كما تصرح الآيات بأن الإيمان بشخص النبى محمد ﷺ وبرسالته، جزء لا يتجزأ من الإيمان بوجود الله تعالى، وبإفراده بالعبودية والألوهية ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى﴾ وبدلالة هذا الإيمان كانت طاعته ﷺ، طاعة لله ﷿ ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١) وتأمل إفراد الضمير فى قوله: "واتبعوه" بعد أن فرق وغاير بواو العطف بين الإيمان به تعالى، والإيمان به ﷺ، ليدل على أن اتباعه وطاعته ﷺ، اتباع وطاعة له ﷿. لأن المشكاة واحدة - فى القرآن والسنة - وهى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٢) .
وبالتالى: فإفراد الضمير فى قوله: "واتبعوه" لا يعنى كما يزعم أعداء عصمة رسول الله ﷺ، بأنه اتباع وطاعة للقرآن فقط. لأن زعمهم هذا بنوه على تفسير كلمة "الرسول" فى الآيات بمعنى القرآن، وقد تبين لك فساد وبطلان هذا التفسير.
ثانيًا: زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط، أمر يرفضه ويبطله القرآن الكريم الذى بين فى مواضع عدة أن لرسول الله ﷺ، أوامر ونواهى، وأحكام، خارج القرآن الكريم، وهى واجبة الاتباع مثل القرآن الكريم سواء بسواء، من ذلك ما يلى:
_________________
(١) الآية ٨٠ النساء.
(٢) الآيتان ٣، ٤ النجم.
[ ٥٣٤ ]
١- قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ (١) فهذه الآية الكريمة تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس، كان مشروعًا من قبل، وكان ذلك التوجه حقًا وصوابًا واجبًا عليهم قبل التحول إلى الكعبة. فأين ذلك كله فى القرآن الكريم؟ ألا يدلك ذلك على أن النبى ﷺ، وأصحابه كانوا عاملين بحكم وأمر، لم ينزل بوحى القرآن، وأن عملهم هذا كان حقًا وواجبًا عليهم الطاعة فيه لرسول الله ﷺ؟! ولا يصح أن يقال: إن عملهم هذا كان بمحض عقولهم واجتهادهم. إذ العقل لا يهتدى إلى وجوب التوجه إلى قبلة "ما" فى الصلاة، فضلًا عن التوجه إلى قبلة معينة، وفضلًا عن أن النبى ﷺ، كان أثناء صلاته إلى بيت المقدس راغبًا كل الرغبة فى التوجه إلى الكعبة المشرفة: ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٢) إذن: كان التوجه إلى بيت المقدس بوحى غير القرآن وهو وحى السنة المطهرة، وكان رسول الله ﷺ مطاعًا فى ذلك الوحي. بل: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ (٣) فتدبر.
_________________
(١) الآية ١٤٢ البقرة.
(٢) الآية ١٤٤ البقرة.
(٣) جزء من الآية ١٤٣ البقرة. وينظر: حجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٣٣٦ بتصرف.
[ ٥٣٥ ]
٢- وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١) أفادت هذه الآية أن أمر النبى هو أمر الله، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى ﷺ، رأى أن يزوج زينب لزيد، على ما رواه الطبرانى بسند صحيح عن ابن عباس أن النبى ﷺ، خطب زينب وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسبًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فرضيت وسلمت" (٢) .
فتأمل: كيف أن المولى ﷿، جعل أمر رسول الله ﷺ هو أمره تعالى وأتى بصيغة عامة تشمل جمع أوامره ﷺ. فالآية تصفع أولئك المبتدعة الذين يقصرون طاعة النبى ﷺ على ما كان فى القرآن، ومتعلقًا بالدين! وزواج زينب بزيد لم يأمر به القرآن، ولا علاقة له بالدين. فإن تمسكوا بقول النبى ﷺ فى مسألة تأبير النخل! "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (٣) فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبى ﷺ لم يأمر بترك التأبير، وإنما قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا" فأبدى رأيًا مجردًا (٤) وليس كلامنا فيه، إنما كلامنا فيما أفادته الآية من وجوب اتباع أمره ﷺ دينيًا كان أو دنيويًا، مع تذييلها بقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا﴾ (٥) .
_________________
(١) الآية ٣٦ الأحزاب.
(٢) سبق تخريجه ص١٦٥.
(٣) سبق تخريجه ص١٨.
(٤) سيأتى مزيد من الجواب عن هذا الحديث فى الباب الثالث ص٤١٢.
(٥) الآية ٣٦ الأحزاب. وينظر: دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص١١٦، ١١٧.
[ ٥٣٦ ]
وقال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم﴾ (١) أفادت هذه الآية أن أمر النبى ﷺ، هو أمر الله ﷿، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى ﷺ يوم أحد، أخبر أصحابه بنصر الله لهم فى المعركة، وأمر الرماة يومئذ بألا يتحركوا من مكانهم بأى حال من الأحوال سواء هزموا أو انتصروا، وذلك فى قوله ﷺ: "لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" (٢) وفى رواية: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" (٣) ولكن الرماة ما إن رأوا هزيمة أهل الشرك وجمع المسلمين الغنائم إلا تركوا مكانهم وخالفوا أمر رسول الله ﷺ طلبًا للغنيمة، فكانت نتيجة مخالفة الأمر الهزيمة بعد النصر.
وتأمل قوله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم﴾ يتبين لك أن عدم طاعة رسول الله ﷺ فى سنته المطهرة، ومخالفته فى أوامره ونواهيه، عصيان، عاقبته الفشل فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة.
_________________
(١) الآية ١٥٢ آل عمران.
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب غزوة أحد ٧/٤٠٥ رقم ٤٠٤٣ من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد فى مسنده ١/٢٨٧، ٢٨٨ من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٥٣٧ ]
وقال تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (١) فالآية الكريمة تصرح بأن أمر رسول الله ﷺ بقطع نخيل بنى النضير وتحريقها، إنما هو بإذن الله تعالى. فأين هذا الإذن والأمر فى كتاب الله ﷿؟!.
أليس فى سنة رسول الله ﷺ؟! وأن تلك السنة يجب طاعته ﷺ فيها، حيث وصفت بأنها بإذن الله تعالى؟ على ما روى فى سبب نزول هذه الآية عن ابن عمر ﵄ قال: "حرق رسول الله ﷺ، نخل بنى النضير وقطع، وهى: البويرة (٢) فنزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ (٣) فهل بقى للمتنطعين القاصرين طاعته ﷺ على القرآن فقط من حجة؟!.
_________________
(١) الآية ٥ الحشر.
(٢) تصغير البئر الذى يستقى منها الماء، وهو موضع منازل بنى النضير اليهود. معجم البلدان١/٥١٢.
(٣) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب المغازى، باب حديث بنى النضير ٧/٣٨٣ رقم ٤٠٣٠ ومسلم (بشرح النووى) كتاب الجهاد، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها ٦/٢٩٣ رقم ١٧٤٦.
[ ٥٣٨ ]
وقال ﷿: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) فتأمل كاف الخطاب المراد بها شخص رسول الله ﷺ، هل يفسرها الأدعياء هنا بالقرآن؟ وتأمل كيف أن بيعة الرضوان، وكل ما حدث فيها من أوامر ونواهى، من رسول الله ﷺ، خارج القرآن، وطاعة الصحابة ﵃ لتلك الأوامر والنواهى! (٢) وكيف وصفت تلك البيعة البيعة بأنها مبايعة لله تعالى، وأن يده فوق أيدى أصحاب البيعة! مما يفيد أن مبايعة رسول الله، مبايعة لله، وطاعته طاعته، وأن كل ما يصدر عن النبى ﷺ، خارج القرآن، هو بإذن الله؛ بوحى غير متلو فى السنة المطهرة، مما يجب الامتثال له، حيث يرضاه الله تعالى وتأمل: ﴿لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٣) فإنها تؤيد ما سبق، حيث أن رضاه ﷿ عم الأشخاص الذين أطاعوا رسول الله ﷺ فى البيعة، كما عم رضاه سبحانه مكان مبايعتهم.
وقال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله﴾ (٤) فالآية صريحة فى توجيه الخطاب إلى شخص النبى محمد ﷺ، "إليك" "لتحكم" "أراك" فهل يزعم أعداء رسول الله ﷺ، أن الخطاب فى الآية للقرآن وليس لشخصه الكريم؟!.
_________________
(١) الآية ١٠ الفتح.
(٢) ينظر: قصة البيعة فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الحرب، والمصالحة مع أهل الحرب الخ ٥/٣٩٠ رقمى ٢٧٣١، ٢٧٣٢، ومسلم (بشرح= =النووى) كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية ٦/٣٧٧ رقم ١٧٨٥ من حديث سهل بن حنيف ﵁.
(٣) الآية ١٨ الفتح. وينظر: دلالة القرآن المبين لعبد الله الغمارى ص١٣٢، ١٣٣.
(٤) الآية ١٠٥ النساء.
[ ٥٣٩ ]
ثم تأمل ما فى الآية من التصريح بأن لرسول الله ﷺ حكمًا بين الناس، والحكم أمر زائد على مجرد القانون الذى يحكم به! وهذا الحكم النبوى وصف بأنه وحى إلهى ﴿بما أراك الله﴾ أليس فى الآية تصريح بأن لهذا النبى الكريم طاعة واجبة خارج القرآن، فيما يحكم به مما جاء فى سنته؟!.
وقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (١) فهذه الآية الكريمة تصرح فى وضوح وجلاء، بوجوب الإيمان بكل ما نزل على محمد ﷺ وما أنزل عليه شيئان (الكتاب والحكمة) كما صرح رب العزة بقوله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ (٢) وقال: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) وقد سبق قريبًا تفسير الكتاب والحكمة، وتفصيل الأدلة على أن الحكمة فى الآيتين وغيرهما بأنها السنة النبوية. إذن بصريح الآية الثانية من سورة محمد فإن له ﷺ طاعة خارج القرآن، وذلك فيما أنزل عليه من السنة المطهرة.
وتأمل: ذكر اسمه (محمد) مجردًا وصريحًا ليكون أبلغ رد على المتنطعين المتأولين كلمة "الرسول" بمعنى القرآن!.
وقال تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٤) وقال: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٥) فهاتان الآيتان تصرحان بأن لرسول الله ﷺ، تبيانًا لكتاب الله ﷿، وهو تبيان إلهى بنص آية القيامة، وهذا البيان إنما جاء على لسانه ﷺ فتجب طاعته فيه، لأنه أمر زائد على مجرد بلاغ المبين وهو القرآن الكريم على ما سبق تفصيله فى المطلب السابق.
_________________
(١) الآية ٢ محمد.
(٢) الآية ٢٣١ البقرة.
(٣) الآية ١١٣ النساء.
(٤) الآية ١٩ القيامة.
(٥) الآية ٤٤ النحل.
[ ٥٤٠ ]
وبعد: فإذا ثبت لك بصريح القرآن الكريم، أن لرسول الله ﷺ، أوامر ونواهى وأحكام، خارج كتاب الله ﷿، وأن هذه الأوامر والنواهى والأحكام هى بيانه للقرآن، وهو بيان منزل من عند الله ﷿ دل ذلك على أن لرسول الله ﷺ، طاعة واجبة لهذا البيان مع طاعته لكتاب الله تعالى.
كما دل ذلك على أن عشرات الآيات القرآنية التى تتحدث عن طاعته ﷺ إنما تعنى إطاعة شخصه الكريم فيما يبلغ من وحى الله تعالى قرآنًا وسنة؛ وليس كما يزعم أعداء عصمته ﷺ، طاعته فى القرآن فقط. وإليك نماذج من تلك الآيات.