_________________
(١) أى جعلوا فى جانب فمه دواه بغير اختياره. ينظر: فتح البارى ٧/٧٥٤ رقم ٤٤٥٨، ١٠/١٧٦ رقم ٥٧١٢.
(٢) ذات الجنب: تطلق بإزاء مرضين: أحدهما حقيقى: وهو ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن للأضلاع وينفجر إلى الداخل، وقلما يسلم صاحبها. والآخر: ما يعرض فى نواحى الجنب من رياح= =غليظة تحتقن بين الأضلاع التى فى الصدر، فتحدث وجعًا بين القلب والكبد. وهى من سئ الأسقام، والمراد بذات الجنب فى الحديث، التعريف الثانى لها، ولهذا قال ﷺ: "إنها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلطه على" والضمير فى "إنها" راجع إلى لَدِهم، وأنثه باعتبار صنعتهم، ثم نسبه إلى الشيطان لأنه كان بسبب وسوسته لهم بذلك حتى فعلوا ما لم يأذنهم هناك" ينظر: فتح البارى ٧/٧٥٤ رقم ٤٤٥٨، ١٠/١٧٦، رقم٥٧١٢ وشرح الشفا للملاعلى ٢/٢١٧.
(٣) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٤/٤٤٩ رقم ٨٢٣٥، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وسكت عنه الحافظ فى فتح البارى ٧/٧٥٥ رقم ٤٤٥٨، ١٠/ ١٨٢ أرقام ٥٧١٩ - ٥٧٢١ وأخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب المغازى، باب مرض النبى ﷺ ووفاته ٧/٧٥٤ رقم ٤٤٥٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب السلام، باب كراهية التداوى باللدود ٧/٤٥٦ رقم ٢٢١٣.
[ ٨٩ ]
.. شب رسول الله ﷺ، يحفظه الله ﷿، ويعصمه من أقذار الجاهلية ومعائبها، ويتحدث رسول الله ﷺ عن مظاهر عصمة الله ﷿ له فى صغره، وقبل النبوة قائلًا:
١- "ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون بها إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمنى الله ﷿ منها، قلت ليلة لفتى من قريش بأعلى مكة فى أغنام لأهلنا نرعاها: انظر غنمى حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف وزمرًا، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبى فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لى مثل ما قيل لى، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبى، فقال لى! ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئًا، قال رسول الله ﷺ: فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمنى الله ﷿ بنبوته" (١)
_________________
(١) أخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب التاريخ، باب ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن النبى ﷺ كان على دين قومه قبل أن يوحى إليه ١٤/ ١٦٩ رقم ٦٢٧٢، والحاكم فى المستدرك ٤/٢٧٣ رقم ٧٦١٩ وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وأخرجه البزار ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨/٢٢٦، وصححه جماعة من الأئمة غير من سبق ذكرهم. منهم ابن حزم فى الفصل فى الملل والنحل ٢/٣٢١، والقارى فى شرح الشفا ١/٢٩٩ والشهاب الخفاجى فى نسيم الرياض ١/٤٨٣، وابن حجر فى المطالب العالية ٤/١٧٨ رقم ٤٢٥٩، وقال: قال البوصيرى: رواه ابن إسحاق بإسناد حسن، وابن حبان فى صحيحه، ووافق= =ابن حجر، السيوطى فى الخصائص الكبرى ١/١٥٠، والحديث أخرجه أبو نعيم فى دلائل النبوة ١/١٨٦ رقم ١٢٨ واللفظ له، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢/٣٣، ٣٤، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٢/٢٦٧ من رواية البيهقى، وقال: هذا حديث غريب جدًا، وقد يكون عن على بن أبى طالب نفسه، ويكون قوله فى آخره "حتى أكرمنى الله ﷿ بنبوته، مقحمًا أهـ قلت: ما قاله الحافظ ابن كثير يرده، إخراج الأئمة للحديث مرفوعًا، وتصحيح بعض الأئمة له.
[ ٩٠ ]
.. وفيما قصه النبى ﷺ عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية:
الأولى: أن النبى ﷺ كان متمتعًا بخصائص البشرية كلها، وكان يجد فى نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التى اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما فى ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشئ من ذلك كما يتمتع الآخرون.
الثانية: أن الله ﷿ قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف، وعن كل مالا يتفق مع مقتضيات الدعوة التى هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحي أو الشريعة التى تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصمًا آخر خفيًا يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق، وإرساء شريعة الإسلام (١) .