إن عصمة رسول الله ﷺ فى التبليغ لها دلالتها وأهميتها فى حجية كل ما يبلغ عن ربه ﷿ من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلوًا من السنة النبوية المطهرة، ومن هنا ترى علماء الأصول تناولوا العصمة فى مباحث السنة الشريفة، نظرًا لشدة التصاقها بها، حيث تتوقف حجية السنة المطهرة، بل والقرآن الكريم أيضًا على عصمة رسول الله ﷺ (١) لأن القرآن الكريم والسنة الشريفة، كليهما دليل شرعى يجب العمل به، ولا شك أن وجوب العمل به ناتج عن وجوب طاعة الرسول ﷺ الذى صدر عنه ذلك الوحي بنوعيه (القرآن الكريم، والسنة النبوية) ووجوب طاعته ﷺ متوقف على صدقه، وعصمته ﷺ من الكذب (٢) وهذا ما أجمعت عليه الأمة، فقد أجمعوا على عصمته عن أى شئ يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليه كتمان الرسالة، والكذب فى دعواها لا بالعمد ولا بالسهو، وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع (٣) إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين، وتصديق ما جاء به النبى ﷺ، وتجويز شئ من الكذب قادح فى ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة التى أيد الله ﷿ بها رسله تصديقًا له فى رسالته، وفى كل ما يبلغه عنه سبحانه، تلك المعجزة القائمة مقام قول الله ﷿: صدق رسولى فيما يذكر عنى،
_________________
(١) ينظر: الإحكام لابن حزم ١/١٢٤، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/٢٢٣، والبرهان للجوينى ١/١٨١، والإحكام للآمدى ١/١٥٦، والمحصول للرازى ١/٥٠١، والبحر المحيط للزركشى ٤/١٦٩، وإرشاد الفحول للشوكانى ١/١٥٩.
(٢) دراسات أصولية فى السنة النبوية للدكتور محمد إبراهيم الحفناوى ص١٩ بتصرف.
(٣) ينظر: الشفا للقاضى عياض ٢/١٤٤، وعصمة الأنبياء ص٧، والبحر المحيط للزركشى ٤/١٧٤، والإحكام لابن حزم ١/١٢٤، وحجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٩٧، ١٠٢،٢٥١.
[ ٢٩ ]
وهو يقول: إنى رسول الله إليكم لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم.
وذلك يستلزم أن كل خبر بلاغى عن رسول الله ﷺ صادق مطابق لما عند الله إجماعًا: فيجب التمسك به.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) فكلمة "ينطق" فى لسان العرب تشمل كل ما يخرج من الشفتين قولًا أو لفظًا (٢) أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ﷿ (٣) .
ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصور فى كونه وحى لا يتكلم إلا به، وليس بغيره (٤) .
وفى هذا دليل واضح على عصمته ﷺ فى كل أمر بلغه عن ربه ﷿، فعن طلحة بن عبيد الله ﵁ (٥) قال: قال رسول الله ﷺ! "إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله ﷿" (٦) .
_________________
(١) الآيتان ٣،٤ النجم.
(٢) ينظر: القاموس المحيط ٣/٢٧٧، ومختار الصحاح ص٦٦٦، ولسان العرب ١٠/٣٥٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ١٧/٨٤، ٨٥.
(٤) تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص٥٥.
(٥) صحابى جليل له ترجمة فى: أسد الغابة ٢/٢٣٢ رقم ١٥٨٠، والاستيعاب ٢/٤٨٩ رقم ٧٢٦، وتاريخ الصحابة ص٩٧ رقم ٤١٩، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٧٣، والإصابة ١/٤٩٥ رقم ٢٥٢٦
(٦) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا، دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأى ٨/١٢٧ رقم ٢٣٦١.
[ ٣٠ ]
.. وتبليغ وحى الله ﷿ كما يكون بالخبر القولى يكون بالفعل والتقرير، وبالأمر والنهى، فإن ذلك كله نوع من البلاغ يستلزم مع حجية جميع أقواله، حجية جميع أفعاله وتقريراته، وأوامره ونواهيه.
فيثبت بذلك حجية قوله ﷺ فى حق القرآن: "هذا كلام الله ﷿" (١) وقوله فى الأحاديث القدسية: قال رب العزة كذا، أو نحو هذه العبارة. وقوله ﷺ: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعاقبهم بمثل قراه".
_________________
(١) ينظر: فى حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٢٥٠ دفعه لافتراض أن القرآن كلام الله لا يثبت بذلك القول.
[ ٣١ ]
.. وفى رواية قال: "ألا هل عيسى رجل يبلُغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله ﷿" (١) وقوله ﷺ بعد البيان القولى والعملى للصلاة: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" (٢) وقوله ﷺ بعد البيان القولى والعملى للحج: "لتأخذوا عنى مناسككم فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه" (٣) وقوله ﷺ: "ما نهيتكم عنه فاجتنوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (٤) فهذه كلها أخبار معصوم عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب السنة، باب لزوم السنة ٤/٢٠٠ رقم ٤٦٠٤، ٤٦٠٥ والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبى ﷺ ٥/٣٧ رقم ٢٦٦٤ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه فى سننه المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه ١/٢٠ رقم ١٢، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان) باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلًا وأمرًا وزجرًا ١/١٠٧ رقم ١٢، والحاكم فى المستدرك ١/١٩١ رقم ٣٧١، وسكت عنه الحاكم والذهبى؛ وصححه الشيخ أحمد شاكر فى هامش الرسالة للشافعى ص٩٠، ٩١.
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ١/١٣١، ١٣٢ رقم ٦٣١، ومسلم (بشرح النووى) كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة ٣/١٨٧ رقم ٦٧٤ من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الحج، باب استحباب رمى حجرة العقبة يوم النحر راكبًا ٥/٥٢ رقم ١٢٩٧ من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ٨/١٢٠ رقم ١٣٣٧.
[ ٣٢ ]
الكذب أخذ منها العلماء أن الوحي على رسول الله ﷺ قسمان:
القسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته.
والقسم الثانى: ما ليس بكتاب وهو قسمان:
أ- حديث قدسى: وهو ما نزل لفظه (١) .
ب- وحديث نبوى: وهو ما نزل معناه، وعبر عنه النبى ﷺ بلفظ من عنده.
فأنت ترى من هذا كله أن عصمة رسول الله ﷺ من الكذب فى الخبر البلاغى لها دلالتها وأهميتها فى إثبات حجية القرآن الكريم، وجميع أنواع السنة على الوجه المتقدم (٢) .
_________________
(١) اختلف العلماء فى ذلك اللفظ، هل هو من عند الله ﷿، أو هو من عند رسول الله ﷺ مع اتفاقهم على أن معناه من عند الله ﷿، والقول القائل بأن لفظ الحديث القدسى من عند= =رسول الله ﷺ هو أظهر القولين عندى، لأنه لو كان منزلًا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية فى نظر الشرع ما للنظم القرآنى، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله، فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعًا، وحرمة مس المحدث لصحيفته، ولا قائل بذلك كله. ينظر: النبأ العظيم للدكتور محمد دراز ص١١.
(٢) حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٩٦، ٢٧٩ - ٢٨٢ بتصرف وتقديم وتأخير. وينظر: مبحث دلائل عصمته ﷺ فى تبليغ الوحي كما يصورها القرآن الكريم، والسنة النبوية ص٢٦٠ - ٢٧٨.
[ ٣٣ ]