إن من أهم الأمور، بل من أعظمها خطرًا أمر الوحي والنبوة، الذى أطلق المستشرقون لعقولهم الأعنة بالخوض والطعن فيه مستهدفين بذلك الإسلام كله، لأنهم يعلمون أن القدح فى نبوته ﷺ، والنيل منها يؤدى إلى انهيار صرح الإسلام، إذ الوحي هو الأساس الذى ينبنى عليه الدين، فإذا فقد، فقد الدين.
ومن هنا كثفوا حملاتهم، وزادوا هجماتهم، يحملهم الحقد، وتدفعهم البغضاء، والعداء السافر، يصدرون عن أحكام مغرضة، وأقوال جائرة، مجافين طرق البحث العلمى النزيه: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١) .
_________________
(١) الآية ٣٢ التوبة.
[ ٤٢٢ ]
.. لقد كان عدم التصدى بنبوته ﷺ هو القاعدة التى انطلقوا منها فى بث كل شكوكهم ومطاعنهم فى بقية جوانب الإسلام. ولقد ركز المستشرقون جل جهودهم فى التشكيك فى الوحي إلى النبى ﷺ، فى الوقت الذى يوقنون فيه بصدق وقوعه لغيره من الأنبياء السابقين، وهم بذلك لا يدرون أنهم يخربون بيوتهم، قبل أن يخربوا بيوت غيرهم، إذ الوحي إلى النبى محمد ﷺ، لا يختلف فى شئ عن الوحي إلى غيره من الأنبياء السابقين من حيث الوقوع!.
والمستشرقون فى بذلهم قصارى جهدهم لنفى الوحي عن رسول الله ﷺ، يحاولون نفى العصمة وسلبها عن رسول الله ﷺ، ويزعمون بأن ما جاء به نتاج بشرى، وليس من عند الله تعالى، ولذا حاولوا أن يفسروا الوحي وكيفياته، تفسيرًا يؤدى بهم إلى هذا الزعم الجائر، والضلال المبين؛ ولكن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل، من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران، علمًا بأن ما أثاروه من شبه لا يعدو فى حقيقته، كونه فتات موائد الجاهلية الأولى، فهم لم يستحدثوا هذه الشبه، وليس لهم فيها من عمل إلا إثارتها مجددًا، وصدق رب العزة: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ (١) وقال ﷿: ﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ (٢) . ورغم أن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحي الإلهى، مردود عليها فى القديم والحديث، من علماء أجلاء - جزاهم الله خيرًا إلا أنى لم أر بأسًا بذكر عمدة هذه الشبهات، التى طعنوا بها فى عصمة رسول الله ﷺ فيما أنزل عليه من الوحي، وإظاهر الردود عليها.
فإلى بيان ذلك فى المطالب التالية.
_________________
(١) جزء من الآية ١١٨ البقرة.
(٢) الآية ٥٢ الذاريات.
[ ٤٢٣ ]