.. ويحاول بعض الشيعة الطعن فى السنة النبوية وأهلها، وعلى رأسهم الإمام البخارى وصحيحه بإيهام القارئ أن فرية الغرانيق موجودة فى صحيح البخارى. إذ يقول جعفر مرتضى العاملى بعد أن ذكر فرية الغرانيق قال: "وأضاف البخارى سجود الإنس والجن إلى مجموع المسلمين والمشركين" (١) ويكذب أحمد حجازى السقا (٢) قائلًا: "فما تقول فى قصة الغرانيق المروية فى كتب الصحاح" (٣) ولم يبين لنا ما هى كتب الصحاح التى روت تلك الفرية؟!.
ويجاب عن هذه الفرية، وما اشتملت عليه من افتراءات أخرى بما يلى:
أولًا: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به من عصمة رسول الله ﷺ، فى عقيدته من الشرك والشك والضلال والغفلة، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وكذا عصمته من الخطأ والسهو فى أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الأمة، والأدلة القطعية من الكتاب والسنة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٤) .
ثانيًا: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها، وأقرب دليل يشير إلى فساد هذه القصة ما يلى:
_________________
(١) الصحيح من سيرة النبى الأعظم ٣/١٣٨، وينظر: أبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين ص١١٦، ودفاع عن السنة المحمدية أو الخطوط الطويلة لمحمد بن على الهاشمى ص١٢، ٤١.
(٢) كاتب مصرى معاصر، حصل على العالمية فى الدعوة من جامعة الأزهر، ورفض الأزهر تعيينه بالجامعة، من مؤلفاته التى شكك فيها فى مكانة السنة النبوية، كتابيه دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى، وحقيقة السنة النبوية، وغيرهما.
(٣) دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى ص٣٠.
(٤) يراجع: دلائل عصمته ﷺ فى عقله ص٤٨، والجواب عن شبهاتهم من القرآن على عدم عصمته ﷺ ص١١٣، ودلائل عصمته ﷺ فى نقل الوحي وتبليغ الرسالة من خلال القرآن والسنة والسيرة ص٢٦٤.
[ ٤٦٥ ]
١- ما ذكره رب العزة فى أول سورة النجم، مؤكدًا بالقسم على عصمة نبيه ﷺ، فى تبليغ وحيه، وأنه لا يخرج كلامه عن الحق، قال تعالى: ﴿والنجم إلى هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) فكيف ينتظم هذا مع ذكر فى نفس السورة من نطقيه ﷺ عن الهوى؟ بل وترديده ما يلقيه إليه الشيطان، على أنه آيات قرآنية إلهية؟! هذا مع قوله تعالى: ﴿ولو تقول عليه بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فها هو يتقول عليه، ولا يفعل به شيئًا؟ هل يعقل هذا؟!.
وإذا كانت هذه الآيات من سورة الحاقة، قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر؛ مادامت الآية تعطى قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة، والقاعدة الكلية هنا: عصمته ﷺ فيما يبلغ عن ربه ﷿.
٢- ما جاء فى نفس السورة بعد الموضع الذى زعموا أنه ذكرت فيه الفرية من ذم أصنام المشركين "مناة، واللات، والعزى" والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وأن التمسك بعبادتها أوهام وظنون. قال تعالى: ﴿إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (٣) .
فلو أن القصة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها، وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككًا، والكلام متناقضًا. وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا، ولاسيما أعداؤه الذين يلتمسون له العثرات والزلات.
_________________
(١) الآيات ١-٤ النجم.
(٢) الآيات ٤٤ – ٤٧ الحاقة.
(٣) الآية ٢٣ النجم.
[ ٤٦٦ ]
.. فلو أن ما روى كان واقعًا لشغب عليه المعادون له، ولارتد الضعفاء من المؤمنين، ولثارت ثائرة مكة، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكئًا يستندون إليه فى الطعن على النبى ﷺ، والتشكيك فى عصمته، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن.
٣- إن بعض الروايات الواردة فى القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ (١) .
وهاتان الآيتان، حتى لو لم تكونا سبب النزول، فهما تردان القصة؛ لأن الله ذكر أنهم كادوا يفتنونه، ولولا أن ثبته لكاد أن يركن إليهم، ومفاداه أن الفتنة لم تقع، وأن الله عصمه وثبته حتى لم يكن يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلًا عن الركون. فالأسلوب القرآنى جاء على أبلغ ما يكون فى تنزيه ساحته ﷺ عن ذلك، وهم يرون فى أخبارهم الواهية، أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم، وهذا ينافى ما تدل عليه الآية، وهو توهين للخبر لو صح، فكيف ولا صحة له؟ (٢) .
٤- وقال تعالى: ﴿قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصًا له دينى. فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ (٣) . وتأمل الأسلوب الإنكارى التوبيخى فى قوله ﴿فاعبدوا ما شئتم﴾ وهى أشد من مجرد مدح الأصنام.
_________________
(١) الآيتان ٧٣، ٧٤ الإسراء، وينظر: جامع البيان لابن جرير ١٧/١٣١.
(٢) الشفا ٢/١٢٧، ١٢٨ بتصرف، وينظر: السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ١/٣٧١، ٣٧٢، وحياة محمد للدكتور محمد هيكل ص١٤٤.
(٣) الآيات ١١ – ١٥ الزمر.
[ ٤٦٧ ]