لا تقف أهمية السيرة النبوية فى فهم القرآن الكريم فقط، بل تتعدى تلك الأهمية إلى السنة المطهرة.
فدراسة السيرة تفيدنا فى معرفة حقيقة الأوامر والنواهى فى السنة النبوية، فقد يرد الأمر أو النهى فى السنة النبوية، ولا نعلم هل هذا الأمر على الوجوب، أو على الإرشاد، أو هو منسوخ! ولا نعلم النهى أيضًا هل على التحريم، أو التنزيه، أو هو منسوخ! فتأتى السيرة العطرة لتبين لنا الحكم الدقيق فى المسألة.
أ- مثال الأمر: ما ورد فى الوضوء مما مسته النار:
فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "توضأوا مما مست النار" (٢) وفى الباب عن أبى هريرة، وزيد بن ثابت (٣) وغيرهم.
_________________
(١) ينظر: المؤتمر العالمى الرابع للسيرة والسنة ٢/٥٤٩ - ٥٦٩، بحث الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم "أهمية السيرة فى تفسير القرآن".
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الوضوء، باب الوضوء مما مست النار ٢/٢٧٨ رقم ٣٥٣.
(٣) أخرجهما مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقمى ٣٥١، ٣٥٢.
[ ٦٥ ]
.. فالظاهر هنا من قوله ﷺ: "توضأوا" أن الوضوء مما مسته النار واجب، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين (١)، ولكن ما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ يبين حقيقة هذا الأمر، وأنه منسوخ على وجه، ومحمول على الاستحباب لا على الوجوب على وجه آخر؛ يدل على ذلك ما يلى:
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى، ولم يتوضأ" (٢) ونحوه عن عمرو بن أمية الضمرى ﵁ (٣) .
وعن ميمونة زوج النبى ﷺ (٤) أن رسول الله ﷺ أكل عندها كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" (٥) .
_________________
(١) منهم ابن عمر، وأبى طلحة، وأنس بن مالك، وأبى موسى الأشعرى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبى هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وأبى قلابة، والحسن البصرى، والزهرى.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار ٢/٢٨٠ رقم ٣٥٤، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق ١/٣٧١ رقم ٢٠٧.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقم ٣٥٥، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر فى السكين ٦/١١٩ رقم ٢٩٢٣.
(٤) لها ترجمة فى: أسد الغابة ٧/٢٦٢ رقم ٧٣٠٥، والاستيعاب ٤/١٩١٤ رقم ٤٠٩٩، وتاريخ الصحابة ص٢٤٧ رقم ١٣٦٣، والرياض المستطابة ص٣١٣، ٣١٤.
(٥) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار ٢/٢ رقم ٣٥٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ ١/٣٧٣ رقم ٢١٠.
[ ٦٦ ]
وعن جابر بن عبد الله ﵁ (١) قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار" (٢) وأصل هذا الحديث رواه البخارى فى صحيحه أن جابر بن عبد الله ﵁ سأل عن الوضوء مما مست النار، فقال: لا، قد كنا زمان النبى ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفَّنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلى ولا نتوضأ" (٣) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٤٣ رقم ٢١، ومشاهير علماء الأمصار ص١٧ رقم ٢٥، وأسد الغابة ١/٤٩٢ رقم ٦٤٧، والاستيعاب ١/٢١٩ رقم ٢٩٠، والإصابة ٢/٤٥ رقم ١٠٢٢.
(٢) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار ١/٤٩ رقم ١٩٢، والترمذى فى سننه كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار ١/١١٦، ١١٧ رقم ٨٠ هذا وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، كلام طيب يرد به على القائلين بأن ابن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، فراجعه إن شئت فى سنن الترمذى فى الأماكن السابقة نفسها والحديث أخرجه أيضًا: النسائى فى سننه الصغرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيرت النار ١/١٠٨ رقم ١٨٥، والبيهقى فى السنن الكبرى، باب ترك الوضوء مما مست النار ١/١٥٥ وابن خزيمة فى صحيحه ١/٢٨ رقم ٤٣، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ٣/٤١٦ رقم ١١٣٤، والطبرانى فى الأوسط ٥/٥٨، ٥٩ رقم ٤٦٦٣.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأطعمة، باب المنديل ٩/٤٩٢ رقم ٥٤٥٧.
[ ٦٧ ]
وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة ﵁ (١) قال: إن رسول الله ﷺ أكل آخر أمره لحمًا، ثم صلى، ولم يتوضأ" (٢) .
وعلى ذلك جمهور الصحابة، ففى الموطأ روى موقوفًا، مفرقًا ومجمعًا عن أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعامر بن ربيعة العنزى، وابن عباس، رضوان الله عليهم أجمعين – أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار" (٣) .
_________________
(١) صحابى جليل له ترجمة فى: مشاهير علماء الأمصار ص٣٠ رقم ٩٣، والرياض المستطابة ص٢٥٨، ٢٥٩، وأسد الغابة ٥/١٠٦ رقم ٤٧٦٨.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير، وفيه يونس بن أبى خلده، قال فيه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١/٢٥٢ لم أرى من ذكره. قلت: سكت عنه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٩/٢٣٨ رقم ١٠٠٢، وأخرجه ابن شاهين فى الناسخ والمنسوخ من الحديث ص٩٧ رقم ٩٥، والحازمى فى الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار ص١٦٠، والبيهقى فى السنن الكبرى كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار ١/١٥٦ وفى طريقهم أيضًا يونس بن أبى خلده. أهـ.
(٣) أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مسته النار ١/٥٢، ٥٣ أرقام ٢١ – ٢٤، وأخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الطهارة، باب الرخصة فى ترك الوضوء مما غيرت النار ١/١٦١ رقم ٤٨٩، والطبرانى فى مسند الشاميين بإسناد حسن كما قال الحافظ فى فتح البارى ١/٣٧١، ٣٧٢ رقم ٢٠٧.
[ ٦٨ ]
٤- وروى أن أنس بن مالك ﵁ قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة، وأبى بن كعب، فقرب لهما طعامًا قد مسته النار، فأكلوا منه. فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة، وأبى بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ (١) فقال أنس: ليتنى لم أفعل. وقام أبو طلحة، وأبى بن كعب، فصليا ولم يتوضآ" (٢) .
ففى هذه الروايات ما يدل على أن الأمر فى قوله ﷺ: "توضأوا مما مست النار" محمول على الاستحباب، لا على الوجوب، وهذا قول بعض العلماء الذين ذهبوا إلى الجمع بين الروايات (٣) .
أما الجمهور من العلماء فعلى أن أحاديث الوضوء مما مست النار منسوخة برواية جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، وغيرها من الروايات السابقة المرفوعة والموقوفة (٤) .
فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم حقيقة الأمر الوارد فى السنة النبوية، وأنه ليس مرادًا، إذ هو محمول على الاستحباب على وجه الجمع بين الروايات – على رأى بعض العلماء – ومنسوخ على رأى الجمهور.
ب- ومثال النهى: ما ورد فى النهى عن الشرب قائمًا:
_________________
(١) أى: أبا العراق استفدت هذا العلم، وتركت عمل أهل المدينة المتلقى عن النبى ﷺ؟ ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ ١/٧٨ رقم ٥٥.
(٢) أخرجه مالك فى الموطأ كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مسته النار ١/٥٤ رقم ٢٦.
(٣) ينظر: شرح الزرقانى على الموطأ ١/٧٧ رقم ٥٣، والمنهاج شرح مسلم ٢/٢٨٠ رقم ٣٥٤، وسبل السلام ١/١٠٨، وفقه السنة للشيخ سيد سابق ١/٥٦.
(٤) ينظر: المصادر السابقة، مع نيل الأوطار ١/٢٠٢، والمغنى لابن قدامه ١/١٨٧، والاعتبار للحازمى ص١٥٨.
[ ٦٩ ]
.. فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ، أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا: قال: قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث" (١) ونحوه عن أبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة بزيادة "فمن نسي فليستقئ" (٢) .
فالظاهر هنا من أن هذا النهى النبوى، أن الشرب من قيام حرام، ولاسيما بعد قوله فى رواية أبى هريرة السابقة "فمن نسى فليستقئ" فإن ذلك يدل على التشديد فى المنع، والمبالغة فى التحريم.
ولكن روى فى السيرة العطرة من فعله ﷺ ما يبين حقيقة هذا النهى، وأنه ليس للتحريم:
فعن أبى عباس ﵄ قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب قائمًا (٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب كراهية الشرب قائمًا ٧/٢١٣ رقم ٢٠٢٤.
(٢) أخرجه مسلم (بشرح النووى) فى الأماكن السابقة نفسها برقمى ٢٠٢٥، ٢٠٢٦، وفى رواية عنه أيضًا عن النبى ﷺ قال لرجل رآه يشرب قائمًا: "قئ! قال: لم؟ قال: أتحب أن تشرب مع الهر؟ قال: لا. قال: فقد شرب معك شر منه الشيطان" أخرجه الدارمى فى سننه كتاب الأشربة، باب من كره الشرب قائمًا ٢/١٦٢ رقم ٢١٢٨، وأحمد فى مسنده ٢/٣٠١، ٢٨٣، والبزار، ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٥/٧٩.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الأشربة، باب الشرب من زمزم قائمًا ٧/٢١٤ رقم ٢٠٢٧، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا ١٠/٨٤ رقم ٥٦١٧، وكتاب الحج، باب ما جاء فى زمزم ٣/٥٧٦ رقم ١٦٣٧.
[ ٧٠ ]
وروى أن على بن أبى طالب ﵁ أتى باب الرحبة (١) بماء فشرب قائمًا. فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت" (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبى ﷺ دخل على أم سليم، وفى البيت قربة معلقة فشرب من فيها وهو قائم، قال: فقطعت أم سليم فم القربة (٣) فهو عندنا (٤) .
وروى أن كبشة بنت ثابت الأنصارى – وهى أخت حسان بن ثابت ﵄ لما دخل عليها رسول الله ﷺ، وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغى بركة موضع فىّ رسول الله ﷺ" (٥) .
_________________
(١) الرَحبة: بفتح الراء، والمهملة، والموحدة، المكان المتسع، ورحبة المسجد بالتحريك وهى ساحته والمراد رحبة للمكوفة بمنزلة رحبة المسجد، ينظر: القاموس المحيط ١/٧٢، وفتح البارى ١٠/ ٨٤ رقم ٥٦١٥.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا ١٠/٨٤ رقم ٥٦١٥ عن النزال بن سبرة ﵁.
(٣) قطعها لفم القربة، فعلته لوجهين أحدهما: أن تصون موضعًا أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يبتذل ويمسه كل أحد، والثانى: أن تحفظه للتبرك به والاستشفاء" قلت ما فعلته للوجهين معا. ينظر: المنهاج شرح مسلم ٧/٢١٣ رقم ٢٠٢٣.
(٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٣/١١٩، ٦/٤٣١، والترمذى فى الشمائل المحمدية ص١٢٩ رقم ٢٠٥ وأخرجه الدارمى مختصرًا فى سننه كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا ٢/١٦٢ رقم ٢١٢٤، وعزاه الهيثمى إلى أحمد والطبرانى وقال فيه البراء بن زيد ولم يضعفه أحد وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٥/٧٩.
(٥) أخرجه ابن ماجة فى سننه كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا ٢/٣٢٥ رقم ٣٤٢٣، والترمذى فى سننه كتاب الأشربة، باب ما جاء فى الرخصة فى الشرب قائمًا ٤/٢٧٠ رقم ١٨٩٢ وقال: حديث حسن صحيح غريب.
[ ٧١ ]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا" (١) .
فهذه الروايات وغيرها تدل دلالة قاطعة على أن أحاديث النهى عن الشرب قائمًا تحمل على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، وليس النهى للتحريم على ما جزم به ابن حزم، ولا الكراهة (٢) على ما ذهب إليه البعض (٣) .
وللحافظ ابن حجر:
إذا رمت تشرب فاقعد تفز *** بسنة صفوة أهل الحجاز
وقد صححوا شربه قائمًا *** ولكنه لبيان الجواز (٤) .
فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى حل ما ظاهره التعارض والتناقض من الأحاديث، ببيان حقيقة المراد بالنهى النبوى عن الشرب قائمًا، وأنه محمول على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل حال الشرب. وليس النهى للتحريم ولا الكراهة. ودليل ذلك كله سيرة رسول الله ﷺ فى الشرب قائمًا أهـ والله أعلم.