عرَّف المتكلمون والمحدثون من أهل السنة العصمة فى الشرع بتعريفات بعضها يختلف عن بعض لفظًا إلا أن المعنى واحد، وقد يختلف بعضها لفظًا ومعنى، والاختلاف فى المعنى يعود إلى من سلب اختيار المعصوم فى أفعاله، ومن أوجبه.
_________________
(١) هو المبارك بن محمد الشيبانى الجزرى، يكنى أبا السعادات، ويلقب مجد الدين، ويعرف بابن الأثير وهو واحد من الأئمة الأعلام فى الحديث والفقه والنحو، قال ابن خلكان: كان فقيهًا محدثًا ورعًا مهيبًا من مؤلفاته الغزيرة والنافعة النهاية فى غريب الحديث، وأسد الغابة وغير ذلك مات سنة ٦٠٦هـ له ترجمة فى: وفيات الأعيان ٣/٢٨٩ - ٢٩١، وشذرات الذهب ٥/٢٢ - ٢٣، وطبقات الفقهاء والشافعيين لابن كثير ٢/٧٧٦، ٧٧٧.
(٢) هو عم رسول الله ﷺ واسمه عبد مناف. مات على دين قومه فى السنة العاشرة من البعثة، ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٣٠ نص رقم ٤١٦، والبداية والنهاية ٣/٢٤.
(٣) الثمال بالكسر الملجأ والغياث. وقيل هو المطعم فى الشدة. النهاية فى غريب الحديث ١/٢١٦.
(٤) النهاية فى غريب الحديث ٣/٢٢٥، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٣٥٢، ٣٥٣ نص رقم ٢٧١.
[ ١٩ ]
.. وهذه التعريفات وإن اختلفت مناحيها فى التعبير، وتنوعت جوانب تناولها لمعنى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنها جميعها تنتهى إلى حفظ الله تعالى إياهم من مواقعة الذنوب والمخالفات بعد البعثة باتفاق المحققين المحقين، وقبل البعثة على التحقيق.
ولعل من أحسن التعريفات للعصمة وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب نسيم الرياض فى شرح الشفا للقاضى عياض بأنها: "لطف من الله تعالى يحمل النبى على فعل الخير، ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء" (١) ومن المستحسن فى تعريفها أيضًا من قال: "هى حفظ الله ﷿ للأنبياء بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهى عنه، ولو نهى كراهة ولو فى حال الصغر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء (٢) .
إن العصمة تعنى حفظ الله تعالى لأنبيائه عن مواقعة الذنوب الظاهرة والباطنة، وأن العناية الإلهية لم تنفك عنهم فى كل أطوار حياتهم قبل النبوة وبعدها، على ما هو المعتمد كما سيأتى تحقيقه، فهى محيطة بهم تحرسهم من الوقوع فى منهى عنه شرعًا أو عقلًا، وصدق القائل حين قال:
وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمان
_________________
(١) نسم الرياض فى شرح الشفا للقاضى عياض ٤/٣٩، وينظر: التعريفات للجرجانى ص١٥٠، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهانى ص٣٧٧، وفتح البارى ١١/ ٥١٠ رقم ٦٦١١، وشرح العقائد للسعد التفتازانى ١/٢٠٠، وشرح المواقف للجرجانى ٨/٢٨٠، ٢٨١، والمسامرة بشرح المسايرة لكمال بن الهمام ص٢٢٧، والنفحات الشذية فيما يتعلق بالعصمة والسنة النبوية لمحمد الطاهر الحامدى ص١٨ – ٢٠.
(٢) شرح الخريدة مع حاشية الصاوى للدردير ص١٠٤ بتصرف، وينظر: إتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد بهامش حاشية محمد الأمير على جوهرة التوحيد ص١١٤.
[ ٢٠ ]
وهذا ما ظهر أثره فى الخارج، فقد كان أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام محفوظى الظواهر والبواطن من التلبس بمنهى عنه ولو نهى كراهة أو خلاف الأولى.
فهم محفوظون ظاهرًا من الزنا وشرب الخمر والكذب والسرقة، وغير ذلك من المنهيات المستقبحات فى الخارج، ومحفوظون فى الباطن من الحسد والكبر والرياء وغير ذلك من منهيات الباطن (١) .
فلم تُعرف لهم زَلة، ولا سُجلت عليهم هفوة فى مجتمعاتهم المليئة بالشحناء والعداوة والبغضاء لهم، ولو أن أعدائهم علموا من ذلك شيئًا لطاروا به فرحًا، ليدفنوا ما زاع لهم من مكارم الأخلاق، وصالح القول والعمل، كشأن الغوغائيين الذين قال فيهم الشاعر:
إن يسمعوا زلة طاروا بها فرحًا *** منى وما علموا من صالح دفنوا
صُمُ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به *** وإن ذكرت بسوء عندهم أُذن
فقد كانوا فى غاية التربص لتصيد عثراتهم إن وجدوها، فلما أعياهم البحث والانتظار، ويئسوا من العثور على شئ من ذلك، طفقوا يفترون الكذب، ويقولون الزور، فيرمونهم بالسحر تارة، والكهانة أخرى، والجنون حينًا، والافتراء حينًا آخر، وغير ذلك بما طاب لهم التفوه به مما سجله عليهم القرآن الكريم، وحفظه التاريخ، ولكن سرعان ما كان يكذبهم الواقع، فتبور أقوالهم، وترجع عليهم بالخزى والعار، ويبقى جانب الأنبياء مصونًا بالعصمة الإلهية، والعناية الربانية، ليكونوا أطهارًا أتقياء قادة الخلق إلى مكارم الأخلاق.
وما كان لهم بذلك من يد لولا العصمة الربانية التى أحاطت بهم قبل نبوتهم وبعدها فمنعتهم من الوقوع فيما لا يحمد مما يكون منفردًا للناس عن أتباعهم إلى ما يدعونهم إليهم من الدين والأخلاق الفاضلة (٢) .
_________________
(١) ينظر: إتحاف المريد بحاشية الأمير ص١١٤، وتحفة المريد على جوهرة التوحيد للباجورى ص٧٥.
(٢) ينظر: أخلاق النبى ﷺ فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد ٢/٩٩٠، ٩٩١.
[ ٢١ ]
هذا وللعلماء كلام طويل، وتفصيل مستطيل حول العصمة التى رعى الله تعالى بها رسله أوجزها فى الآتى: