اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة، فوجه إليها آيات كثيرة، تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به ﷺ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته ﷺ، طاعة مطلقة، فيما يأمر به وينهى عنه، وبين آيات أخرى، تنهى عن مخالفته ﷺ، وتحذر من ذلك.
واستعراض تلك الآيات أمر يطول، ولذا سوف أكتفى ببعض هذه الآيات فقط، مع بيان دلالتها على وجوب طاعته ﷺ.
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل﴾ (١) .
وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) .
_________________
(١) الآية ١٣٦ النساء.
(٢) الآية ١٥٨ الأعراف.
[ ٥٤١ ]
قال الإمام الشافعى: "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به تعالى ولم يؤمن برسوله ﷺ: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن برسوله معه (١)، وبمقتضى هذا الإيمان وجبت طاعته ﷺ، فى كل ما يبلغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا.
وتأمل كيف جاء الأمر باتباعه ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ عقب الأمر بالإيمان به ﷺ، تأكيدًا على وجوب اتباعه. وإلا فإن الاتباع داخل فى الإيمان، ولكن أفرد بالذكر هنا: تنبيهًا على أهميته وعظم منزلته؛ وإذا كانت المتابعة بالإتيان بمثل فعل الغير، ثبت أن الانقياد لرسول الله ﷺ فى جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل، طاعة له وانقياد لحكم الله تعالى (٢) .
ومن أهم الآيات دلالة على وجوب طاعته ﷺ، قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (٣) يقول ابن قيم الجوزية: "أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن العباد، حتى يحكموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضًا بذلك حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا" (٤) ويقول أيضًا: "وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتًا فى حياته، وليس تحكيمه مختصًا بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد" (٥) .
_________________
(١) الرسالة ص٧٥ فقرة رقم ٢٣٩، ٢٤٠.
(٢) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ٨/٥٠٦.
(٣) الآية ٦٥ النساء.
(٤) أعلام الموقعين ١/٥١.
(٥) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٥٢٠.
[ ٥٤٢ ]
وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ (١) ودلالة الآية على وجوب طاعته ﷺ من عدة وجوه:
الوجه الأول: النداء بوصف الإيمان فى مستهل الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ومعنى ذلك: أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان، إلا إذا نفذوا ما بعد النداء، وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله ﷺ، وأولى الأمر.
الوجه الثانى: تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله تعالى، ومع رسوله ﷺ، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة كقوله: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا﴾ (٢) وقوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ (٣) .
يقول الإمام الشاطبى: "تكراره الفعل "وأطيعوا" يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من سنته" (٤) وقال العلامة الألوسى: "وأعاد الفعل: و"أطيعوا" وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله تعالى، واعتناء بشأنه ﷺ، وقطعًا لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس فى القرآن، وإيذانًا بأن له ﷺ، استقلالًا بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد فى قوله: ﴿وأولى الأمر منكم﴾ إيذانًا بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ﷺ (٥) بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق السمع والطاعة، وإلا فلا. لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق" (٦) .
_________________
(١) الآية ٥٩ النساء.
(٢) الآية ٩٢ المائدة.
(٣) الآية ٥٦ النور.
(٤) الموافقات ٣/٣٨.
(٥) روح المعانى ٥/٦
(٦) أعلام الموقعين ١/٤٨.
[ ٥٤٣ ]
.. ومما هو جدير بالذكر هنا: أن فرض الله تعالى، طاعة رسول الله ﷺ، ليست له وحده، بل هى حق الأنبياء جميعًا. قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (١) فرب العزة يقرر هنا قاعدة: أن كل رسول جاء من عنده تعالى يجب أن يطاع.
وقال سبحانه على لسان كثير من رسله أنهم طلبوا من أممهم أن يطيعوهم: فقال سبحانه على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وعيسى، أن كل واحد منهم قال لقومه: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ (٢) إنهم رسل الله إلى خلقه، كلفهم بالتبليغ وعصمهم فيه، فوجب على الخلق أن يطيعوهم؛ ولماذا لا يطاع هذا الرسول، الذى جاء بالمنهج الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ إن عدم الطاعة حينئذ؛ هو نوع من العناد والجحود والتكبر.
كما أن فى عدم الطاعة اتهامًا للرسالة بالقصور، واتهامًا للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغه عن ربه من كتاب وسنة.
_________________
(١) الآية ٦٤ النساء.
(٢) على لسان نوح فى سورة الشعراء الآيات: ١٠٨ – ١١٠، وعلى لسان هود فى نفس السورة الآيات: ١٢٦ – ١٣١، وعلى لسان صالح فى نفس السورة الآية: ١٤٤، وعلى لسان لوط فى نفس السورة الآية: ١٦٣، وعلى لسان شعيب فى نفس السورة الآية: ١٧٩، وعلى لسان عيسى فى سورة آل عمران الآية ٥٠، وفى سورة الزخرف الآية: ٦٣.
[ ٥٤٤ ]
الوجه الثالث: فى آية النساء، دلالة على وجوب طاعته ﷺ، قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ فالرد إلى الله تعالى، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ، هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته (١) وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال ابن قيم الجوزية (٢) وتعليق الرد إلى الله ورسوله على الإيمان ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ يعنى: أن الذين يردون التنازع فى مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها؛ إلى كتاب الله ﷿، وإلى سنة رسوله ﷺ، هم فقط المؤمنون حقًا؛ كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم.
ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله، ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله، وسنة رسوله فى كل شئون حياتهم، ولكنهم لا يفعلون ذلك، وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، مع أنهم قد أمورا أن يكفروا به.
قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ (٣) ففى نهاية الأمر، حكم الله تعالى على من يعرض عن حكمه، وحكم رسوله، ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون (٤) .
_________________
(١) قاله: ميمون بن مهران فيما رواه عنه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/١٨٧، وينظر: الرسالة للشافعى ص٨٠، ٨١ فقرات رقم ٢٦٤ – ٢٦٦.
(٢) أعلام الموقعين١/٤٩،وينظر: تفسير عبد الرزاق ١/١٦٢ رقم ٦١٣، وتفسير ابن جرير ٥/١٥١.
(٣) الآية ٦١ النساء. وقارن بالآيات ٤٧ – ٥٢ من سورة النور.
(٤) ينظر: تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص٤٥، ٤٦.
[ ٥٤٥ ]
قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ (١) فقد عبر بالمضارع "يطع" وهو الذى يقتضى الحال والمستقبل، وعبر بالماضى "أطاع" الذى يدل على الوقوع والتحقق. فمن أطاع رسوله ﷺ حالًا، فقد وقعت طاعته قبل ذلك طاعة لله تعالى، لأن الله تعالى هو الذى أرسله، وأمر بطاعته، لذا فمن أطاعه ﷺ، كان فى الحقيقة مطيعًا لمرسله قبل أن يطيعه ﷺ، ومن عصاه ﷺ، كان فى الحقيقة عاصيًا لمرسله قبل أن يعصيه ﷺ، لأنه ﷿ مرسله، وأوجب طاعته، وحرم معصيته (٢) .
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله تعالى، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله ﷿ (٣) .
_________________
(١) الآية ٨٠ النساء.
(٢) محبة النبى ﷺ وطاعته للدكتور خليل ملا خاطر ص٣٠٩.
(٣) شرح الزرقانى على المواهب ٨/٥٠٥.
[ ٥٤٦ ]
وأختم المطاف من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله ﷿: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وهناك آيات كثيرة لم أتعرض لذكرها خشية الإطالة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول ﷺ، وتنهى عن مخالفته تجدها كثيرة، وأشير إلى بعضها فيما يلى:
قال سبحانه: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (٢) فهذا التحذير الشديد من رب العزة: "واحذروا" "فإن توليتم" يدل على خطورة الإعراض والمخالفة، وأن النبى ﷺ، لن يتضرر هو نفسه بإعراض من أعرض، لأنه ﷺ ما عليه إلا البلاغ المبين، وقد أبلغ، وقد بين، وأشهدعلى ذلك، وإنما الذى يتضرر هو المعرض المخالف العاصى وإذا عرف العاقل المدرك، أن الذى يتوعد ويحذر هو ربه ﷿، فكيف يكون تمسكه بطاعة رسوله ﷺ؟!.
_________________
(١) الآية ٧ الحشر. وقد استدل بهذه الآية على أن ما جاء به النبى ﷺ حجة تجب طاعته فيه، ابن مسعود. ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب وما آتاكم الرسول فخذوه ٨/٤٩٨ رقم ٤٨٨٦، كما استدل بها أيضًا عمران بن حصين، ينظر: دلائل النبوة للبيهقى ١/٢٥، ٢٦، ومفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص٢١، واستشهد بالآية أيضًا الإمام الشافعى على حجية قول الرسول وطاعته. ينظر: مناقب الإمام الشافعى لفخر الدين الرازى ص٣٠٤، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٤٤٥ رقم ٤٦٨.
(٢) الآية ٩٢ المائدة.
[ ٥٤٧ ]
وقال سبحانه: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (١) وفى تفسير هذه الآية يسوق ابن العربى بإسناده عن سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس – وأتاه رجل – فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذى الحليفة (٢) من حيث أحرم رسول الله ﷺ، فقال: إنى أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإنى أخشى عليك الفتنة. قال: وأى فتنة فى هذا؟ إنما هى أميال أزيدها. قال: وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ! إنى سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٣) .
هذا وفى الآية دلالتها الصريحة على وجود طاعة استقلالية لرسول الله ﷺ فيما سنه، مما لم يرد فى القرآن الكريم؛ لأنه لو كان الأمر قاصرًا على ما جاء به من القرآن فقط، كما يزعم أعداء عصمته ﷺ، لما كان للتحذير من مخالفته فى أمره أى جديد!.
وقال تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين﴾ (٤) .
وقال سبحانه: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ (٥) .
وقال ﷿: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئًا وسيحبط أعمالهم﴾ (٦) .
_________________
(١) الآية ٦٣ النور.
(٢) المكان الذى يحرم منه أهل المدينة بالحج، وبه بئر يسمى بئر على، وأصبح الآن يعرف باسم "آبار على" وبه مسجد كبير.
(٣) أحكام القرآن لابن العربى ٣/١٤٠٠، ١٤٠١.
(٤) الآية ١٤ النساء.
(٥) الآيتان ٤٠، ٤١ النساء.
(٦) الآية ٣٢ محمد.
[ ٥٤٨ ]
وقال تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين﴾ (١) .
وقال سبحانه: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك فى الأذلين﴾ (٢) .
إن الآيات السابقة تصرح بأن مخالفة كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، وعدم طاعته، والطعن والتشكيك فى تلك الطاعة، يدخل النار، ويورث الذل، والخزى، والفتنة، والكبت، ويحبط العمل. فليختر المرء لنفسه ما يشاء.
وبعد: فهذه نماذج من الآيات القرآنية التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، وتحذر من مخالفته وهناك آيات أخرى كثيرة تنوعت فى أسلوبها فى الحض على اتباعه وطاعته ﷺ، لم أتعرض لها خشية الإطالة (٣) فما ذكر فيه الكفاية لكل عاقل أهـ.