إذا كانت العصمة فى التبليغ للنبى ﷺ لها دلالتها على حجية كل ما يبلغ من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلوًا من السنة المطهرة، فالعصمة لرسول الله ﷺ فى أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وأوامره ونواهيه، مما هو ليس من باب البلاغ، مما كان فى أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة، لها أيضًا دلالتها على الاقتداء به ﷺ ٠
ومن هنا جرت عادة علماء الأصول قبل كلامهم عن أفعاله ﷺ أن يقدموا عليها الكلام على العصمة؛ لأجل أنه ينبنى عليها وجوب التأسى بأفعاله ﷺ (١) .
وعصمة رسول الله ﷺ من الكبائر والصغائر فى أقواله وأفعاله مما ليس سبيله البلاغ دل عليها القرآن الكريم، والسيرة العطرة، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة.
أ- ففى القرآن الكريم تجد شهادة رب العزة لأنبيائه ورسله - عليهم الصلاة والسلام بعصمتهم من الصغائر فى سلوكهم.
١- قال تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (٢) فما كان ﷿ أن يحث نبيه
ﷺ على الاقتداء والأسوة بأنبيائه ورسله إلا وهم معصومون من الصغائر.
_________________
(١) ينظر: الإحكام للآمدى ١/١٥٦، والبرهان للجوينى ١/١٨١، والمستصفى للغزالى ٢/٢١٢، والمحصول فى علم اٍلأصول للرازى ١/٥٠١، والمعتمد فى أصول الفقه ١/٣٤٢، والبحر المحيط ٤/١٦٩، وإرشاد الفحول ١/١٥٩، وأفعال النبى ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية للدكتور عمر سليمان الأشقر ١/١٣٩ - ١٤٠.
(٢) الآية ٩٠ الأنعام.
[ ٣٤ ]
٢- وقال سبحانه: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١) ففى تلك الآية الكريمة جعل المولى ﷿ التأسى بنبيه ﷺ من لوازم رجائه تعالى واليوم الآخر، وما كان سبحانه يجعل الاقتداء بنبيه ﷺ من لوازم رجاءه تعالى واليوم الآخر، إلا وهو ﷺ معصوم فى سلوكه من الصغائر.
٣- وقال ﷿: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ (٢) .
٤- وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٣) فقوله: "فاتبعونى"، "واتبعوه" أى اسلكوا مسلكه، واحذوا حذره ﷺ فى جميع أموره من قول وفعل.
ووجه الاستدلال فى الآيتين أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله ﷺ لازمة من محبته ﷿ الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح فى الدنيا والآخرة. وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله ﷺ على عصمته من الصغائر فى كل أقواله وأفعاله.
_________________
(١) الآية ٢١ الأحزاب.
(٢) الآية ٣١ آل عمران.
(٣) الآية ١٥٨ الأعراف.
[ ٣٥ ]
ب- أما السيرة العطرة: فتشهد أيضًا بعصمته ﷺ من الصغائر فى أحواله كلها حيث لم يعلم عنه ﷺ الوقوع فى صغيرة ولا الدنو من شئ منها، مع أن سبل النقل عنه ﷺ أحصت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله، فما ترك الصحابة ﵃ فعلًا من أفعاله، ولا قولًا من أقوله، دق أو جلَّ إلا نقلوه إلينا عنه، حتى أنهم وصفوا يقظته، ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله وجميع شمائله، إلى غير ذلك مما هو مدون فى كتب الحديث والمشائل والمغازى والسير، لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغًا عنه، وقد أمرهم ﷺ بالتبليغ عنه بقوله ﷺ فى حجة الوداع: "ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه" (١) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض ٦/١٨٢ رقم ١٦٧٩، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التوحيد، باب قال الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ ١٣/٤٣٣ رقم ٧٤٤٧ من حديث أبى بكرة ﵁.
[ ٣٦ ]
.. وقولهم ﷺ: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا؛ فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١) فلو رأى الصحابة – ﵃ – أو سمعوا منه شيئًا مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر – وحاشاه من ذلك – لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
ولكنهم ﵃ لم ينقلوا عنه شيئًا من ذلك – فيما علمنا – ولو رأوا منه شيئًا من ذلك أو علموه عنه لنقلوه إلينا، وعُلم عنهم لتوافر دواعى النقل عنه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب العلم، باب فضل نشر العلم ٣/٣٢٢ رقم ٣٦٦٠، والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما جاء فى الحث على تبليغ السماع ٥/٣٣ رقم ٢٦٥٦ وقال حديث حسن، وابن ماجه فى سننه المقدمة، باب من بلغ علمًا ١/٨٤ رقم ٢٣٠ من حديث زيد بن ثابت ﵁، وللحديث شاهد من حديث ابن مسعود ﵁ أخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) كتاب العلم، باب دعاء المصطفى ﷺ لمن أدى من أمته حديثًا سمعه ١/٢٦٨ رقم ٦٦.
[ ٣٧ ]
.. فالقول بعصمة رسول الله ﷺ من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها، وجهرها، عمدها وسهوها هو ما أَدين لله تعالى به؛ فقد كانت أقواله وأفعاله ﷺ وأحواله كلها تشريعًا تقتضى المتابعة والاقتداء، إلا ما ورد الدليل فيها على أنه من خصائصه ﷺ (١) أو ما ورد الدليل فيه أنه ليس من جنس ما يشرع لهم التأسى به فيه إلا عند وجود السبب (٢) .
_________________
(١) نحو نكاحه أكثر من أربع، وكالوصال فى الصوم، وأن ماله بعده صدقة لا ميراث، ونحو ذلك من خصائصه ﷺ الكثيرة. إن شئت فانظرها فى الخصائص الكبرى للسيوطى والمواهب اللدنية وشرحها للزرقانى ٧/١٤٠ – ١٨٥.
(٢) نحو ما روى عن أبى هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام فى مصلاة ذكر أنه جنب، فقال لنا: "مكناكم" ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه". فالصحابة ﵃ فى هذا الموقف لم ينصرف واحد منهم يفعل فعل النبى ﷺ، لعملهم أن هذا ليس من جنس ما يشرع لهم التأسى به فيه، إلا عند وجوب السبب أهـ ينظر: المحقق من علم الأصول لأبى شامة ص٩٩، ١٠٠، والحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الغسل، باب إذا ذكر فى المسجد أنه جنب خرج ١/٤٥٦ رقم ٢٧٥،ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة ٣/١١٠ رقم ١١٠٦.
[ ٣٨ ]
.. ولا يكون لأقواله وأفعاله ﷺ ذلك الوصف التشريعى إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله ﷺ من الصغائر خلافًا لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (١) تمسكًا منهم بظواهر من القرآن الكريم، وبعض الأحاديث الصحاح التى ذكر فيها ما يشعر بوقوع الخطيئة من بعضهم، وسيأتى الجواب عن ذلك تفصيلًا (٢) ويكفى فى الرد عليهم هنا إجمالًا ما سبق من شهادة القرآن الكريم والسيرة العطرة على عصمته ﷺ من الصغائر، فضلًا عن إجماع الأمة.
ج- إجماع الأمة على عصمته ﷺ من الصغائر:
_________________
(١) ينظر: جامع أحكام القرآن للقرطبى١/٣٠٨، والمنهاج شرح مسلم للنووى ٣/٧٢، ٧٣ رقم ٥٧٤.
(٢) ص ١١١ – ١٨١، ١٨٢ – ٢٤٣.
[ ٣٩ ]
.. حكى القاضى عياض (١) اتفاق السلف وإجماعهم على أنه لا يصدر عنه ﷺ خبر بخلاف إخباره عنه فقال: "أما ما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التى لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحى، بل فى أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة؛ فالذى يجب تنزيه النبى ﷺ عن أن يقع خبره فى شئ من ذلك بخلاف مخبره لا عمدًا، ولا سهوًا، ولا غلطًا، وأنه معصوم من ذلك فى حال رضاه، وفى حال سخطه، وجده مزحه، وصحته ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أنى نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا إستثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا" (٢) .
_________________
(١) هو: أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبى، البستى المالكى، إمام حافظ، متمكن فى علم الحديث والأصول، والفقه، والعربية، له مصنفات عدة منها: طبقات المالكية، وشرح مسلم، ومن أجلها الشفا فى حقوق المصطفى ﷺ، مات سنة ٥٤٤هـ، له ترجمة فى: تهذيب الأسماء واللغات للنووى ٢/٤٣، وتذكرة الحفاظ للذهبى ٤/١٣٠٤ رقم ١٠٨٣، وطبقات المفسرين للداودى ٢/٢١ رقم ٣٩٨ والديباج المذهب لابن فرحون المالكى ص٢٧٠ رقم ٣٥١.
(٢) الشفا ٢/١٣٥.
[ ٤٠ ]
.. واستدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب ﵁ (١) مع ابن أبى الحقيق اليهودى حين إجلاهم من خيبر، حيث احتج عليه عمر ﵁ بقوله ﷺ: "كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك (٢) ليلة بعد ليلة؟ ! " فقال اليهودى: كانت هزيلة (٣) من أبى القاسم ﷺ فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك" (٤) .
قال القاضى: "وأيضًا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرد فى شئ منها استدراكه ﷺ لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به.
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٤/١٣٧ رقم ٣٨٣٠ والاستيعاب ٣/١١٤٤ رقم ١٨٧٨، وتاريخ الصحابة ص٢٣ رقم ٢، ومشاهير علماء الأمصار ص١٠ رقم٣، والإصابة ٢/٤٥٦ رقم ٥١٩٥.
(٢) القلوص: بفتح القاف، والصاد المهملة: هى الناقة الصابرة على السير، وقيل الشابة، وقيل أول ما يركب من إناث الإبل، وقيل الطويلة القوائم. ينظر القاموس المحيط ٢/٢١٣، ومختار الصحاح ص٥٤٨؛ والحديث أشار به رسول الله ﷺ إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالمغيبات قبل وقوعها.
(٣) تصغير هزلة، وهى المرة الواحدة من الهزل ضد الجد. القاموس المحيط ٤/٦٨، ومختار الصحاح ص٦٩٥.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب إذا اشترط فى المزارعة إذا شئت أخرجتك ٥/٣٨٥ رقم ٢٧٣٠.
[ ٤١ ]
.. قال: ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﷺ عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (١) وكان ذلك رأيًا لا خبرًا" يعنى فلا يدخله الصدق والكذب إلى أن قال: "فانقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف فى قول أو فعل فى وجه من الوجوه لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا تسامح فى تجويز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ" (٢) .
قلت وما قاله القاضى عياض هو الذى أَدين لله تعالى به فى أحوال رسول الله ﷺ كلها؛ فقد كانت جميع أقواله وأفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة تشريعًا تقتضى المتابعة والاقتداء، وعلى ذلك سلفنا الصالح من الإيمان بعصمته فى أحواله كلها، ولهذا كانوا يسارعون إلى التأسى به. والأمثلة على ذلك كثيرة ومعلومة منها ما يلى:
١- حرصهم على مضاهاته ﷺ فى العبادة، كما فى قصة وصاله ﷺ ورغبة بعض الصحابة
الوصال نحوه، على ما بين وصاله ﷺ، ووصالهم من الفرق؛ حيث إنه ﷺ إذا واصل يطعمه ربه ويسقيه بخلافهم، ومع ذلك فحرصوا على التأسى به فيه.
_________________
(١) يشير إلى ما أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله النبى ﷺ شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأى ٨/١٢٨ رقم ٢٣٦٣ من حديث أنس وعائشة ﵄ أن النبى ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا – يعنى تمرًا رديئًا – فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ فقالوا: قلت: كذا وكذا، فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" وسيأتى مزيد من بيان المراد بهذا الحديث فى شبهة أن اجتهاده ﷺ يؤيد أن السنة النبوية ليست كلها وحى ص٤١٢.
(٢) الشفا ٢/١٣٦ بتصرف يسير، وينظر: المنهاج شرح مسلم ٣/٧٣ رقم ٥٧٤.
[ ٤٢ ]
فعن أم المؤمنين عائشة ﵄ (١) قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: إنى لست كهيئتكم، إنى يطعمنى ربى ويسقينى" (٢) .
٢- ومنها قصة اتخاذه ﷺ خاتمًا من ذهب حيث اتخذ الناس خواتيم كذلك، فطرحه النبى ﷺ، فطرح الناس خواتيمهم.
فعن عبد الله بن عمر ﵄ (٣) قال: "اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبى ﷺ: "إنى اتخذت خاتمًا من ذهب، فنبذه، وقال: "إنى لن ألبسه أبدًا" فنبذ الناس خواتيمهم" (٤) .
_________________
(١) لها ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٢٧ رقم ١٢، وتاريخ الصحابة ص٢٠١ رقم ١٠٧٢، وأسد الغابة ٧/١٨٦ رقم ٧٠٩٣، والاستيعاب ٤/١٨٨١ رقم ٣٤٧٦، والإصابة ٨/١٦ رقم ١١٤٦١.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصوم، باب الوصال ٤/٢٣٨ رقم ١٩٦٤، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب النهى عن الوصال فى الصوم ٤/٢٢٩ رقم ١١٠٥.
(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٣/٣٣٦ رقم ٣٠٨٢، والاستيعاب ٣/٣٤٠ رقم ١٦٣٠، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٣ رقم ٥٥، والإصابة ٢/٣٤٧ رقم ٤٨٥٢.
(٤) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى عدة أماكن منها كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بأفعال النبى ﷺ ١٣/٢٨٨ رقم ٧٢٩٨، ومسلم (بشرح النووى) كتاب اللباس والزينة، باب تحريم الذهب على الرجال ٧/٣١٥ رقم ٢٠٩١.
[ ٤٣ ]
٣- وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ (١) قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: ﷺ إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيهما قذرًا، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى فى نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما" (٢) ويلاحظ هنا فى الحديث مسارعة صحابة رسول الله ﷺ إلى متابعته ﷺ فى خلع نعليه، وهو فعل من أفعال العادة، وفى ذلك أقوى دليل على فهمهم واعتقادهم بعصمة رسول الله ﷺ من الصغائر حتى فى أفعاله الجبلية.
_________________
(١) هو سعد بن مالك، صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٤ رقم ٢٢، ومشاهير علماء الأمصار ص١٧ رقم ٢٦، وأسد الغابة ٢/٤٥١ رقم ٢٠٣٦، والاستيعاب ٢/١٦٧١ رقم ٩٥٨.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الصلاة، باب الصلاة فى النعل ١/١٧٥ رقمى ٦٥٠، ٦٥١، والدارمى فى سننه كتاب الصلاة، باب الصلاة فى النعلين ١/٣٧٠ رقم ١٣٧٨، وفيه عمرو بن عيسى أبو نعامة – صدوق – كما قال الحافظ فى التقريب ١/٧٤٢ رقم ٥١٠٥ وبقية رجاله ثقات – فالإسناد حسن.
[ ٤٤ ]
٤- ولقد كان من كمال تأسى الصحابة ﵃ برسول الله ﷺ واعتقادهم بعصمته ﷺ من الصغائر فى كل أحواله، شدة حرصهم على تأسهم به ﷺ حتى فى أمور بيته، وذلك كاختلافهم فى جواز القبلة للصائم (١)، وفى طلوع الفجر على الجنب وهو صائم (٢) فسألوا أم المؤمنين عائشة ﵂ فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبى ﷺ فرجعوا إلى ذلك، وعلموا أنه لا حرج على فاعله لعصمته.
٥- وعن أبى بكر الصديق ﵁ (٣) قال: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ كان يعمل به إلا عملت به، فإنى أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ" (٤) .
_________________
(١) روى فى الصحيح أن عائشة ﵂ سُألت عن قبلة الصائم، فقالت: "كان النبى ﷺ يقبل، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم ٤/١٧٦ رقم ١٩٢٧، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة ٤/٢٣٠ رقم ١١٠٦.
(٢) روى أن مروان بن الحكم أرسل إلى عائشة، وأم سلمة ﵄، ليسألنهما عن ذلك، فأخبرتاه أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الصيام، باب الصائم يصبح جنبًا ٤/١٦٩، ١٧٠ رقمى ١٩٢٥، ١٩٢٦، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ٤/٢٣٦ رقم ١١٠٩.
(٣) صحابى جليل له ترجمة فى: الاستيعاب ٣/٩٦٣ رقم ١٦٣٣، وأسد الغابة ٣/٣١٠ رقم ٣٠٦٦، وتذكرة الحفاظ ٢/١ رقم ١، ومشاهير علماء الأمصار ص١٠ رقم ٢، والإصابة ٢/٣٤١ رقم ٤٨٣٥.
(٤) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس ٦/٢٢٧ رقم ٣٠٩٣.
[ ٤٥ ]
٦- ولما وقف عمر بن الخطاب ﵁ أمام الحجر الأسود يقبله خاطبه بقوله: "لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك" (١) .
٧- وجاء رجل يجادل ابن عمر فى شأن تقبيل الحجر من أجل الزحمة قائلًا له: أرأيت إن
زحمت، أرأيت إن غلبت؟ فقال له ابن عمر "اجعل "أرأيت" باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله" (٢) .
٨- ولقد بلغ من كمال امتثال ابن عمر ﵁ لهدى رسول الله ﷺ أنه كان يتأسى به حتى فى حركاته وسكناته العادية التى هى من أفعال الجبلية، حيث كان يتبع آثار رسول الله ﷺ فى كل مكان حتى أنه كان يأتى شجرة بين مكة والمدينة فَيُقِيل تحتها، ويخبر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣) .
٩- ولما حج فأفاض وانتهى إلى المضيق دون المأزمين، أناخ، وذكر أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذلك المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضى حاجته (٤) .
١٠- وكان مرة فى سفر فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لما فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا ففعلت (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحج، باب تقبيل الحجر ٣/٥٥٥ رقم ١٦١٠، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود ٥/٢٠ رقم ١٢٧٠.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) فى نفس أماكن الحديث السابق برقم ١٦١١.
(٣) أخرجه البزار فى مسنده بإسناد رجاله ثقات، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٥.
(٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/١٣١، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٤، ١٧٥.
(٥) أخرجه أحمد فى مسنده ٢/٣٢، والبزار فى مسنده (كشف الأستار) كتاب العلم، باب اتباع رسول الله ﷺ ١/٨١ رقم ١٢٨، ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/١٧٤.
[ ٤٦ ]
وكل ذلك له دلالته على عصمته ﷺ من الصغائر، ومن ثمَّ فالعصمة سبيل الاقتداء برسول الله ﷺ ٠
والله ﵎ أعلى وأعلم
[ ٤٧ ]