قال الحافظ ابن حجر: هو الإعلام بالشرع (٥) .
وعرفه الأستاذ الإمام محمد عبده بقوله: هو عرفان يجده الشخص (٦) من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة (٧) .
_________________
(١) الآية ١١١ المائدة.
(٢) الآية ٦٨ النحل.
(٣) الآيتان ١١، ١٢ فصلت.
(٤) الآية ١٢١ الأنعام.
(٥) فتح البارى ١/١٤،١٥، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ٠
(٦) لا أوافق على كلمة (الشخص) لأن الوحي المعرف هو الوحي الشرعى، والوحي الشرعى خاص بالأنبياء، فلا يجوز أن يطلق على الأنبياء هذا التعريف بكلمة (الشخص) لأن الشخص أعم فيدخل فى ذلك الإلهام إلى غير الأنبياء، اللهم إلا إذا كان الشيخ محمد عبده يعرف الوحي من جهته العامة، فلا يكون ذلك تعريفًا للوحى الشرعى.
(٧) رسالة التوحيد ص٥٨.
[ ٣٧٩ ]
وعرفه البعض بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه (١) .
وبالنظر فى هذه التعريفات تلاحظ أنها جاءت متنوعة تبعًا لتنوع الاعتبارات، فمن نظر إلى المعنى المصدرى عرفه بالتعريف الأول، ومن نظر إلى المعنى الحاصل بالمصدر، عرفه بالثانى، ومن نظر إلى الموحى به، عرفه بالثالث، وهو المختار عندى. والله أعلم.
ثانيًا: كيفيات الوحي:
هذه الكيفيات ذكرها غير واحد من العلماء (٢) وهى بتصرف واختصار، على النحو التالى:
_________________
(١) عمدة القارى شرح صحيح البخارى لبدر الدين العينى ١/١٥، وينظر: مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ الزرقانى ١/٦٤، والوحي فى الإسلام وأهميته فى الحضارة الإنسانية للدكتور رؤف شلبى ص٢٩، ٣٠.
(٢) ينظر على سبيل المثال: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ١/٧٨ – ٨٠، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية ١/٤٢٠ – ٤٣٧، ودلائل النبوة للبيهقى ٧/٥٢ – ٥٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/٢٠ – ٢٢، والإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ١/١٢٧ فقرة رقم ٥٤٦، والسيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور أبى شهبة ١/٢٦٩–٢٧١،والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى ص٦٥– ٧٠.
[ ٣٨٠ ]
إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه ﷺ، فعن عائشة ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح – الحديث (١) وواضح من قولها ﵂: "أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة" أن الرؤيا الصالحة، كيفية من كيفيات الوحي، وقد جاء ذلك مصرحًا به، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "رؤيا الأنبياء وحى" (٢) .
ويبدوا هذا واضحًا فى رؤيا سيدنا إبراهيم ﵇ فى المنام ذبح ولده إسماعيل ﵇، قال تعالى: ﴿قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (٣) .
وتجده أيضًا فى رؤيا سيدنا يوسف ﵇، والتى تحققت بعد سنوات، قال تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين﴾ (٤) وتحققها قصة القرآن الكريم فى قوله ﷿: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقًا﴾ (٥) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص ١٩٧ – ١٩٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠/٣٢٢١ رقم ١٨٢٣١ وهو من جمع المحقق إذ هذا من القدر المفقود، وأخرجه موقوفًا على ابن عباس، الحاكم فى المستدرك ٢/٤٦٨ رقم ٣٦١٣ وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، والطبرانى بإسناد رجاله ثقات سوى شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبى مريم فهو ضعيف كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/١٧٦،ومع صحة وقفه فله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأى.
(٣) الآية ١٠٢ الصافات، وفى تفسير هذه الآية قال عبيد بن عمير بن قتادة: "إن رؤيا الأنبياء وحى" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب التخفيف فى الوضوء١/٢٨٧ رقم ١٣٨.
(٤) الآية ٤ يوسف.
(٥) الآية ١٠٠ يوسف.
[ ٣٨١ ]
.. وفى حق سيدنا رسول الله ﷺ قص القرآن الكريم نماذج من الرؤى وقعت بعد النبوة منها على سبيل المثال:
قوله تعالى: ﴿إذ يريكهم الله فى منامك قليلًا ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم ولتنازعتم فى الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور﴾ (١) ففى غزوة بدر الكبرى واجه المسلمون المشركين فى أول واقعة حربية حاسمة، وكان المشركون ضعف عدد المسلمين، وقد وقعت رؤيا لرسول الله ﷺ شاهد فيها المشركين قلة قليلة فأخبر أصحابه يومئذ بذلك، فكان تثبيتًا لهم، وكانت تلك الرؤيا منامًا كما صرح بذلك القرآن، فلا حاجة إلى تأويل بعضهم أنه رآهم بعينه التى ينام بها (٢) .
وقال ﷿: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (٣) .
فقد أخبر الرسول ﷺ صحابته فى العام السادس للهجرة برؤيا حق شاهد فيها المسلمين داخلين المسجد الحرام فى أمن تام مؤدين المناسك ولما سار المسلمون، ووصلوا إلى الحديبية (٤) لم يشك جماعة منهم أن الرؤيا النبوية تتحقق عامهم هذا وحين وقع ما وقع من صلح الحديبية تساءل عمر بن الخطاب ﵁ وقال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به" (٥) .
_________________
(١) الآية ٤٣ الأنفال.
(٢) على ما حكاه ابن جرير فى تفسيره ١٣/٥٧٠، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/١٣.
(٣) الآية ٢٧ الفتح.
(٤) اسم قرية قريبة من مكة، سميت ببئر فيها. النهاية فى غريب الحديث ١/٣٣٧.
(٥) جزء من حديث طويل، أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الحرب والمصالحة مع أهل الحرب الخ ٥/٣٩٠ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية فى الحديبية ٦/٣٧٧ رقم ١٧٨٥.
[ ٣٨٢ ]
وفعلًا ففى العام السابع، وفى ذى القعدة أدى الرسول والمسلمون عمرة القضاء، ودخلوا مكة معتمرين ملبين بعد سبع سنين طوال حرموا خلالها من رؤية الكعبة المشرفة.
ثانيها: الإلهام والقذف فى القلب من غير رؤية، بأن يلقى الله أو الملك الموكل بالوحي فى قلب نبيه ما يريد، مع تيقنه أن ما ألقى إليه من قبل الله تعالى.
وهذه الكيفية هى المرادة من قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا﴾ (١) إذ يقابلها إجمال بقية الكيفيات فى قوله سبحانه: ﴿أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ (٢) وبهذا قال أكثر المفسرين (٣) .
ومن هذه الكيفية حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، ولا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل ﵇ ألقى فى روعى أن أحدًا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس، واجملوا فى الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصية" (٤) .
ثالثها: تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب، ولذلك صورتان:
_________________
(١) الآية ٥١ الشورى.
(٢) جزء من الآية ٥١ الشورى.
(٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٧/٢٠٣، ٢٠٤، والكشاف ٣/٤٧٥، ٤٧٦، وأنوار التنزيل ٥/٨٥، وجامع البيان ١١/٢٨، ٢٩، ومفاتيح الغيب ١٤/ ١٨٧ – ١٩١.
(٤) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢/٥ رقم ٢١٣٦ أخرجه شاهدًا لحديث جابر برقم ٢١٣٤ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وأخرجه الشافعى فى الرسالة ص٩٣ فقرة رقم ٣٠٦ عن المطلب بن حنطب، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٠/٢٦، ٢٧، عن أبى أمامة، وأخرجه الخطيب فى الفقية والمتفقه ١/٢٧٠ رقم ٢٧٢ من طريق الشافعى، وهو إسناد مرسل كما صرح بذلك البيهقى فى السنن الكبرى ٧/٧٦.
[ ٣٨٣ ]
الأولى: إما فى اليقظة: وذلك مثل ما حدث لسيدنا موسى عليه الصلاة قال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (١) ومثل ما حدث لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم: أن يكلمه الله كفاحًا – أى مواجهة، حيث فرض الله عليه هناك الصلاة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (٢) .
الثانية: وإما فى المنام: كما فى حديث معاذ ﵁ (٣) أن النبى ﷺ تأخر عنهم ذات غداة فخرج عليهم وصلى وتجاوز فى صلاته، فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم"، ثم أقبل إلينا فقال: إنى سأحدثكم ما حبسنى عنكم الغداة (٤) إنى قمت من الليل فصليت ما قدر لى، فنعست فى صلاتى حتى استيقظت فإذا أنا بربى ﷿ فى أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدرى يا رب الحديث" (٥) .
رابعها: إرسال الملك، ولذلك ثلاث حالات:
_________________
(١) الآية ١٦٤ النساء.
(٢) الآية ١٠ النجم.
(٣) هو معاذ بن جبل، صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٥/١٨٧ رقم ٤٩٦٠، ومشاهير علماء الأمصار ص٦٣ رقم ٣٢١، والاستيعاب ٣/١٤٠٢ رقم ٢٤١٦، والإصابة ٣/٤٢٦ رقم ٨٠٥٥.
(٤) المراد: ما بين صلاة الغداة وهى الصبح، وطلوع الشمس. النهاية فى غريب الحديث ٣/٣١١.
(٥) أخرجه أحمد فى مسنده ٥/٢٤٣، والترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة ص٥/٣٤٣ رقم ٣٢٣٥ وقال: حسن صحيح، سألت البخارى عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها رقمى ٣٢٣٣، ٣٢٣٤، وفى المسند ١/٣٦٨، وعن جابر بن سمرة أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة ١/٣٠٢ رقم ٤٦٥، وعن بعض أصحاب النبى ﷺ فى المسند ٤/٦٦، ٥/٣٧٨، وقال فى الجامع الأزهر ١/١٣ رجاله ثقات.
[ ٣٨٤ ]
الحالة الأولى: أن يتمثل له الملك فى صورة رجل، والأصل فى ذلك نزول الملائكة على سيدنا إبراهيم ﵇ ضيفًا مكرمين، وقدم لهم عجلًا حنيذًا، ولم يعرف أنهم ملائكة إلا حين أفصحوا له عن حقيقة أمرهم، قال تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم﴾ (١) وأتى الملائكة لوطًا ﵇ فى صورة شباب بهى جميل المنظر قال سبحانه: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطًا سئ بهم وضاق بهم ذرعًا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ (٢) .
وبعث الله إلى مريم البتول جبريل ﵇ فى صورة بشر سوى يبشرها باصطفائها واصطفاء وليدها، قال ﷿: ﴿فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا﴾ (٣) .
وانطلاقًا من هذه الحقيقة كان جبريل ﵇ يتنزل على سيدنا محمد ﷺ، ويتمثل لى فى صورة رجل، بحيث يراه النبى ﷺ وحده ويكلمه بما أراد فيعى عنه ما يقول، ويدل على ذلك قوله ﷺ، لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: "وأحيانًا يتمثل لى الملك رجلًا فيكلمنى فأعى ما يقول" (٤) .
_________________
(١) الآيات ٢٤ – ٢٨ الذاريات.
(٢) الآيتان ٧٧، ٧٨ هود.
(٣) الآية ١٧ مريم.
(٤) سبق تخريجه ص٢٨.
[ ٣٨٥ ]
.. وقد يظهر الملك المتشكل فى صورة رجل للعيان، فيراه الناس ويسمعون كلامه للنبى ﷺ، كما فى حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، ففى نهايته قال ﷺ: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١) . وعن ابن عمر قال: "وكان جبريل ﵇ يأتى النبى ﷺ فى صورة دحية" (٢) .
الحالة الثانية: أن يأتى جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها، وهذه الصورة نادرة وقليلة، ولا يراها إلا النبى ﷺ وحده، لأن غيره لا يطيق ذلك بل ربما النبى ﷺ كان لا يطيق ذلك، ولاسيما فى أول مرة وقد رأى النبى ﷺ جبريل على صورته الملائكية التى خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد الأفق. مرتين:
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان الخ ١/١٧٧ – ١٧٩ رقم١، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام الخ ١/١٤٠ رقم ٥٠، وفى كتاب التفسير، باب إن الله عنده علم الساعة ٨/٣٧٣ رقم ٤٧٧٧.
(٢) هو: دحية بن خليفة الكلبى، أسلم قديمًا، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها خلا بدر، وكان من أجمل الناس، توفى فى خلافة معاوية، له ترجمة فى: الاستيعاب ٢/٤٦١ رقم ٧٠١، وأسد الغابة ٢/١٩٧ رقم ١٥٠٧، ومشاهير علماء الأمصار ص٧٢ رقم ٣٨٠، والإصابة ١/٤٧٣ رقم ٢٣٩٥، والحديث أخرجه أحمد فى مسنده ٢/١٠٧ وذكر الحافظ فى الإصابة ٢/٣٨٥ أن النسائى أخرجه أيضًا بإسناد صحيح، وأخرجه ابن سعد فى ترجمة دحية ٤/٢٥٠، وإسناده، وإسناد أحمد صحيح كما قال فضيلة الدكتور عبد المهدى فى المدخل إلى السنة ص٦٨.
[ ٣٨٦ ]
المرة الأولى: كانت فى الأرض، يشير إلى ذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: أى وهو يحدث عن فترة الوحي، بينما أنا أمشى إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت دثرونى، وصبوا على ماء بارد، وأنزل الله على ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ الآيات (١) . وأشار إلى هذه الصورة أيضًا قوله تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾ (٢) .
المرة الثانية: كانت فى السماء عند سدرة المنتهى ليلة المعراج. وإليها أشار قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ (٣) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص٢٠١ واللفظ للبخارى.
(٢) الآية ٢٣ التكوير.
(٣) الآيتان ١٣، ١٤ النجم.
[ ٣٨٧ ]
.. وعن ابن مسعود ﵁ فى تفسير قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ قال: أى ابن مسعود، إنه أى رسول الله ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح" (١) وفى رواية أخرى عن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال فى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال ﷺ: رأيت جبريل ﵇ عند السدرة له ستمائة جناح يتناثر منها تهاويل الدر" (٢)، وكون النبى ﷺ رأى جبريل على صورته الملائكية مرتين، ذلك ما أشار إليه ما ثبت فى الصحيحين عن عائشة مرفوعًا: "لم أره على صورته التى خلق عليها إلا مرتين" (٣) وفى رواية "مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد (٤) له ستمائة جناح قد سد الأفق" (٥) وهى رواية مبينة لما روى مختصرًا فى الصحيحين.
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب فكان قاب قوسين أو أدنى ٨/٤٧٦ رقم ٤٨٥٦، وفى البابين بعده رقمى ٤٨٥٧، ٤٨٥٨، وأخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى ٢/٦ رقم ٢٨٢.
(٢) أخرجه النسائى فى سننه الكبرى كتاب التفسير، باب سورة النجم، تفسير قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى ٦/٤٧٣ رقم ١١٥٤٢.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب معنى قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ وهل رأى النبى ربه ليلة الإسراء ٢/٧ رقم ٢٨٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب سورة النجم ٨/٤٧٢ رقم ٤٨٥٥.
(٤) موضع بأسفل مكة، معروف من شعابها. ينظر: النهاية ١/٣١٢، وشرح الزرقانى على المواهب ١/٤٢٩.
(٥) أخرجه الترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة النجم ٥/٣٦٧ رقم ٣٢٧٨، وفى باب سورة الأنعام رقم ٣٠٦٨ وقال: حديث حسن صحيح.
[ ٣٨٨ ]
والحالة الثالثة: من حالات إرسال الملك: أن يأتى جبريل على صورته الملائكية لكنه فى هذه الحال لا يرى، أى أنه يأتى خفية فيتلبس بالنبى ﷺ ويتغشاه. لكن يصحب مجيئه شدة يراها صحابة رسول الله ﷺ وذلك فى نحو مجئ الملك بصوت صلصلة الجرس، فيوحى إليه بما شاء الله وحيه، وقد دل على ذلك قوله ﷺ لما سئل كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانًا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال" وفى رواية سئل ﷺ هل تحس بالوحي؟ فقال: "أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض".
وعن عائشة ﵂ قالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا" (١) .
وبالجملة: الوجى بجميع هذه الكيفيات يصحبه علم يقينى ضرورى من رسول الله ﷺ، بأن ما ألقى إليه حق من عند الله تعالى، وليس من خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، وهذا العلم اليقينى لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما.
وحى الله إلى أنبياءه قرآن وسنة:
_________________
(١) سبق تخريج الأحاديث السابقة ص٢٧، ٢٨.
[ ٣٨٩ ]
.. الوحي المنزل على النبى الموحى إليه بناء على التعريف الثالث للوحى، بأنه كلام الله المنزل على النبى الموحى إليه. نوعان: كتاب، وسنة. قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (١) ويقول رب العزة فى حق آل إبراهيم ﵈ ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ (٢) ويقول ﷿ فى حق عيسى ﵇: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلًا وإذا علمتك الكتاب والحكمة﴾ (٣) وقال تعالى فى حق سيدنا محمد ﷺ: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم﴾ (٥) .
وهذا يدل على أن الوحي إلى رسول الله ﷺ قسمان:
القسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته، وكيفية الوحي فى هذا القسم تكون يقظة بواسطة جبريل ﵇.
_________________
(١) الآية ٨١ آل عمران.
(٢) الآية ٥٤ النساء.
(٣) الآية ١١٠ المائدة.
(٤) الآية ١٦٤ آل عمران.
(٥) الآية ٢٣١ البقرة.
[ ٣٩٠ ]
القسم الثانى: الحكمة (١) والمراد بها هنا السنة المطهرة قال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٢) فالتلاوة هنا المرة بعد المرة، والمتلو هنا شيئان، أولهما: آيات الله فى كتابه، وثانيهما: الحكمة وهى: صنف آخر من الوحي المتلو، ولا يكون ذلك إلا السنة النبوية المطهرة (٣) وكيفية الوحي فى هذا القسم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: توقيفى، أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسول الله ﷺ وعبر عنه الرسول ﷺ بألفاظ من عنده، وهذا القسم هو الأعم الأغلب من السنة النبوية، ويدخل فى هذا القسم الحديث القدسى (٤) .
_________________
(١) الحكمة فى اللغة تطلق على عدة معان منها: العلم، والفقه، والعدل، والحلم، والنبوة، ينظر: لسان العرب ١٢/١٤٠، ١٤١، والقاموس المحيط ٤/١٠٠، والمعجم الوسيط ١/١٩٠، وبصائر ذوى التمييز للفيروز آبادى ٢/٤٩٠.
(٢) الآية ٣٤ الأحزاب.
(٣) ينظر: الرسالة للإمام الشافعى ص٧٨، ٧٩ فقرات رقم ٢٥٢ – ٢٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٥٨ رقم ٢٥٦، ومختصر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ٢/٥١١، والمدخل إلى السنن للبيهقى حيث نقل بأسانيده عن الحسن، وقتادة، ويحيى بن أبى كثير أنهم قالوا: الحكمة هى السنة النبوية، وسيأتى مزيد من تفصيل ذلك عند الجواب عن شبهة أن رسول الله ﷺ ليست له سنة ص٣٣٩.
(٤) يراجع: ما سبق فى العصمة سبيل حجية القرآن والسنة ص١٣، ١٤.
[ ٣٩١ ]
أما القسم الثانى: توفيقى، وهو ما قاله الرسول ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح. أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك (١) كما فى حديث أبى قتاة ﵁ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله؛ تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم، إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لى ذلك" (٢) .
فتأمل استدراك الوحي من خلال جبريل، لم اجتهد فيه رسول الله ﷺ بزيادة الدين فى جوابه ﷺ.
وهذا القسم الاجتهادى التوفيقى هو الأقل فى السنة الشريفة، ويدخل فى هذا القسم ما صدر من رسول الله ﷺ على سبيل العادة والطبيعة وأقره الله تعالى عليها، كشؤونه فى طعامه وشرابه ولباسه، وجلوسه ونومه، وما ماثل ذلك، فإن ذلك كله بعد تقرير الله ﷿ له، يكون بمنزلة الوحي حجة على العباد ما لم يقم دليل على خصوصيته بالنبى ﷺ (٣) .
_________________
(١) وهو ما يسميه الأحناف بالوحي الباطنى. ينظر: أصول السرخسى ٢/٩٠.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأمارة، باب من قتل فى سبيل الله كفرت عنه خطاياه إلا الدين ٧/٣٥ رقم ١٨٨٥.
(٣) وسيأتى مزيد من تفصيل ذلك فى الجواب عن شبهة أن اجتهاده ﷺ فى الشريعة يؤيد أن السنة النبوية ليست كلها وحى ص٤٢١.
[ ٣٩٢ ]
.. "وذلك يدل على أن كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من خبر فهو كما أخبر، وهو حق وصدق مطابق لما عند الله إجماعًا، فيجب التمسك به، لأنه من وحى الله تعالى إليه، وسواء علينا انبنى على هذا الوحي فى التكليف حكم أم لا، لا يفرق فى ذلك بين ما أخبر به الملك عن الله تعالى، وبين ما نفث فى روعة وألقى فى نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة، أو اجتهد فى أمر أو نهى أو حكم وأقر عليه، فذلك معتبر يحتج به، ويبنى عليه فى الاعتقادات والأعمال جميعًا، لأنه ﷺ، مؤيد بالعصمة فيما نقل إلينا من وحى الله تعالى" (١) .
وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على عصمته ﷺ فى نقل هذا الوحي وتبليغه إلى الناس، وهذا هو مضمون المبحث الثانى فإلى بيان ذلك.
_________________
(١) الموافقات للإمام الشاطبى ٤/٤٥٦ بتصرف، المسألة العاشرة (ما كشف عن المغيبات للرسول فهو حق) .
[ ٣٩٣ ]