآية دليل على تسلط الشيطان على النبى ﷺ، لأن فعل الشيطان فى هذا النسيان، لا يعدو أكثر من شغل خاطره ﷺ وتذكيره أكثر فأكثر بحرصه على إسلام قومه، مع شدة كفرهم وعنادهم، وطعنهم فى آيات الله ﷿، فيكون شغله وتذكيره بهذا الحرص، سببًا فى نسيان الإعراض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غير حديث القرآن الكريم، وهذا ما يقتضيه سياق الآية الكريمة: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (١) كما أن هذا المعنى هو ما يقتضيه واقع حال النبى ﷺ فى دعوته.
والنسيان فى هذه الحالة لا طلب عليه فى الشرع، ولا ذم بالإجماع، كما أنه لا يتعارض مع عصمته ﷺ.
فالسهو والنسيان من الأنبياء فى الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية جائز فى حقهم، وهو ظاهر القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين (٢) .
وفرقوا بين ذلك، وبين السهو فى الأقوال البلاغية: فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده، لقيام المعجزة على الصدق فى القول، ومخالفة ذلك تناقضها.
_________________
(١) الآيتان ٦٧، ٦٨ الأنعام.
(٢) ولم يخالف فى ذلك إلا الشيعة وغيرهم ممن سبق ذكرهم هامش ص١٣٩.
[ ٢١٨ ]
.. أما السهو فى الأفعال البلاغية، فغير مناقض لها ولا قادح فى النبوة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال ﷺ: "إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى" (١) وحالة النسيان والسهو هنا – فى الأفعال البلاغية – فى حقه ﷺ سبب إفادة علم، وتقرير شرع، كما قال ﷺ: "إنى لأَنسْىَ، أو أُنسَىَ لأَسُن" (٢) أى: إنما أدفع إلى النسيان لسوق الناس بالهداية إلى طريق مستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (٣) .
وهذه الحالة زيادة له فى التبليغ، وتمام عليه فى النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط، بل ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح، وقبل انقراضهم على قول الآخرين.
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان ١/٦٠٠ رقم ٤٠١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب السهو فى الصلاة والسجود له ٣/٦٣ رقم ٥٧٢ من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه مالك فى الموطأ كتاب السهو، باب العمل فى السهو ١/١٠٠ رقم٢، قال ابن عبد البر لا أعلم هذا الحديث روى عن النبى ﷺ مسندًا ولا مقطوعًا، من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التى فى الموطأ، التى لا توجد فى غيره مسنده ولا مرسله. ومعناه صحيح فى الأصول. وقال الحافظ فى فتح البارى ٣/١٢٢ رقم ١٢٢٩ هذا الحديث لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك، التى لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وقال الشوكانى فى نيل الأوطار ٣/١٠٩، وهو أحد الأحاديث الأربعة التى تكلم عليها فى الموطأ.
(٣) لسان العرب ١٣/ ٢٢٥، والقاموس المحيط ٤/٢٣٣، والمعجم الوسيط ١/٤٥٥.
[ ٢١٩ ]
.. وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله ﷺ، وما يختص به من أمور دينه، وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع فيه. فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها، ولحوق الفترات، والغفلات بقلبه، وذلك مما كلفه من مقاساة الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة الأهل، وملاحظة الأعداء، ولكن ليس على سبيل التكرار، ولا الاتصال، بل على سبيل الندور (١) كما قال ﷺ: "إنه ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله، فى اليوم مائة مرة" (٢) وفى رواية: "فى اليوم أكثر من سبعين مرة" (٣) .
"والغين" بالغين المعجمة الغيم، والمراد هنا ما يتغشى القلب من السهو الذى لا يخلوا منه البشر (٤) وذكر العلماء عدة أقوال فى المراد بالحديث منها ما يلى:
قال القاضى عياض: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه، فإذا افتر عنه أو غفل عد ذلك ذنبًا، واستغفر منه.
_________________
(١) الشفا ٢/١٥٠، ١٥١، وينظر: فتح البارى ٣/١٢١ رقم ١٢٢٩، والبحر المحيط فى أصول الفقه ٤/١٧٣، ١٧٤.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الذكر، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ٩/٢٨ رقم ٢٧٠٢ من حديث الأغر المزنى ﵁.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الدعوات، باب استغفار النبى ﷺ فى اليوم والليلة ١١/١٠٤ رقم ٦٣٠٧ من حديث أبى هريرة ﵁.
(٤) النهاية فى غريب الحديث ٣/٣٦٢.
[ ٢٢٠ ]
أن الغين همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم، وسببه اشتغاله بالنظر فى مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنبًا بالنسبة إلى عظيم منزلته. وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهى نزول عن عالى درجته، ورفيع مقامه من حضوره مع الله تعالى ومشاهدته ومراقبته وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.
أن الغين هو السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله﴾ (١) ويكون استغفاره إظهارًا للعبودية والافتقار، وملازمة الخشوع وشكرًا لما أولاه (٢) .
أن الغين حاله خشية وإعظام، والاستغفار شكرها، ومن ثمَّ قيل: خوف الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى.
أن الغين ليست حالة نقص فى حاله ﷺ، بل هو كمال أو تتمة كمال ومثال ذلك: بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلًا، فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفى الحقيقة هو كمال. فهكذا بصيرة النبى ﷺ متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها، ووقاية عن ذلك (٣) .
قلت: والأقوال السابقة معناها محتمل، وجائزة فى حقه ﷺ، ولا تناقض عصمته. أهـ. والله أعلم.
_________________
(١) الآية ٢٦ التوبة.
(٢) المنهاج شرح مسلم للنووى ٩/٢٩، ٣٠ رقم ٢٧٠٢، والشفا ٢/١٠٦، ١٠٧.
(٣) ينظر: فتح البارى ١١/١٠٤، ١٠٥ رقم ٦٣٠٧، وشرح الزرقانى على المواهب ٧/١٣١ – ١٤٠.
[ ٢٢١ ]
وأما قوله حين نام عن الصلاة يوم الوادى لما عاد من خيبر أو من الحديبية وبطريق تبوك روايات (١): "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" (٢) وفى رواية قال ﷺ: "إن هذا واد به شيطان" (٣) .
_________________
(١) شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٥، وينظر: فتح البارى ١/٥٣٤ رقم ٣٤٤، والمنهاج شرح مسلم ٣/٢٠٢ رقم ٦٨٠.
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة ٣/١٩٧ رقم ٦٨٠ من حديث أبى هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مالك فى الموطأ، كتاب الصلاة، باب النوم عن الصلاة ١/٤٥ رقم ٢٦ مرسلًا من حديث زيد بن أسلم.
[ ٢٢٢ ]
فهذا الحديث ليس فيه ذكر لتسلط الشيطان عليه ﷺ، ولا وسوسته له، ولا يصح الطعن فى عصمة النبى ﷺ بمقتضى ظاهر هذا الحديث، لأنه ﷺ بين على من تسلط الشيطان بقوله ﷺ: "إن الشيطان أتى بلالًا، وهو قائم يصلى، فأضجعه، فلم يزل يهدئه (١) كما يهدأ الصبى حتى نام" (٢)، فظهر من ذلك أن تسلط الشيطان فى ذلك الوادى، إنما كان على بلال الموكل بمراقبة طلوع الفجر ليوقظهم، كما جاء فى حديث أبى هريرة السابق، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى (٣) عرس (٤) وقال لبلال: "اكلأ (٥) لنا الليل" فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجهة الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا" (٦) .
_________________
(١) أى يسكنه وينومه، من هدأت الصبى إذا وضعت يدك عليه لينام، وروى "يهدهده" من هدهدت الأم ولدها لينام، أى حركته. ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٦، والنهاية فى غريب الحديث ٥/٢١٩.
(٢) أخرجه مالك فى الأماكن السابقة نفسها.
(٣) الكرى: بفتح الكاف، النوم، وقيل: النعاس. النهاية فى غريب الحديث ٤/١٤٧.
(٤) التعريس: نزول المسافر آخر الليل، نزلة للنوم والاستراحة. المصدر السابق ٣/١٨٦.
(٥) أى راقب واحفظ واحرس لنا وقت الفجر لتوقظنا. المصدر نفسه ٤/١٦٨.
(٦) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب قضاء الفائتة ٣/١٩٦ رقم ٦٨٠، وينظر: رواية أبى قتادة فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مواقيت الصلاة، باب الآذان بعد ذهاب الوقت ٢/٧٩ رقم ٥٩٥.
[ ٢٢٣ ]
فإن قيل: كيف نام النبى ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس مع قوله ﷺ: "إن عينى تنامان، ولا ينام قلبى" (١) فجوابه من وجهين:
١- أصحهما وأشهرهما: أنه لا منافاة بينهما، لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان.
٢- أنه ﷺ كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع. والثانى: لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله. وهذا التأويل ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التهجد، باب قيام النبى ﷺ بالليل فى رمضان وغيره ٣/٤٠ رقم ١١٤٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى ﷺ ٣/٢٧٠ رقم ٧٣٨ من حديث عائشة ﵂.
(٢) قاله النووى فى المنهاج شرح مسلم ٣/٢٠٣ رقم ٦٨٠، ووافقه ابن حجر فى فتح البارى ١/٥٣٦ رقم ٣٤٤.
[ ٢٢٤ ]
وقريب من الأول، من قال: إن القلب قد يحصل له السهو فى اليقظة لمصلحة التشريع، ففى النوم بطريق الأولى، أو على السواء (١) ويؤيد ذلك ما جاء فى رواية أبى قتادة ﵁ (٢) قال: "فجعل بعضنا يهمس إلى بعض! ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا فى صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فِىَّ أُسوَةٌ؟ ثم قال: أما إنه ليس فى النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة، حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حتى ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" (٣) .
والكلام فيما سبق من ظاهر تسلط الشيطان على بلال، موجه إلى أن جملة: "إن هذا وادٍ به شيطان" تنبيهًا على سبب النوم عن الصلاة، وهو تنويم الموكل بحراسة الوقت.
أما إن جعلنا جملة: "إن هذا واد به شيطان" تنبيهًا عن سبب الرحيل عن الوادى، وعلة لترك الصلاة به، على ما جاء فى رواية مالك فى الموطأ (٤) فلا اعتراض بهذا الحديث على عدم عصمة رسول الله ﷺ من الشيطان (٥) أهـ.
والله ﵎ أعلى وأعلم
_________________
(١) قاله ابن المنير، ينظر: فتح البارى ١/٥٣٦ رقم ٣٤٤.
(٢) هو الحارث بن ربعى السلمى الأنصارى الخزرجى، صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٦/٢٤٤ رقم ٦١٧٣، والاستيعاب ٤/١٧٣١ رقم ٣١٣٠، وتاريخ الصحابة ص٦٩ رقم ٢٤١.
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب قضاء الفائتة ٣/١٩٧ رقم ٦٨١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب مواقيت الصلاة، باب الأذان بعد ذهاب الوقت ٢/٧٩ رقم ٥٩٥.
(٤) فبعد قوله ﷺ: "إن هذا واد به شيطان" قال زيد بن أسلم: فركبوا حتى خرجوا من ذلك الواد، ثم أمرهم أن ينزلوا ويتوضئوا، وأمر بلالًا أن ينادى بالصلاة أو يقيم، فصلى رسول الله ﷺ بالناس" الحديث أخرجه مالك فى الموطأ كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة ١/٤٥ رقم ٢٦.
(٥) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب ٩/٣٦، ٣٧، والشفا ٢/١٢٢.
[ ٢٢٥ ]