تشبث بعض المستشرقين وأبواقهم المقلدون لهم بما ذكره بعض كتاب السيرة النبوية، وجماعة من المفسرين، وطوائف من المحدثين فى كتبهم، بأقصوصة "الغرانيق" وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سببًا لعودة المهاجرين الأولين إلى مكة.
وهى أقصوصة مختلقة، باطلة فى أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة فى جذورها وأغصانها، واتخذ أعداء الإسلام منها سلاحًا للطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، من تسلط الشيطان عليه، وعصمته فى بلاغه لوحى الله تعالى.
_________________
(١) الآية ١٣ الشورى.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأنبياء، باب واذكر فى الكتاب مريم ٦/٥٥٠ رقم ٣٤٤٣، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ابن مريم ٨/١٣٠ رقم ٢٣٦٥ من حديث أبى هريرة.
(٣) النهاية ٣/٢٦٣، وينظر: الفائق فى غريب الحديث ٣/٤٤، والمنهاج شرح مسلم ٨/١٣٢ رقم ٢٣٦٥.
[ ٤٦٢ ]
.. ورغم أن علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بينوا بأوضح ما يكون البيان زيفها وبطلانها؛ إلا أنك تجد من ينتصر لهذه الفرية، ويطبل لها ويزمر من المستشرقين والمبشرين (١) وكذا أبواقهم المقلدون لهم الذين زادوا على أعداء الإسلام الطعن فى رواة السنة الشريفة والكذب عليهم بأنهم يصححون هذه الأكذوبة.
يقول نيازى عز الدين (٢): "بعد نزول الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ (٣) ألقى الشيطان نتيجة لتمنى الرسول ﷺ، ألا ينزل الله تعالى ما يغضب قومه من قريش، لأنه كان يطمع بإسلام بعض وجهائهم، فألقى الشيطان فى أمنية الرسول وفى ذهنه بعض الكلمات، فاعتقد أنها من الوحي، فطلب من كتبه الوحي تسجيله وكتابته فى نص القرآن الكريم (٤) وكانت كما يلى: "أفرأيتم اللات والعزى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" فسر القرشيون من المشركين بذلك، وسجدوا مع الرسول فى الصلاة، ولكن بعد فترة نزل جبريل، وعاتب الرسول، وصحح الآية، ناسخًا ما ألقى الشيطان" (٥) .
_________________
(١) ينظر: الإسلام لألفريد هيوم ص٣٥، ٣٦، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص٣٤.
(٢) كاتب سورى معاصر، هاجر إلى أمريكا، من مؤلفاته: إنذار من السماء، ودين السلطان – الذى زعم فيه أن السنة المطهرة، وضعها أئمة المسلمين، من الفقهاء والمحدثين، لتثبيت ملك السلطان، ويصرح بأنه – أى السلطان – معاوية بن أبى سفيان ﵁، ويصرح بأن فقهاء المسلمين ومحدثيهم قديمًا، هم جنود السلطان وصار على دربهم علماء المسلمين إلى يومنا هذا.
(٣) الآية ١٩ النجم.
(٤) قوله: اعتقاد الرسول بأنها من الوحي، فطلب الخ، هذه زيادة كاذبة منه على رسول الله فوق كذب القصة.
(٥) إنذار من السماء ص٤٣٧.
[ ٤٦٣ ]
.. ويكرر فى موضع آخر الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ، فى البلاغ، وفى عصمته من الشرك، ومن تسلط الشيطان عليه، بتفسير آيات النهى عن الشرك، والنهى عن اتخاذ إله آخر مع الله ﷿، بأنها خطاب من الله ﷿ لرسوله مرة ثانية عن قصة الغرانيق، وكأن حال لسانه يقول: قصة الغرانيق صحيحة، وبصحتها أشرك رسول الله، واتخذ إلهًا آخر، وتأمل كلامه بعد أن سبقه بذكر الآيات التالية قوله تعالى: ﴿ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ولا تدع مع الله إلهًا آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾ (٢) يقول: "فمن معانى الآيات يتبين أن الله تعالى يكلم الرسول مرة أخرى عن قصة الغرانيق، وأن شفاعتهن لترجى، ويوضح له كيف ألقاها الشيطان إلى لسانه، فأدخلها الرسول خطأ فى القرآن، إلى أن أتى جبريل، ونبهه على الموضوع، فنسخ تلك الآيات وأتى بدلًا عنها بخير منها: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى. ألكم الذكر وله الآنثى﴾ (٣) وبين الله تعالى أسباب ذلك فى الآية: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٤) .
_________________
(١) الآية ٨٧ القصص.
(٢) الآية ٨٨ القصص، ويراجع: ما سبق فى توجيه هذه الآية وما قبلها ص١٢٩ – ١٣٨.
(٣) الآيات ١٩ – ٢١ النجم.
(٤) الآية ٥٢ الحج. وينظر: إنذار من السماء ص٥٢٣.
[ ٤٦٤ ]