قوله ﷺ: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" وقد سبق قريبًا بيان دلالته على أن السنة وحى.
_________________
(١) الآية ١٩ القيامة.
(٢) الآية ١٧ القيامة.
(٣) الآية ١١٣ النساء.
(٤) الآية ٢٣١ البقرة.
(٥) وإن غايرت وحى القرآن الكريم بأمور إن شئت أنظرها فى: الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٤/٣٣١.
[ ٥٠٨ ]
قوله ﷺ: لما سئل فى عام جدب: سعر لنا يا رسول الله. قال: "لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرنى بها، ولكن اسألوا الله من فضله" (١) إن فى الحديث دلالته الصريحة فى أنه ﷺ، لا يحدث أى سنة، وإنما يبلغ عن الله تعالى، ما أمره به ﷿. مما يدل على أن السنة المطهرة، إنما تأتيه بوحى الله سبحانه.
وقوله ﷺ: "رأيت ما تعمل أمتى بعدى فاخترت لهم الشفاعة يوم القيامة" (٢) .
وقوله ﷺ: "قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد (٣) محبوسون، إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء" (٤) .
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير بإسناد رجاله ثقات، سوى بكر بن سهل الدمياطى فإنه ضعفه النسائى، ووثقه غيره، كذا فى مجمع الزوائد ٤/١٠٠ من حديث عبيد بن نضيلة، وللحديث شاهد عن أبى هريرة وأنس ﵄ أخرجهما أبو داود فى سننه كتاب البيوع، باب فى التسعير ٣/٢٧٢ رقمى ٣٤٥٠، ٣٤٥١، وأحمد فى المسند ٣/٨٥ عن أبى سعيد الخدرى، ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٩٩.
(٢) أخرجه أبو يعلى فى مسنده ضمن مسند أم سلمة ١٢/ ٣٨٢ رقم ٦٩٤٩، وسكت عنه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/٣٧١. قلت: لكن أصل حديث الشفاعة فى الصحيحين وغيرهما أهـ.
(٣) أى أصحاب الغنى، والحظوظ الدنيوية، وإنما حبسوا للحساب. ينظر: النهاية ١/٢٣٧.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ٩/٦٢ رقم ٢٧٣٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب رقم ٨٧ جـ٩/٢٠٩ رقم ٥١٩٦، من حديث أسامة بن زيد ﵁.
[ ٥٠٩ ]
إن هذين الحديثين، وما فى معناهما، مما يفيد أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ، كذا وكذا، يأتى تأكيدًا لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (١) .
فتأمل قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ وكل الأحاديث الصحيحة التى جاء فيها أن الله أطلع نبيه ﷺ، وأراه ما أراه، تعلم أن السنة النبوية وحى من الله تعالى إلى رسول الله ﷺ ٠
حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ، عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ففى نهايته قال ﷺ: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (٢) .
عن أبى سعيد الخدرى ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ، إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيها قذرًا" وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما" (٣) وهكذا يراقبه الوحي، فإذا أصاب نعله شئ من النجاسة نبهه.
_________________
(١) الآية ١٠٥ النساء.
(٢) سبق تخريجه ص٢٥٥.
(٣) سبق تخريجه ص١٩.
[ ٥١٠ ]
وبالجملة: فالأحاديث التى قالها رسول الله ﷺ، فتحققت وفق ما أخبر، هذه يعترف العقل أنها لابد من وحى الله إليه ﷺ (١) والأحاديث التى تحدث فيها عن أخبار السابقين، وهو الصادق المصدوق ناطقة بأنها من وحى الله إليه، فما الذى أعلمه أخبار الأمم السابقة، وأنبيائها، إلا الوحي من الله تعالى إليه؟ (٢) .
والأحاديث التى تحدث فيها عن سنن الله الكونية، وأسرار الخليقة، كتحدثة عن تكوين الجنين فى بطن أمه، وأنه كيف يشبه أخواله أو أعمامه، وتحدثه عن الكثير من أسباب الصحة، فيحذر من امتلاء البطن، ويحث على النظافة، هذه مما يسلم العقل أنها من وحى الله تعالى إليه ﷺ (٣) .
_________________
(١) ينظر: أمثلة على ذلك فى: دلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٤٦٤ – ٥٣٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٦/٣١٢،والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/١٦٨، ومعجزات الرسول ﷺ التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.
(٢) ينظر: أمثلة على ذلك فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الخلق ٦/٣٣٠، وكتاب الأنبياء ٦/٤١٦، وغير ذلك من المصادر السابقة.
(٣) ينظر: الطب فى السنة للدكتور محمد السنهورى فصل "القواعد الطبية العامة المستنبطة، ص١٥٤ – ١٩٦، وفصل "الطب الوقائى فى السنة" ص١٩٧، وفصل::"سبق السنة إلى مفاهيم طبية سبقت بها لعصر" ص١٩٧ – ٢٥٠، وينظر: الإبداعات الطبية لرسول الإنسانية للأستاذ مختار سالم، والطب الوقائى فى الإسلام للعميد الصيدلى عمر محمود عبد الله، والطب النبوى فى العلم الحديث للدكتور محمود النسيمى.
[ ٥١١ ]
ومن أقوى الأدلة على أن السنة من وحى الله الخالق سبحانه إلى رسول الله ﷺ؛ أن السنة على كثرة أحاديثها، وذيوعها وانتشارها، لا يجد فيها العقلاء إلا الحق الذى يسعد البشرية فى كل ناحية من نواحى الحياة، فى صحتها، فى اجتماعيتها، فى اقتصادها، فى نسلها، فى عقلها، فى كل شئون حياتها.
إن أحاديث رسول الله ﷺ، منذ أن قالها إلى الآن تنهل البشرية من خيرها وصوابها، يعترف بذلك المسلون، والمنصفون من غير المسلمين وهذا دليل قوى على أنها وحى الله ﷾، إلى رسول الله ﷺ (١) .